أنساغ.. مكانٌ فَطِنٌ
(1)
ينبغي إلغاء ذلك التقليد الاستعراضي/الاستعرائي (exhibitionistic) السخيف المقيت في افتتاحيات ونهايات المهرجانات السينمائية المحترَمة؛ أعني شعيرة السجادة الحمراء.
أطالب بهذا لأن الأزياء لها مهرجاناتها الخاصة والمستقلة. أما البورنوغرافيا فلها الأفلام الخاصة بها، ولها مهرجاناتها وجوائزها الخاصة بها أيضاً.
(2)
يسرف بودلير كثيراً في الربط بين "البِغاء" و"الفن" (هذا مع العلم أن الشاعر إنما كان يتحدث وينظر إلى ظروفه الشخصية العصيبة، ولم يكن يرمي إلى تأسيس "نظريَّة جامعة شاملة" في شيء تعلَّق أصلاً بالدائنين الذين كانوا يطاردونه، واستطراداً إحباطاته البلجيكيَّة في رحلته الفاشلة التي كان يعوِّل عليها للخروج من ضائقته الماليَّة، بحيث إن إحدى محاضراته لم يؤمها سوى عشرة أشخاص فقط، بينما أوصد الناشرون في وجهه الأبواب).
من الناحية الفلسفيَّة لستُ أخلاقيَّاً حين أقول إن ذلك لم يقنعني كثيراً (ولم يحبطني كثيراً أيضاً، في أية حال).
أظن أن السورياليين الفرنسيين التأسيسيين كانوا أكثر براعة في كشف تلك الفضيحة، لكن قد يكون هناك ما يفسِّر ذلك ولو جزئيَّاً: ظهر السورياليون بعد اندلاع حرب كونيَّة لم تترك حجراً على حجر، ولا قناعة واحدة على حالها في أوروبا القرن العشرين، بينما كان على بودلير أن يمهِّد لذلك بتجرُّع الأسوأ في القرن التاسع عشر.
أخال أن بودلير كان الفحمة والجمرة، معاً. وأرى أنه ليس بحاجة إلى أية محبة، أو فهم، أو تقدير، أو احترام؛ فالأحصنة النافقة موجودة في طرقات كل الأيام، والذباب يحوم حولها في كل الطرقات، والجاحظ لا يزال يبحث عن المعاني.
الأيام كلها "أزهار الشَّر" (ملقاة على الطريق).
(3)
الحياة، في نهاية المطاف، ليست إلا محاولة للرَّتق.
"جسدي خِرْقَةٌ تُخاطُ إلى الأرضِ / فيا خائط العوالِم خِطْنِي" ) أبو العلاء المعرِّي).
كيف يستطيع أي أحد أن يعلِّق بأي شيء على هذا؟
(4)
مَقعد مهجور في شيء من أعالي الذاكرة، سعيد بوحدته، واخضرار الصدأ والطحالب عليه في إبحارات مضيق البوسفور.
واأسفاه، لستُ وحيداً حتى في تركيا.
(5)
كلما رأيت أو جُلتُ في قلعة شامخة، أو حصنٍ مهيبٍ، أو دَرْسٍ مضمَّخٍ على من درَّس ودَرَس، أو سورٍ منيعٍ، أو قصرٍ منيفٍ، أو حديقة لا تزال تغنِّي على عظام العندليب، أو معلَمٍ باذخٍ من تذكارات "حضارات" العالم القديم والجديد حاملاً اسم هذا القائد البطل، أو ذاك الزعيم المغوار، أو حبيبة كبير التُّجار، فإنني أتذكر العمَّال و"العبيد" (هكذا اسمهم في وثائق التاريخ) الذين استُرقُّوا، واضطُهِدوا، واستُغِلُّوا، وقضوا في أثناء تشييد ذلك الصرح، لكن لا يتذكرهم أحد اليوم (لأنهم كانوا غفل الهويَّة عهدذاك، واليوم).
ترى، كم هيكلاً عظميَّاً مدفوناً تحت صرح "الكلاسِيَم" في روما، وكم روحاً جريحة خرَّت قبل أكثر من ألف وتسعمائة عام، ولا تستطيع عدسات كاميرات هواتف السُّياح النَّقالة التقاطها اليوم؟
حقَّاً، "ما مِن وثيقة من وثائق الحضارة ليست في الوقت نفسه وثيقة للبربريَّة" (فولتر بنيامين، "عن مفهوم التاريخ").
(6)
الأرض قطار يقوده سكيِّر عجوز
ذاكرة ثكلى
الأرض قريبة مثل تركيَّا
العالم مستطيل أبيض
أرصفة ترتعش كأسماك الانتحار
نزرع ذكريات في البحر، ونُلوِّنها
الليل نسحبه مقطوراً على عجلات
الليل غفوة مخمورة على شعر رأسك الأسود الطويل
وإذ تمطر بغزارة
أتعكز بمظلَّتي على المستقبل
لأنني مثقَل بالذكريات.
(7)
محاولة تغيير/ تصحيح آراء الآخرين ضرب من ضروب الانتهاك (في ذهني كلمة “transgression” تحديداً)، وربما كانت من أسوأ تلك الضروب.
لا يجدر بي أن أحاول تغيير رأيك، وينبغي ألا أسمح لك بمحاولة تغيير رأيي (مع قناعتي المطلقة بأن رأيك خاطئ، وان رأيي ليس صائباً).
الذين صنعوا التاريخ هم أولئك الذين أصرُّوا على آرائهم مهما كان، وليس أولئك الذين غيَّروها كيفما كان.
(8)
في هذه الموضة الاستشرائيَّة العجيبة الغريبة، "الصَّوابيَّة السياسيَّة"، الـ “political correctness”، التي في الأساس هي من أخلاقيات البورجوازيَّة الأمريكيَّة الصغيرة، ومن صادراتها البغيضة إلى الثقافة العالميَّة بسبب العولمة الشاملة الخانقة، طلعت علينا تعاليم (إنجيليَّة تقريبا) تطلب منك التهذيب واللباقة (وهي لباقة مُصطَنَعَة، في الحقيقة)، بحيث يتعين عليك أن تقول، مثلاً: "أنا أفهمك، وأقدِّر رأيك، لكن اسمح لي أن أختلف في جزئيَّة منه"، وبحيث لم يعد في مقدورك قول إن فلاناً شخص غبي، بل صار عليك لَيّ ذراع تلك الحقيقة في قولك: "فلان يواجه تحديات عقليَّة"، وكأن الغباء ينتمي إلى صنف تحديَّات عقليَّة وجيهة كأمراض الفصام، والتوحِّد، والاكتئاب.
شخصياً، أفضِّل أن أقول للغبي: "أنت حمار، ومعتوه، وثور، وأبله، وكبش، وأنا لا أقدِّر ولا أحترم أية جزئيَّة من رأيك الأحمق، فاغرب عن وجهي فوراً أيها الـ[...]".
(9)
الموت ضحكة قصيرة، ومصارعة ثيران، ومداعبة قطَّة، ومضاجعة، والمشهد الأخير من فيلم "خفِّة الكائن التي لا تُطاق" لفِلِب كوفمَن في أفلمة رواية ميلان كونديرا بذات العنوان.
(10)
تتدفق الدماء من جهاز التلفزيون المغلق.
تعالوا نغلقه أكثر.
(11)
مما يثيرني، ضمن أشياء غير قليلة أخرى، في سينما أندريه تاركوفسكي قدرته العبقريَّة والحكيمة على وضع النقد السينمائي في مكان فَطِنٍ بين الحدس الفني العميق وغطرسة المعرفة (في روحي بخاص الذكر أفلامه الأيقونيَّة الخالدة "طفولة إيفان"، "المرآة"، و"القربان"، و"حنين").*
-------------------------------------------
*عُرف عنوان الفيلم في الثقافة السينمائية العربيَّة بـ"حنين" وذلك اعتماداً على النسخة الإنجليزية من عنوان الفيلم “Nostalgia”. لكن الحقيقة ان استخدام الحروف اللاتينية لم يراعِ كامل المعنى في الأصل “Nostalghia” الذي يعني "حنين" حقاً في الروسيَّة، لكنه حنين من نوع خاص: إنه الحنين المعذِّب لوطن المرء حين لا يستطيع العودة إليه لسبب أو لآخر (وهو الأمر مع بطل الفيلم، الموسيقي الروسي الذي سافر إلى إيطاليا ثم لم يتمكن من العودة إلى روسيا). ومن الواضح أن هذا لا يمكن أن يقال في الإنجليزيَّة بكلمة واحدة، ولذلك اكتُفي في الإنجليزيَّة والعربيَّة بـ"حنين" فقط.
