لا يفترض بالفن أن يريحك

01 مايو 2024
ترجمة: أحمد شافعي
01 مايو 2024

كنت ما أزال في الجامعة حينما وقّعت على رواية صدرت في الخمسينيات من القرن العشرين للروائي الياباني شوساكو إندو عنوانها «البحر والسم» تحكي قصة طبيب في اليابان في ما بعد الحرب كان قد شارك في سنوات تدريب سابقة في تجربة تشريح أسير أمريكي. ليست العدسات التي ينظر بها إندو إلى القصة هي أيسر العدسات، أعني من الناحية الأخلاقية، فهو لا يسهب في معاناة الضحية، بل يسبر أغوار عنصر أكثر إزعاجا، هو إنسانية الجناة.

وعندما أقول «الإنسانية» فإنني أعني بها حيرتهم، وتبريراتهم الذاتية، واستعدادهم للكذب على أنفسهم. كان ما قاله إندو هو أن الوحشية لا تنجم فقط عن الشر، وإنما تنشأ من المصلحة الشخصية والجبن واللامبالاة والرغبة في المكانة. علمتني روايته كيف أنني أنا الأخرى في امتحان قاسٍ قد أضلل نفسي فآثر خيارا تنجم عنه وحشية. ولعل هذا هو الذي جعل الكتاب يتلبسني لقرابة عقدين، فقرأته مرات عديدة.

تذكرت الرواية في الثانية من صباح يوم قريب كنت أستعرض فيه حسابا من حسابات التواصل الاجتماعي مخصص لجمع آراء القراء الغاضبة في الكتب. لفت انتباهي شخص اسمه ناثان قال عن «الفردوس المفقود»: إن «ميلتن كان معتوهًا فاشيًا». لكن قارئًا آخر، يدعى ريان، هو الذي أسرني بقوله في رواية «اجر يا أرنب» لجون أبدايك: «لقد جعلني هذا الكتاب أعارض حرية التعبير». ومن هناك انتهيت إلى آراء القراء في «لوليتا»، وبدوا فزعين محبطين حانقين. يا له من رجل مقزز! كيف أُذن لفلاديمير نابوكوف أن يؤلف كتابا كهذا؟ من الذي كان يأذن للكتاب بتأليف هذه الشخصيات المنحرفة الفاسدة أصلا؟

كنت مأخوذة بما أستعرضه لكن سرعان ما باغتني إدراك بأن ما أراه أمامي على الشاشة هو خلاصة مرض أمريكي فريد، فنحن مصابون جميعا، وعلى وجه التحديد، بميل خطير وعميق إلى الخلط بين الفن والتوجيه الأخلاقي، والعكس.

ولأني ولدت في الولايات المتحدة لكنني نشأت جزئيا في سلسلة بلاد أخرى، فإن قوة الأخلاق الأمريكية المحضة المتصلبة بدت لي دائما مريعة مبهرة. فبرغم تعددية معتقداتنا والتأثيرات الواقعة علينا، تبدو شخصيتنا القومية خاضعة بلا مهرب لتعاليم العهد القديم في علاقته بفكرتي الخير والشر. وهذا المركَّب القوي ينفذ إلى كل شيء من حملاتنا الإعلانية إلى حملاتنا السياسية، ثم إنه الآن نفذ إلى أعمالنا الفنية فغيَّر من وظيفتها.

لعل ذلك بسبب أن خطابنا السياسي يتراوح ما بين الاختلال والبغض بصفة يومية وأننا نحب أن نحارب مشاعر العجز لدينا بالإصرار على اختزال أخلاقي في القصص التي نحكيها أو نتلقاها. أو لعل ذلك بسبب كثير من الانتهاكات التي لم ننتبه إليها في أجيال سابقة ـ فمنها أفعال ناجمة عن كراهية النساء أو العنصرية أو رهاب الأجانب أو إساءة استغلال السلطة كبيرها وصغيرها ـ فهي الآن حاضرة حضورا مباشرا. لقد تلوثنا بهذه الأمراض إلى حد أننا صرنا نعمل وفق مفهوم خاطئ مفاده أن الاعتراف بتعقيدنا، سواء في المجتمعات أو في الفن، يعني غفراننا لبعضنا بعضا ما فينا من قسوة.

حينما أعمل مع كتاب أصغر سنا، كثيرا ما يدهشني كيف أن جلسات المراجعة سرعان ما تتحول إلى عملية تحديد للشخصيات التي قالت أقوالا أو فعلت أفعالا تنم عن انعدام الحساسية. في بعض الأحيان يدافع الكتاب عن الشخصية، لكنهم في الغالب يعتذرون في خجل عن غياب نقطة عليهم، وينحو النقاش إلى كيفية معالجة أخلاقيات النص. فكرة أن قيم الشخصية ليست بالضرورة قيم الكاتب أو لب النص كله تبدو مدهشة أكثر فأكثر، ومثيرة للإزعاج.

وبرغم أنني أتبنى في العادة أفكار طلبتي السياسية التقدمية، يزعجني انشغالهم بالصواب أكثر من انشغالهم بالتعقيد. فهم لا يريدون لأحد أن يراهم ممثلين لأي قيم لا يتبنونها على المستوى الشخصي. ونتيجة ذلك، في لحظة لم يبد عالمنا سريع التغير عظيم الإرباك كما هو فيها، فإن قصصنا تزداد بساطة، وتبدو أقل اختلافا ومقدرة على الاشتباك مع أشكال الواقع الذي نعيش فيه.

ولا يمكنني أن ألوم الكتاب الشبان على اعتقادهم بأن دورهم هو الاجتهاد في نقل أخلاق عامة سليمة. وينطبق هذا التوقع أيضا على جميع الأنماط التي أعمل فيها، في الروايات والمسرح والتلفزيون والسينما. فمطالب جمهور الإنترنت من أمثال ناثان وريان ـ وهموم طلبتي ـ لا تختلف اختلافًا كبيرًا عن مطالب وهموم حراس الصناعة الذين يعملون في الأرض المشاع القائمة بين الفن والمال ووظيفتهم هي تجريد القصص من أي شيء قد يكون غائمًا من الناحية الأخلاقية.

لقد عملت في غرف الكتابة للتليفزيون فكانت «ملاحظات القابلية لنيل الإعجاب» ترد من أعلى فور أن تظهر شخصية معقدة على الصفحة، وبخاصة حين تكون الشخصية لامرأة. فكان الاهتمام بقابليتها لنيل الإعجاب هو في الغالب اهتمام بأخلاقياتها: فهل يمكن اعتبارها خارجة عن الأخلاق؟ أنانية؟ عنيفة؟ أهي حبيبة سيئة أو زوجة نكدة؟ وبأي سرعة يمكن إعادة تأهيلها فتصبح نموذجًا للمواطنة وقدوة للمشاهدين؟

وليس التلفزيون منفردا في هذا. فقد قام مخرج أعمل معه بعرض سيناريو كتبناه على أحد الاستديوهات. وعندما رفضه المسؤولون قالوا لفريقنا إن السبب هو أن الشخصيات شديدة الغموض أخلاقيا وإنهم مكلفون بالبحث عن مواد يكون الدرس فيها واضحا، لعدم زعزعة قاعدة المشاهدين. ما لم يقولوه، وما لم يكونوا بحاجة إلى قوله، هو أن غياب تمويل فيدرالي كاف للفنون يجعل الفن الأمريكي مرتبطا بالسوق. والنقود شحيحة، وكثير من الشركات لا تريد أن تدفع لقصص قد يعترض عليها المشاهدون إذا توافر لهم شراء شيء يغازل خلفية حياتنا.

لكن ما يعرضه علينا الفن أمر بالغ الأهمية لأنه على وجه التحديد ليس خلفية لطيفة أو منصة لتعليمات بسيطة. وخير خدمة تقدمها لنا كتبنا ومسرحياتنا وأفلامنا وعروضنا التلفزيونية هو ألا تكون كتيبات تعاليم أخلاقية وإنما تكون فرصة لنظرة على قدراتنا الخفية، والعقود الاجتماعية المخاتلة التي نعمل بموجبها، والتناقضات التي تنطوي عليها أنفسنا جميعا.

نحن بحاجة إلى مزيد من السرديات التي تنبئنا بالحقيقة عن مدى تعقيد عالمنا. نحتاج إلى قصص تعيننا على معرفة تناقضاتنا والقبول بها، لا التي تمحو هذه التناقضات أو تتغافل عنها. وفي نهاية المطاف، تجربتنا في الحياة في مجتمعاتنا مع بعضنا البعض تكون في أكثر الأحيان أشد سيولة وقابلية للتغير، من كونها صورا واضحة بالأبيض والأسود. إن لدينا من الجماهير من ننشئهم، وكلما أنشأنا جماهير تعتقد أن وظيفة الفن هي التوجيه لا التحقيق، والحكم لا المساءلة، والسعي إلى الوضوح اليسير لا عرض المناطق الغائمة المتعددة، وجدنا أنفسنا أكثر انغماسا في ثقافة تسمها الصرامة والأحكام الجزافية والفتور المعرفي. وفي عالمنا هذا الذي تستشري فيه الإدانة والانقسام والعزلة، يبلغ الفن ـ لا التعليم الأخلاقي ـ درجة من الأهمية لم يبلغها من قبل.