صنّاع المحتوى .. التعدّي على القيم والمحاسبة القانونية
عندما تقرر أن تكون أحد صُنّاع المحتوى فعليك أن تختبر قدراتك وإمكانياتك، وتحدّد الهدف الذي تنوي الوصول إليه. العملية ليست وليدة اللحظة، ولا هي حلم بالليل وواقع بالنهار، بل هي أسلوب حياة وأدوات يجب أن تتوافر في الشخص حتى يكون مؤثراً في قرارات الآخرين، لا مُضلِّلاً في إخفاء الحقائق، خاصة فيما يتعلق بالجوانب التجارية التي أصبحت محل اهتمام ومتابعة من الناس.
في الوقت الراهن، أصبح من السهل جداً أن يظهر للعلن "من يوم وليلة" شخص يدّعي بأنه صانع محتوى "بلوجر". هذا التهافت والإقبال المتزايد على هذه المهنة التي أصبحت تُسمى "مهنة من لا مهنة له"، بمعنى أنها لا تحتاج إلى شهادة دراسية، أو موافقات واشتراطات معينة، أو امتحانات تحريرية للقدرات، أو مقابلات شخصية تجيز العمل في هذا المجال، بل كل ما تحتاجه هو هاتف نقال، وصفحة إلكترونية، واشتراك حساب في منصة تفاعلية!
العملية غاية في السهولة، البعض يتجه نحو الترويج الإلكتروني، والبعض الآخر ينتقد من لا شيء، وآخرون يبحثون عن "أي شيء من لا شيء".
هو ليس تعقيداً أو سوء فهم لهذا الأمر، إنما المهم أن يكون الشخص حاضرًا في الساحة ويُعرِّف نفسه للآخرين بأنه "ناشط اجتماعي أو صانع محتوى".
لقد أصبح عدد كبير من الناس يلجأون إلى منصات التواصل الاجتماعي، يسجلون يومياتهم، ويشغلون عقول الناس بأشياء لا علاقة لهم بها، ويتحدثون في مواضيع دون التحقق من جدواها أو مصداقيتها أو أهميتها، والمهم في الأمر "جمع أكبر قدر ممكن من المتابعين".
بعض المنصات جذبت انتباه الناس وأغرَتهم بتقديم الأموال لهم، والأخطر من ذلك أنها كانت سبباً في "القبض" على عدد ممن يدّعي بأنه صانع محتوى.
هذا التوقيف جاء نتيجة عمليات رصد ومتابعة من الجهات الرقابية التي تأكدت من تجاوزهم على القيم المجتمعية.
بعض المخالفين تمت إدانتهم بأنهم يقومون بعمليات مشبوهة كغسيل الأموال، أو بث مقاطع خادشة للحياء بهدف التربح وكسب الأموال من المشاهدات، وربما يعلم المتابع أن بعض الدول شرعت في تتبّع المتجاوزين لحدود الأدب وتقديمهم للعدالة.
في بعض الأحيان نجد أن هناك ملتقيات وفعاليات دولية يُدعى إليها الكثير من صُنّاع المحتوى، سواء المعروفون على الصعيد العربي أو العالمي، ومن المحزن حقاً أن تخلو قائمة المدعوين من أسماء محلية. وبالتالي يسأل البعض: لماذا لا تتم دعوتهم ونحن نراهم ليل نهار في البرامج التفاعلية والمنصات المختلفة؟!
الجواب بكل وضوح، صُنّاع المحتوى الهادف أشخاص يفكرون خارج الصندوق، يبحثون عن المعلومة المثرية، ويتعبون كثيراً في عملهم، ويتحملون مشقة كبيرة من أجل تقديم الأشياء المفيدة. يستخدمون تقنيات حديثة في التصوير والإخراج وغيرها من المؤثرات التي تجعل من العمل المنتج ذا قيمة عالية. لا يسعون إلى استجداء الداعمين أو الجلوس لساعات طويلة في غرف معزولة من أجل فتح البثوث المباشرة مع "العابرين والمجهولين".
أيضاً صُنّاع المحتوى لا يذهبون إلى اتجاه الترويج المضلل أو تقديم إعلانات لا يمكن قبولها بسهولة، بل يصنعون مواد تثري المتابع وتقدم له الفائدة دون إسفاف أو انتقاص من كرامة الإنسان، أو أعمال التظليل والتطبيل كما نراه الآن من بعضهم.
وبحسب ما هو متعارف عليه وموثَّق، فإن "صانع المحتوى الهادف يقدّم من خلال عمله رسائل تنويرية للمجتمع الذي يعيش فيه أو للمجتمعات الأخرى، سواء كانت هذه الرسائل تعليمية أو تثقيفية". وصُنّاع المحتوى الحقيقيون يسعون في كل أعمالهم إلى ترسيخ القيم الإنسانية الإيجابية السليمة، إضافة إلى حرصهم الدائم على تعزيز الوعي بالقضايا المجتمعية المهمة التي تنمّي المهارات لدى جمهور المتابعين وتلهمهم بما هو مفيد ويصلح من أحوالهم، فضلاً عن تسليط الضوء على الهوية الثقافية والمجتمعية التي تجعلهم قريبين جداً من بيئة المجتمع الذي ينتمون إليه.
هم يبتعدون عن أعمال الغش والتزييف وتزوير الحقائق، ويهدفون في كل أعمالهم إلى ترك انطباع دائم وحسن لدى المتلقي. وعليه، يشجعون الناس على التفاعل الإيجابي واتخاذ خطوات فعّالة نحو التغيير، خاصة فيما يتعلق ببعض العادات أو السلوكيات الخاطئة التي تنتشر في بعض المجتمعات. وإلى ذلك، يعرّفون الناس بأشياء تستحق معرفتها في هذا العالم الغامض.
إذن، الموضوع ليس مجرد هاتف نقال، أو حديث مبعثر، أو صراخ وضحك، أو مفردات وسلوكيات غير لائقة. كل هذه الأفعال يمكن أن تزج بمن قام بها خلف القضبان، وتجعله يواجه بعض العقوبات التي نص عليها القانون العُماني. وهنا نقتبس مما أشار إليه المرسوم السلطاني رقم ١٢/٢٠١١، والخاص بإصدار قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، والذي جرّم نشر أي محتوى خادش للحياء، ونصّ على معاقبة مرتكب جريمة "الإخلال بالقيم الدينية أو النظام العام" و"التهديد" و"الابتزاز" و"السب والقذف" و"التشهير". وتشمل هذه الجرائم أيضاً نشر محتوى مسيء أو فاضح ينتهك خصوصية الآخرين، ويحكم بالسجن والغرامات المالية على مرتكبيها.
إذن، الأمور ليست بهذه السهولة أو كما يتوقعها بعض الحالمين بالثراء من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر دخل يغنيهم عن العمل في مجالات أخرى. ولذا، فإن الجوانب القانونية نظمت مثل هذه الأعمال ووضعت لها أُطراً محددة حفاظاً على المجتمع أفراداً وجماعات.
