ديموغرافيا..
14 نوفمبر 2025
14 نوفمبر 2025
يبدو أن كل العمليات الديموغرافية هي عمليات ميكانيكية إلا في استثناءات بسيطة، بمعنى أن لأفراد المجتمع دورا محوريا في تفعيل أنشطتها، سلبا أو إيجابا، قصدا أو دون قصد، وبالتالي ففي القصد تكمن خطورة كبيرة، وفي عدم القصد أيضا تكمن خطورة لا تقل عن سابقتها؛ لأنه إذا كان في المعرفة وبمقاصد سلبية مصيبة، فإن في الجهل مصيبة أكبر، والفرق بين الحالتين: أن في الحالة الأولى «المعرفة» قد تتدارك بعض الممارسات السلبية فتحد من نشاط العوامل السلبية، عبر برامج وخطط، وهذا الأمر ليس في يد الفرد العادي، وإنما في يد المؤسسة الرسمية، وأما في الحالة الثانية «الجهل» فإنه يصعب ذلك، لأن المسألة حينها تكون قائمة على القناعات، وعلى الرغبات، وليس على الحاجات فقط، ولذلك ينظر إلى الديموغرافيا على أنها واحدة من التموضعات التي من شأنها أن تربك البيئة الاجتماعية للأوطان، وقد تتأزم المسألة إلى خلق مشاكل؛ ومع مرور الأيام؛ يصعب حلها، إن لم تكن هناك قراءة واعية لمسارات سلوكيات أفراد المجتمع.
ونضرب بأمثلة من الواقع؛ فمثلا؛ الزواج من خارج البيئة الجغرافية، فهذا النوع من الزواج؛ عاجلا أو آجلا؛ سوف يربك المنظومة الاجتماعية في كثير من محطاتها سواء من جهة القيم، أو اللغة، أو التركيبة البنوية في الأشكال السلوكية الظاهرة للفرد، وفي تناقل الجينات، ويتوقع أن تظهر مثل هذه الإشكاليات في الجيل الأول والثاني من تسلسل الزيجات، صحيح أن في ظاهر هذا النوع من الزواج إيجاد خيارات متنوعة للمقبل على الزواج فيما يعرف بمصطلح «تحسين النسل» كما يحلو للبعض تسميته، وفيه تأثير للحد من ارتفاع المهور، وفيه حلول لفئات من أبناء المجتمع ممن يتعذر إلى حد ما وجود زوجات تقبل بأفراد من هذه الفئات لأسباب مختلفة، ولكن المحصلة النهائية هو وجود خلخلة في البنى الاجتماعية بصورة واضحة؛ وكما قلت؛ في الجيل الأول والثاني مباشرة، خاصة إذا تكاثر هذا النوع من الزيجات.
أما المثال الثاني: فهو تحديد النسل والذي غلف معنا هنا في السلطنة ببرنامج «المباعدة بين الولادة» الذي روج له كثيرا في تسعينيات القرن الماضي، فكانت نتائج هذا البرنامج بعد جيل تقريبا الجيل يقدر بـ (30) عاما أن تتزاحم برامج التنمية في مختلف المجالات مع تضاؤل/ قلة القوى العاملة الوطنية مما أدى إلى جلب القوى العاملة الوافدة من كل البقاع، حتى تقارب عدد القوى العاملة الوافدة مع عدد المواطنين؛ كما تظهر ذلك التقارير المتتالية عبر النشرات الإحصائية، وهذا الجانب يحمل مؤشرين مهمين في شأن القوى العاملة الوافدة أحدهما نوعي بما يحمله من قيم وثقافات تسقطها هذا القوى على البلد المضيف، كممارسات؛ تصبح في حكم العادة، حيث تتقبلها الثقافة المحلية على اعتبارها نوعا من التلاحم مع الآخر، وأنها لن تربك الثوابت المحلية، وهذا التقييم غير صحيح، وثانيهما كمي، وهو الزاحف بثقل الأعداد على الفرص التوظيفية المتاحة للطرفين الوافد والوطني، ولأن عدد الوافد أضعاف مضاعفة لعدد الوطني؛ وهو كله قوى عاملة، فطبيعيا أن يتفوق على الاستحواذ على الوظائف المتاحة بكل أنواعها، وتبايناتها، ولذلك تبقى الفرصة المتاحة أمام القوى العاملة الوطنية ضئيلة، فالغلبة دائما للكم.
وفي كلا الأمرين: النوعي والكمي تأثيرات غير منكورة على البنى المحلية التي تجسد الشخصية المحلية، وتربك حساباتها الاجتماعية؛ التقليدية والموروثة؛ ففي المحصلة تتشوه الصورة العامة، فيفقد المجتمع خصوصيته المحلية، والمناداة بالتنوع الثقافي كان يفترض عبر مسارات آمنة ومبرمجة ووفق رؤية واضحة هذا من جانبها التنظيمي أما أن تترك في حاضنة القناعات الفردية؛ أخذ بها أو لم يؤخذ، فطبيعي أن تكون النتائج مربكة، ومقلقة مع مرور الأيام، والمجتمعات عندما تفقد بوصلتها الطبيعية، يقينا؛ تصبح مشوهة، وليس من اليسير عندئذ عودة القواعد الحاكمة أو الضابطة لقواعد المجتمع التي يؤمن بأهميتها، وكما يقال حينها: «الطيور حلقت بأرزاقها».
