No Image
بريد القراء

الجاهلُ والحصيف

23 فبراير 2023
23 فبراير 2023

إنَّ الروح الإنسانية من خِفاف الخلق وأكثرها هشاشة وجمالها إن بدا لا يفنى. ومن منطلقِ الروح صفر ابتداء، وأنت حاكمها ومأمونها وراعيها ومصلحها وصاقِلها، مستأمنٌ عليها وعليك حفظها، فإن المائة تنتظرُ قدومها، والألف سترحبُ بها، والا منتهي ملجأها.

فكيف ستأدبها وبالعفافِ ستحفظها، وبالحِلم والصبر ستنقذها، وبالتواضعِ والسكونِ سترفعها، وبخفض الجناح وذرى المجد وظفر السبق ستوجهها.

الكثير منَّا في زماننا هذا صغيرُ الهِمةِ عاجزٌ كسولٌ متراخٍ وعن العلم متقاعسٌ وبالنفسِ هاوٍ، يزخرف روحهُ وبالمروءات يشيد، خشن الحديث، وهالك المزاج، الراحةُ ظاهرهُ وكل الأهوالِ هلاكٌ داخلي، لا يبدي الحقيقة، يُسِر ويخفي ولا يدرك أنه ساطع.

والكثير منَّا دؤوبٌ ذكي، عبقريٌ عزوم، وللعلمِ كادح وبالنفس للمجد ساعٍ، إجلاءً وإعلاءً للروح، تكريما وتعظيما، ومنهم له التمجيد، تمتلكه السكينة، وظاهرهُ باطنه، ليّنُ الحديث، جليسٌ أنيس، رخوٌ سهلٌ ظريف، هيّنٌ ناعم الحرفِ، هادئٌ حدّ السكون.

فمن ساق نفسه للرُبى، وأقبل على الناس بنفسٍ عزيزة، وبلسانه ارتقى، وحفظ مروءته، دنا منه كلنا من هنا ومن هنا.

والجاهلُ منّا، خالِطُ الغِرةِ بالعِرةِ، مازجُ الصفو بالكدرِ، آخذ الرديء المرذول وتاركُ الجيد المقبول، الذي ينحو مناحي الذبول، ثقيلُ الظل لا يمزج الهزلَ بالجدِ، مصاولٌ لا يجول إلا في أراضي النحول، شديدُ الشَوْكَةِ إذا حَاج، قليلُ الوحى وكثيرٌ الحسِ كزيْزيم، مُطاولتهُ إطناب، يبين ويظهر فيهِ إذا استحكم جهله.

والعاقلُ منّا، رافعٌ للحقِ مُزيلٌ للباطِل، فَالجُ الشَّك باليقين، يُكسبُ المنطق قبولاً، محاسنهُ ناصِعةٌ ومنافعهُ أَعَمُّ، مُراعٍ في اللفظ ونَدِرٌ في المعنى، دافعٌ لطلبِ العلمِ ومُثَبِّطٌ للتراخي، وهو كالقِدْحِ المُعلّى يُشبعُ النهم ويروي الغليل، يشْحَذُ لقريحته، ويُذكي فطنته، يُثري خياله بينَ الإسهابِ والاقتضاب، ولا يُبالغُ في المعنى ولا يغلو.

والمائقُ منا، بادرةٌ للجهلِ، مُنبسطٌ في الضحكِ مُنْفَهِق، لا يعْجَلُ في السطوةِ ومُسرعٌ في طيَّرةِ، مُنتحلٌ في غضبٍ من سورةِ حماقةٍ، شقيٌّ أرغبهُ الشيطان في الدنيا، لئيمُ الخُلُقِ ضعيفُ الفعلِ، يستطرفُ القادمَ وينزحُ إلى الراحل، تاركٌ للعظيمِ نفعا وأخفُّ مؤنةً، مُقبلٌ على التهويشِ والتهويل، جارحٌ لاذعٌ مقذع، لا يعرفُ للمنطقِ لا طلاوةً ولا طهارة، وحديثُهُ جافٍ مُستكره.

والفائقُ منا، مُحتالٌ بألطفِ الحِيل، مُفرقٌ بين الأولِ والآخر والناقصُ والوافر، منطقهُ جمال وأدبهُ كمال، بعيدٌ عن التملق قريبٌ للبساطةِ، فرِحٌ يرغبهُ الله في الآخرة، إصلاحُ نفسه غايته وتسديدُ روحه مُبتغاه، يملك من تَرشُّدِ المسير ما يكفي ليبلغ البُنيان تمامهُ.

والحقُ أقول، إنّ في الدنيا ما يستلزمك المرونة، وامتلاكُ المنتصف، وما يحيلُ بك بينَ البين ويُلزِمك حالك، "فشدة الحاجة إلى التأدب كشدة حاجة الجسم إلى التغذية" هذا ما لخصهُ ابن المقفع لجمالٍ لا يفنى وأخذناهُ بعينِ دين.