No Image
المحافظات

الحُليّ التقليدية .. أسرار فنية تنبض بالأصالة وتكشف هوية التراث العُماني

06 يناير 2026
06 يناير 2026

كتبت - أسماء بنت خلفان الغدانية -

عندما تُكتب القصص الأزلية للحُلي العُمانية التقليدية من داخل الأزقة الضيقة لولايات مثل نزوى ومطرح وصور، يكتشف السائح أن كل قطعة من هذه الحُليّ ليست مجرد زينة، بل سردٌ مليء بالتاريخ والتراث الغني، حيث بدأ الحرفيون العُمانيون منذ القدم في صياغة هذه التحف من الفضة والذهب، مستلهمين من الطبيعة المحيطة بهم، وجميع الحُليّ تعكس احتفالية مرتبطة بالمرأة والرجل العُماني.

وبفضل جهود الأجيال الشابة، تستمر هذه القطع الفنية في الازدهار، مخلصة لروحها التقليدية، لكنها تتماشى مع متطلبات العصر لتبقى دائمًا رمزًا للجمال والأناقة.

انطباعات

تروي زينب الهواري، امرأة مغربية مقيمة في سلطنة عُمان، قصة حبها للحُليّ العُمانية، وقالت بلهجة مشبعة بالإعجاب: «لطالما أسرني جمال الحُليّ العُمانية التقليدية، فكل قطعة تحمل في طياتها دقة صناعتها وفخامة تفاصيلها».

وحكت كيف أن هذه المجوهرات ليست مجرد زينة تُكمل مظهر المرأة، ولكن كل الأقراط والخواتم تحمل عبق التاريخ وجذور التراث.

وخلال حديثها، وضّحت زينب الفروقات الشيّقة بين الحُليّ العُمانية والمغربية، فبينما تتزين عُمان بالذهب والفضة كبديهيات، تعتمد المغرب على تنوع المعادن والأحجار الكريمة، معبّرة عن سعادتها باقتناء البنجرِي المشوك الفضي والخنجر العُماني.

ومن جانب آخر، تقول مها حسن، سورية الجنسية مقيمة في سلطنة عُمان منذ 20 عامًا: «بطبيعة الحال تختلف الحُليّ من بلد إلى آخر بأشكالها والخامات المستخدمة في صنعها، وأكثر ما أعجبني في الحُليّ العُمانية التقليدية هي القلائد، أو كما نطلق عليها في بلدنا (الأطواق)، إذ إني أرى تنوعًا كبيرًا ومميزًا في أشكالها، كلٌّ حسب الزي الذي يناسبها والمنطقة التي تنتمي إليها. كما أن النقوش والزخارف الإسلامية والهندسية المنقوشة عليها تعطي طابعًا كاملًا على أن الحُليّ العُمانية مستوحاة من الثقافة والتقاليد والهوية العُمانية الأصيلة، ولأقول الحقيقة لم أرَ بلدًا مرتبطًا بالعادات والتقاليد والهوية العريقة ويسعى لإظهارها وتوظيفها في كل شيء أكثر من سلطنة عُمان، وأنا ممتنة جدًا أني أعيش على هذه الأرض الطيبة».

وتتحدث نجاح محمد يوسف من المملكة الأردنية الهاشمية عن الحُليّ العُمانية بقولها: «دائمًا ما كنت أرى بروز الطابع التراثي والثقافي في مختلف الأشياء في سلطنة عُمان، ومن بينها الحُليّ التقليدية النسائية والرجالية على حد سواء، ولكن حديثي هنا عن الحُليّ النسائية التي أرى بها طابعًا تراثيًا جذابًا يختلف اختلافًا جذريًا عن الحُليّ الأردنية، وذلك لأن الحُليّ العُمانية أدق بالتفاصيل وأكثر ارتباطًا بالتراث مقارنة ببلدي، وأكثر شيء أحببته في الحُليّ العُمانية هي السلاسل المصنوعة من الفضة الخالصة، المزينة بنقوش مستوحاة من الطبيعة والبيئة العُمانية والرموز التقليدية».

وتقول آيات بنت خالد يوسف عبدالواحد من السودان: «إن الحُليّ العُمانية التقليدية تحتوي على لمسة مميزة وفريدة لم يسبق لي أن رأيت مثلها من قبل، وتتشابه مع بعض الحُليّ في بلدنا، ولكن الحُليّ العُمانية أكثر تنوعًا وتفردًا في الصناعة والصياغة.

ولم أكن أعلم شيئًا عن جمال هذا التراث المادي العُماني إلا عندما انتقلت للعيش في سلطنة عُمان، ووجود حُليّ تقليدية منقوشة بكل ما يخص الهوية والثقافة العُمانية، إن دلّ على شيء، فهو يدل على ارتباط الإنسان العُماني الكبير بهويته وافتخاره بأصالته».

وتقول إحدى كبيرات السن، وهي حبيبة بنت شنين السباعية: «من السنوات القديمة كنا نحرص على ارتداء الحُليّ التقليدية، فهي بمثابة جزء مهم في زينة المرأة، وكانت تختلف عدد القطع التي ترتديها المرأة حسب وضعها المادي. كما كنا نقصد صاغة بعينهم لشراء الحُليّ النسائية، كالذين في ولاية نزوى أو مطرح أو صور، ولم تكن السهولة في الحصول عليها مثل الحال الآن، ولكن مع ذلك كنا نحرص على اقتنائها، خصوصًا بعد أن تتزوج الفتاة، كجزء من مهرها وزينتها لحياتها الجديدة».

وتضيف سالمة بنت مرزوق الغدانية: «إن التطور الذي تشهده المرأة العُمانية اليوم، والتطورات في الموضة والإكسسوارات والمجوهرات، لم يجعلها تستغني عن ارتداء الحُليّ التقليدية، فما زالت المرأة العُمانية تحافظ على ارتدائها، معبرة بذلك عن انتمائها وولائها لبلدها وفخرها بالثقافة العُمانية العريقة والأصيلة. كما تشهد اليوم المصوغات الفضية والذهبية تطورًا في صنعها، كمثال طلاء المصوغات الفضية بالذهب والذهبية بالفضة».

خصائص فنية وجمالية

تعتمد صناعة الحُليّ العُمانية على المهارة اليدوية، إذ تُصنع بطرق تقليدية باستخدام أدوات توارثها الحرفيون عبر الأجيال.

كما تُستخدم الفضة العُمانية عالية الجودة كمواد أساسية، مما يجعل هذه الحُليّ رمزًا للصفاء والنقاء.

وتُدمج أحيانًا مع الأحجار الكريمة أو الذهب، خصوصًا في الحُليّ النسائية، وتُزين بتصاميم ونقوش مستوحاة من التراث والبيئة العُمانية. وتختلف أشكالها وزخارفها حسب المحافظات والولايات التي تُصنع فيها، ولكل منطقة طابعها المميز، وتعكس تنوع البيئات العُمانية، مثل البدوية والساحلية والجبلية، مما يؤدي إلى تنوع كبير في الأشكال والتصاميم والنقوش والزخارف، التي تشمل الزخارف النباتية والنقوش الهندسية المستوحاة من العمارة العُمانية، إلى جانب الرموز الدينية مثل الهلال والنجمة.

وتظهر هذه الحُليّ إتقان وإبداع الحرفيين والصاغة العُمانيين، الذين يجمعون بين البساطة والفخامة، حيث تتميز أدوات الصنع بالبساطة، بينما تبرز الفخامة في التصاميم والأشكال والنقوش المتناسقة التي لا تتأثر بمرور الزمن أو تطورات العصر.

مبادرات وبرامج مبتكرة

في السنوات الأخيرة، شهدت صناعة الحُليّ العُمانية نهضة جديدة بفضل جهود وزارة التراث والسياحة والهيئة العامة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، بالإضافة إلى دور جمعيات المرأة العُمانية التي دعمت المهتمين بهذا المجال.

وتم توفير برامج تدريبية تهدف إلى تطوير المهارات وتمكينهم من تسويق منتجاتهم محليًا ودوليًا، وظهرت مبادرات شبابية تركز على التصميم، تسعى إلى دمج الطابع التراثي العُماني مع التصميم الحديث. وينعكس الاهتمام بعالم التصميم في تخصصات دراسية تقدمها بعض الجامعات والمؤسسات الأكاديمية، لتبتكر تصاميم ترتبط بالثقافة العُمانية وتحولها إلى واقع ملموس. وكل ذلك يسعى للحفاظ على هذه القطع الفنية التي تحمل روح الأصالة وتواكب متطلبات الموضة.

ويجسّد الإقبال الكبير على اقتناء الحُليّ العُمانية من الذهب والفضة وعي المجتمع بأهمية الحفاظ على التراث الوطني وتعزيز الصناعات التقليدية، التي تُعد جزءًا من الهوية الثقافية العُمانية.