محمد البكري الباقي في بعنة عكا
"سجّل أنا عربيّ.. نعم عزيزي.. بس هيك".
هذا ما علّق به على مقالي المعنون "سجّل أنا عربيّ"، المقتبس من الجملة الشعرية الافتتاحية من قصيدة "بطاقة هوية" لمحمود درويش. لقد جاء التعليق على مضمون المقال القومي في سياق الحرب على بلادنا، الداعي إلى التضامن ومقاومة اقتلاعنا من أرضنا. بكلمتين فقط اختصر المبدع والمفكرّ معا ما ينبغي فعله، تأكيدا على ما ذهب له الشاعر من تأكيد الوجود العربي في فلسطين المحتلة عام 1948.
"بس هيك" استخلاص وطنيّ وقوميّ وإنسانيّ يدرك قائله ماهية الاحتلال، واللغة الوحيدة التي تجدي معه، والتي تتجلى في مقاومته، كل في مجاله، حيث اختار محمد البكري المقاومة الثقافية والفنية على مدار سنوات حياته حتى آخر نبض لقلبه الفلسطيني.
لقد سكنه هذا الشعور مبكّرا في حياته؛ فسار الفن والفكر والأدب والتاريخ، وكان ناظم ذلك كله مضمون البقاء الإبداعيّ لشعب أعزل سوى من إرادته الحرّة.
كل وما يربطه بالفنان الكبير محمد البكري؛ لذلك سيكون من الصعب اختيار بدايات الكلام، كحالي الآن معه، وهو معلمي الأول في عالم المسرح، فهو من خلال رواية "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل" لإميل حبيبي رفيق من رفاق الدرب الوطني، زرع أولى بذور معنى البقاء في الوطن المستلب من أبسط عناصر الوجود.
انطلق الثلاثي الروائي إميل حبيبي والفنان محمد البكري والمخرج مازن غطاس، في مونودراما المتشائل عام 1986، وبعد أقل من عام، وفد الجليليون (نسبة إلى الجليل) إلى مسرح الحكواتي في القدس في حزيران عام 1967، يشاركهم الشاعر سميح القاسم، للمشاركة في الفعالية الوطنية الجامعة بمناسبة الذكرى العشرين لاحتلال ما تبقى من فلسطين عام 1967.
كانت المرة الأولى للفتى لمشاهدة مسرحية الشخص الواحد، التي ما زالت تؤثر عميقا في وجدان كل من شاهدها في فلسطين والعالم العربي والعالم. تناولت الرواية-المسرحية فلسطينييّ عام 1948، وكيف استطاعوا الحياة والبقاء في ظل الحكم العسكريّ والحصار والاستلاب حتى لكرومهم وبيوتهم. لقد تناول العرض هؤلاء الذين أريد لهم التهميش، ولكن ينقلب السحر على الساحر، فنفشل الأسرلة، ويبدع الباقون بانتمائهم القوميّ بل والمقاوم، حين يتم القبض على الشاب فتحي ابن سعيد كأحد المنتمين لمقاومة الاحتلال.
بعد ثلاث سنوات، أي في عام 1990، كنا في السنة الجامعية الثانية في مصر، حين وفد محمد البكري إلى القاهرة ليعرض مسرحية "المتشائل" على مسرح الجمهورية، ضمن أسبوع فلسطين الجامع للمثقفين الفلسطينيين في الوطن والشتات، فاصطحبت عددا من الزملاء وأنا أشجعهم على مشاهدتها، لنفاجأ بأن المسرح امتلأ ولم يعد فيه مكان، فوقفنا في "البلكون" لا لنشاهد المسرحية فقط، بل لنشهد إعجاب فناني مصر المنقطع النظير لأداء محمد البكري المذهل، ولأستعيد المشاهدة الأولى في القدس عام 1987.
ترى كيف تم ذلك؟ لقد تم من خلال المقاومة الثقافية، حين أبدع الكتاب والشعراء والفنانون في كل ما يدلّ على حياة شعبنا الباقي هناك، لدرجة أن الشعر المقاوم أصلا ظهر هناك قبل هزيمة عام 1967.
ثمة خيط وجودي صادق يربط حياة محمد البكري والوطن من خلال الفن والأدب، وهو الذي بلغت شهرته العالم. وحين شاركنا في الدورة الأولى لمهرجان قرطاج الدولي للمونودراما في الشقيقة تونس عام 2018، تركزت ورقتي التي كانت بعنوان المونودراما في فلسطين التي ستجد طريقها قريبا في كتاب، على مونودراما "المتشائل" التي تعدّ أهم مونودراما عربية، إن لم تكن أهمها عالميا.
أكد على ذلك المنحى الفني قيامه بدور شخصية "حيفا" في فيلم "حيفا" للمخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي، عام 1996، والذي نال من خلال جائزة أفضل ممثل من مهرجان فينيسيا الدولي بعد ذلك بعام، أي في عام 1997. لقد ظلت عبارة الفنان محمد البكري في الفيلم "يافا حيفا عكا"، في أعماقنا، كما الوطن كذلك.
هذا هو محمد البكري، الوطني الوجودي إلى آخر مدى، الذي ظل يقاوم الاحتلال الذي وجد الفرصة مهيأة لملاحقته بسبب فيلمه "جنين جنين" الذي ظهر عام 2003، إثر اجتياح الاحتلال لمخيم جنين.
لقد ارتبط محمد البكري بعرض المتشائل كما لم يرتبط بأيّ عرض سينمائيّ أو مسرحي، وظل يعرضه على مدار عمره. 48 عاما وهو يعرض المتشائل في الفضاءات الممكنة، بإصرار عجيب وخاصة داخل فلسطين المحتلة عام 1948، كونه متعلقا ببقائهم الأكثر إبداعا.
كان محمد البكري في بداية الثلاثينيات حين عرض "المتشائل" أول مرة، ولعله ظل يعرضه حتى بداية السبعينيات، والغريب أن العرض ظل مطلوبا، حتى بعد كبره في العمر، لكن كلما عرضه كانت الحيوية تدبّ فيه، فيعود فتى الجليل والقدس والقاهرة.. وليس هذا فقط، بل كان الجمهور يكرر مشاهدة العرض، فقد شاهدته عدة مرات من مراحل عمري، بل لقد شاهدته من خلال فيديو مصوّر كذلك. وشخصيا وجدت نفسي أكتب عنه أكثر من مرة؛ فكلما زادت القدرات والخبرات، وجدنا جوانب من العرض لم نكن منتبهين لها شكلا ومضمونا، فاستحق العرض صفة الخلود.
نحت أميل حبيبي "المتشائل" من كلمتي: المتفائل والمتشائم، في انحياز حقيقيّ للتفاؤل، كأنه في ظل الظروف الصعبة التي مرّت فيها فلسطين، بقي متفائلا.
لقد صار للعرض المسرحي العربي المتشائل الأكثر شهرة تاريخًا خاصًا للعرض والفنان والرواية ولنا أيضا؛ فكل فلسطيني وكل عربي سيجد نفسه فيه، صغيرا وكبيرا، حيث يمكننا جميعا تأويل العرض حسب العمر، لكننا جميعا نتأثر به، وبذلك اجترح الثلاثي حبيبي وبكري وغطاس معجزة فنية كان لها دور ليس فقط في التعبير عن بقاء الفلسطينيين في وطنهم، بل ومنحهم طاقة متجددة للبقاء في أماكن حضورهم في فلسطين التاريخية، في الضفة العربية وغزة وفلسطين عام 1948، وفي فلسطين الشتات.
لقد آمن محمد البكري ابن "البعنة" من قضاء عكا بشعبه الباقي في الوطن؛ فقد فتح عينيه عام 1953، بعد خمس سنوات على نكبة وطنه وتشريد أهله، فتفتح وعيه وشعوره، على هذه المأساة، ليعيشها، ويعبّر عنها، بل وليقاوم النفي والاستلاب، ليصبح الوجود الفلسطيني داخل الوطن المحتل عام 1948 شوكة في حلوقهم، حتى إن مؤتمر هرتسليا للدراسات كرر لأكثر من دورة بأن فلسطينيي عام 1948 هم الخطر الاستراتيجيّ الأول على الاحتلال، وهو ما أكده المتطرف اليميني سموترتش قبل أيام.
في الفترة الأخيرة، لاحظت في حديث محمد البكري "أبو صالح" ذكره "البعنة" بشكل لافت، كأنه في الوعي وعدم الوعي يؤكد هذا الحضور ويوصينا به.
ذلك هو الفن المقاوم عميقا، والذي كان من فرسانه محمد البكري، الذي لم يترجّل إلا مع نداء الموت، ليلاقي ربه راضيا مرضيا، بعد جهاد وجودي في الأرض وعليها.
