لماذا الدهشة مما فعله ترامب في فنزويلا؟ هذا دأب الرؤساء الأمريكيين
08 يناير 2026
سيمون جينكنز - ترجمة: أحمد شافعي
08 يناير 2026
بدأت النقاط تتسرب. لم يكن الأسبوع الماضي في كاراكاس غزوا، وإنما هو انقلاب، واختطاف عسكري لحاكم بهدف مساعدة نائبة له أكثر سلالة منه على الوصول إلى السلطة. فمنذ أبريل في العام الماضي، وفقا للتقارير، كانت نائبة الرئيس والرئيسة المؤقتة حاليا ديلسي رودريجز وشقيقها خورخي ـ رئيس الجمعية الوطنية في فنزويلا ـ يتعاملون سرا مع واشنطن. ويتردد أن هذا كان يجري عبر مركز الدبلوماسية غير الرسمي: دول عربية.
لا نعرف التفاصيل بعد. لكن الشائعات منطقية، ومفادها أن ما حدث في الأسبوع الماضي كان مرتبا ليبدو مشينا، ومنه إدانة رودريجيز الأولية لما جرى بوصفه شنيعا. وتم تسليم الرئيس نيكولاس مادورو للأمريكيين بسرعة وسلمية. ولم يقع من خطأ إلا وصف ترامب لديلسي بأنها «شديدة الرقة» قبل المسارعة بأدائها اليمين لتتولى السلطة في أعقاب الغارة مباشرة. وتمثلت زلة أخطر من تلك في استهانته بزعيمة المعارضة ماريا كورينا ماشادو ووصفه إياها بالافتقار إلى «الدعم أو الاحترام بالداخل». وكانت هذه قد ناصرت إدموندو جونزالس أوروتيا الذي يحتمل أنه الفائز بانتخابات 2024 الفنزويلية المزورة وهو ما أدى بها إلى الفوز بنوبل السلام التي يتوق إليها ترامب توقا شديدا. ولماذا لم يرد ذكر إدموندو جونزالس على لسان ترامب قط؟
لا بد من الإقرار بأن تلك الواقعة كانت انتهاكا للقانون الدولي بطبيعة الحال. لكن الولايات المتحدة نادرا ما حفلت بذلك القانون. فالدهشة إنما هي من كل هذه الدهشة. فالرئيس الأمريكي تلو الرئيس يرون قدرا أكبر من الجاذبية في القول بأن «قدر الولايات المتحدة» المحتوم هو المناداة بالحرية ودعمها حيثما لزم الدعم. أما القول بأن هجمة كاراكاس غير دستورية لأن الكونجرس هو الذي يملك وحده حق إعلان الحرب فمسألة يفترض أن ينهيها القول بأن العملية لم تكن أكثر من «تطبيق للقانون».
من الواضح أن كير ستارمر يتحوط بعدم مسارعته إلى استخلاص النتائج. فهو تقريبا لم يقل أي شيء. وفي عام 1983 حين أطاح رونالد ريجان بالنظام اليساري الحاكم في أقرب جيران فنزويلا، أي جرينادا، اتصلت مارجريت تاتشر به للاحتجاج بشدة على الهجمة المجانية على إحدى دول الكومنولث. وتلقى ريجان المكالمة وسط مساعديه وأتاح لهم الاستماع عبر مكبر الصوت إلى كلامها الحاد، وقال مبتسما «بذمتكم، أليست امرأة رائعة؟»
بعد عملية الأسبوع الماضي، مضى الناس كما هو توقع يبحثون عن فهم الأحداث والدوافع فهما واضحا، لكن الحقيقة هي أن تدخلات الدول القوية دوليا غارقة في النفاق. فقد يكون غرضها الحقيقي مكسبا تجاريا أو مجدا داخليا أو معاونة لحليف. وقد يكون فقط إظهارا لطيب الطبع. في خطاب تنصيبه سنة 1961، تعهد الرئيس جون كينيدي بأن الولايات المتحدة «سوف تدفع أي ثمن، وتتحمل أي عبء، وتواجه أي مشقة، وتدعم أي صديق، وتعارض أي خصم، لكي تضمن دوام الحرية ونجاحها». ثم عمد إلى تصعيد الصراع في فيتنام.
وجميع الرؤساء الأمريكيين بدأوا مطيعين لدعوة جورج واشنطن سنة 1796 إلى الانعزالية، فأقسموا على أن ينأوا ببلدهم عن الصراعات البعيدة التي «تكون أسبابها منقطعة الصلة باهتماماتنا».فتعهد وودرو ويلسن بألا يقاتل في الحرب الكبيرة أي العالمية الأولى وتعهد فرانكلين روزفلت بمثل ذلك في الحرب العالمية الثانية. وفي عام 1940 أعلن روزفلت للأمهات الأمريكيات قائلا «إنني سأقولها ثانية وأكررها مرارا: لن نبعث أبناءكم إلى حروب خارجية». وفي غضون عام واحد بعثهم، مثلما سبق أن فعل ويلسن.
واقع الحال هو أن سلطة البيت الأبيض ومؤسسة البنتاجون العالمية تبدو بمرور الوقت أمرا لا يمكن مقاومته، مغريا بالاستعمال. وعندما تلاشى الخطر السوفييتي في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، قال جورجي أرباتوف ـ مساعد ميخائيل جورباتشوف وكبير موالي أمريكا في الكريملين ـ لنظرائه الأمريكيين في رثاء: «إننا سوف نفعل بكم أمرا رهيبا إذ سنحرمكم من عدو».
وما فعلته الولايات المتحدة ببساطة أنها بحثت عن عدو جديد، وبحثت عنه بما يشبه الهوس، ونادرا ما كانت تحفل كثيرا بالقانون الدولي. وحينما قام جورج بوش الأب سنة 1990 باختطاف مانويل نورييجا رئيس بنما باعتباره تاجر مخدرات، لم يبد أحد قلقا عظيما بشأن القانون. ولا بريطانيا في عام 1999 في القصف غير المشروع نهائيا لبلجراد ونشر قوات حفظ السلام في كوسوفو. وعندما شاركت في إلحاق الهزيمة بصدام حسين سنة 2003، كانت الذريعة هي أنه يهدد الأمن الوطني البريطاني. وكان هذا عبثا سافرا، غير أن البرلمان قبله على مضض. أما عن مساعدة بريطانيا في الإطاحة بقائدي أفغانستان وليبيا، فقد اكتفت بقولها إنهما شخصان شريران، وإن الدول الثرية ملزمة بأن تهب لنجدة الدول المقهورة، وهذا إلى حد كبير خلاصة سردية ترامب اليوم.
وحتى الآن على الأقل، نأى ترامب بنفسه تماما عن لغو أسلافه عن «شرطي العالم». وزعم أنه تعلم من فشل دروس بناء الدول. وأعلن في العام الماضي أن الولايات المتحدة ضجرت من الناتو ومن الدفاع عن أوروبا. وفي خطبة له في الرياض، قوبل ترامب بتصفيق لدعوته إلى إنهاء وعظ العالم بالكيفية التي ينبغي أن يتصرف بها. وفي حدود ما يعنيه فإن «أولئك الذي يوصفون بـبناة الدول حطموا من البلاد أكثر مما بنوا».
وجاء انقلاب الأسبوع الماضي ليمثل ردة هائلة. قال ترامب إنه يعتزم إدارة فنزويلا «مع مجموعة» بهدف «نقلها» إلى الاستقرار. بدا أنه يفترض أن الانقلاب سوف ينجح، مثلما نجح في بداية الأمر، ولا يتطلب مزيدا من استعمال الولايات المتحدة للقوة. وليس أمامنا إلا أن ننتظر لنرى.
غير أن ساحر السياسة لدى ترامب وهو ستيفن ميلر لا يتصور أقل من «نتيجة ترامبية» تترتب على مبدأ مونرو. وهذا المبدأ في الأصل أعلن مسؤولية الولايات المتحدة عن حراسة الأمريكتين من الاستعمار الأوروبي. وكان من نتائج المبدأ المبكرة أن تعهد ثيودور روزفلت بأن تلتزم واشنطن «وإن يكن على مضض، في حالات التجاوز أو العجز الصارخة، بممارسة سلطة الشرطة الدولية».
ويبدو أن نتيجة هذا المبدأ في حالة ترامب هي استعمال الأمن الوطني ذريعةً لغزو جرينلاند، وربما كوبا، بل وكندا. وتردد أن زوجة ميلر قد نشرت خريطة لجرينلاند وعليها العلم الأمريكي. ومن شأن هذا أن تكون الولايات المتحدة عمليا امبراطورية الأمريكيتين، وهذا جنون لا لبس فيه.
أقرب ما يمكن أن يسوغ مغامرة ترامب في فنزويلا هو إجراء انتخابات مبكرة ورجوع الديمقراطية إلى بلد أراه جميلا ورائعا بحق. لكن ترامب حتى الآن لم يأت على ذكر الديمقراطية. وهو رئيس مختلف للغاية، لكنه من بعض الأوجه محض شبيه بأسلافه الذين كان يطيب لهم مذاق القدرات الأمريكية ونشر القوة الأمريكية. ولذلك يلوح في الأفق عراق آخر، أو مستنقع، أو ما هو أسوأ من ذلك. ولعله يكتشف أن غريزة جورج واشنطن الانعزالية كانت على صواب.
سيمون جينكنز أحد كتّاب الرأي في صحيفة ذي غارديان ومؤلف كتاب «موجز تاريخ أمريكا: من حزب الشاي إلى ترامب».
الترجمة عن «ذي جارديان»
