دفتر مذيع :في بيتنا راديو
يكفي أن يكون في هاتفك تطبيق افتراضي، لكي تستمتع بمتابعة أي محطة إذاعية في العالم، وبدرجة نقاء صوتي عالي الجودة.. هذا عن اليوم، فكيف كان الوضع قبل خمسة عقود وأكثر؟ للإجابة سأحكي كالعادة تجربة عشتها.
فقبل أن تظهر الإذاعة العمانية في الأثير، كان في بيتنا - كالعديد من البيوت وليس كلها - جهاز راديو.. صندوق خشبي كبير مصقول لامع، بني اللون ربما يفوق حجمي ووزني في ذلك الوقت، على واجهته شبكة مستطيلة تحتل معظم واجهته، لونها أفتح، يخرج منها الصوت، ومفاتيح وأزرار ومسطرة شفافة بها أرقام مصفوفة على سطرين أو أكثر، خلفها بعض نور يختلف قليلا عن نور القنديل الذي يضيء الغرفة. يتحرك داخل المسطرة عود بحجم الكبريت (عود الثقاب) بتدوير أحد المفتاحين الرئيسين.. أراقب الكبار يبذلون جهدا مركزا لتثبيت الشعرة على كلمة أو رقم معين ثم يعملون على حفظ مستوى ونقاء الصوت من زر آخر، إضافة إلى صف من الأزرار البيضاء تشبه قليلا قطع الدومينو لحفظ بعض الإذاعات المفضلة. وربما احتاجوا إلى سلك طويل ضعيف لمدِّهِ خارجا لتقوية الاستقبال... إنه صندوق الدنيا، يطرب الآذان بتدفق غير عادي، بين أخبار ومعلومات وموسيقى وأغان وما لا يعد ولا يحصى من المعلومات والمتعة. داخل هذا الصندوق عوالم عجيبة، هذا يضحك وذاك يبكي وآخر يهدد.. يتلو القرآن الكريم بخشوع وبطريقة لم نعتد على سماعها في بلادنا، أما قارئ النشرات فصوته تكاد ترتعش معه تلك الستارة الأمامية التي تخفي وراءها سماعة كبيرة، وأداؤه لا يشبه الآخرين أبدا! إنه مميز جدا. إنه عالم من خيال مبهر، أتخيل أنني لو فتحت هذا الصندوق فسوف أجدهم... عند الثانية ظهرا ينطلق مارش الأخبار من إذاعة الكويت. الذي ما زلت أعتبره أجمل مارش على الإطلاق. هل لأنه كذلك أم لأن له ذكرى حميمة بالنسبة لي؟ أعتقد كلا السببين. (المارش هو المقدمة الموسيقية لنشرة الأخبار). كان ذلك الوقت من اليوم مقدسا للاستماع إلى النشرة، وهناك أوقات أخرى فيما يبدو لإذاعات الـ بي بي سي وصوت العرب، وعدد من الإذاعات التي تحشر نفسها بين كل إذاعتين وبلغات لا نعرفها! أما نقاوة الصوت فليست ثابتة، فهي بين مستقرة ومشوشة.
ولأن ذلك الجيل هو جيل الإذاعات بامتياز، وعلى أخبارها وتحليلاتها يبني أفكاره ويتبنى أو يعتنق أيديولوجياته، فإنه بعدما توفرت أجهزة الناشيونال الصغيرة وغيرها التي يغطيها جلد بني أو أسود فقد اقتنى حبابي سالم (في مقام جدي) -الذي نتشارك معه نفس البيت، والذي يميل للمعسكر الشرقي ويتقصى بؤر الأحداث والصراعات - اقتنى واحدا لا يفارقه أينما حل وارتحل حتى وفاته. أتوقع أنه كان يسترق الاستماع لبعض الإذاعات المعارضة. عندما كبرتُ قليلا وكنت أوصله في مشوار طويل تعمدت مشاكسته وإثارته بامتداح أمريكا، فهز رأسه وبدا عليه بعض الغضب واكتفى بالقول (انته ما فيك عقل.. من تكبر بتعرف).
واقتنى والدي واحدا أيضا وضعه بجانبه في الدكان يفتحه مع فتح السوق ويطفئه عند الإغلاق، ويخفض صوته دقائق فقط عندما يرفع الأذان في مساجد سوق وحارات مطرح حتى يعود من الصلاة، أو عندما يزوره أحد أصدقاء طفولته فيتفرغ له لمتابعة أخبار (لبلاد) والأهل البعيدين.
والدي يتقبل كل ما تبثه الإذاعة، ولا يدير بالا للمذياع في البيت ربما لاكتفائه بمذياع الدكان. ولكنني أعرف مثلا رأيه في بريطانيا، ويردد عبارة (ما بقوّتها لكن بحيلتها)، مثلما أعرف حبه لأغنية (بيع الجمل يا علي) لسميرة توفيق، وكأنها تغني له شخصيا.. أما عمي حمود (قريبي) الذي يجاورنا فهو مولع بتتبع حفلات سيدة الغناء العربي أم كلثوم، والطرب الأصيل.. كنت أعيش هذا الجو والمزاج وألتقط كل ما يبث، سواء من المذياع أو من الأفواه، دون أن أشارك برأي أو أي شيء لصغر سني وشعوري أنه من شؤون الكبار، ولكنني أنتشي بما أسمع، وأذني تلتقط وكأنها ميكروفون موصول بجهاز تسجيل في جمجمتي.. كنت أشعر أن المذيع هو كائن خارق القدرات لدرجة أنه فوق أحلامي، خاصة عندما يذكّر المستمعين بالموجات العاملة والذبذبات والترددات وهو يعدد دولا وقارات وكأنه يوجه للمستمعين أوامر أو تعليمات بأن ينتقلوا الآن من موجة إلى أخرى، رغم أنني لا أعي ماذا يقصد بالموجة، ولكن يكفي أنه يملك كل هذه الصلاحية، إذا فهو شخصية عظيمة.. أما منتهى التجلي فهو ما يحدث في نشرة الأخبار، حيث يتصدر كل خبر عنوان خاص فأشعر أنه يطير بنا من بلد إلى آخر ويحتوي عوالم لا نعرفها. وتأتي الإثارة الحقيقية عندما يقول المذيع وبعنوان مستقل: (القرنُ الإفريقيّ) قبل أن يدخل في تفاصيل خبر من تلك المنطقة، ليذهب بي خيالي الطفولي إلى شخصية ذي القرنين، معتقدا أن هناك علاقة مباشرة بين القرن الإفريقي وذي القرنين، الذي يقولون عنه إن الدنيا محمولة فوق قرنيه، فتتداخل عندي الصور والمشاهد والمفاهيم وكأنها أضغاث أحلام لا تعرف كيف تمسك بتفاصيلها.
فلم أتخيل أن يأتي يوم و(أتسلطن) على الميكروفون لأقرأ للمستمعين الموجات العاملة المتوسطة والقصيرة، ثم موجات الإف إم لاحقا، لإذاعة سلطنة عمان، حتى وصلنا للبث المرئي وما شابه، وأنا على وعي بما تعنيه هذه الكلمات والفرق بين الموجات العاملة وكيف يحملها الأثير لتسافر بذبذباتها حول الكرة الأرضية. ورغم أنها تعد من المواد الروتينية التي يقرؤها المذيعون يوميا إلا أنني أقرؤها بمتعة خاصة جدا.. ولم أتوقع كذلك أن أعبر فوق القرن الإفريقي وأحظى بتصويره. ولم يدر ببالي أنه سيأتي الوقت الذي سأقضي فيه شهورا للتدرب في إذاعة صوت العرب، وشهورا أخرى في إذاعة الكويت، وسيُسمعني الزميل (أ. محمد القحطاني) الذي أصبح وكيلا مساعدا للأخبار في ذلك الوقت، بروفة مقترحة لتغيير أو تعديل ذلك المارش، فأبدي له معارضتي الشديدة لفكرة اختفاء هذه الأيقونة الفنية. كما لم أتخيل أيضا أنني سأقوم بزيارة خاصة لهيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي في مبنى بوش هاوس بلندن وأجلس (جلسة زميل) بمعية الصديق العزيز الأستاذ محمود المسلمي -الذي أصبح لاحقا كبير مذيعي القسم العربي لهذه المحطة العريقة- بحضرة بعض من تلك الأسماء الأسطورية.
