صوت من البعيد (4): دلالات الفقد والغربة في قصيدة «بلاد المساء»
نشرت مجلة نزوى في عددها المائة مجموعة قصائد من الشعر السويدي الحديث تحت عنوان: «بلاد المساء وقصائد أخرى من الشعر السويدي الحديث» بترجمة إبراهيم درغوثي، وضمّتْ المختارات قصائد مختلفة في مضامينها واشتغالاتها لخمسة شعراء من السويد، وجاءت ضمن هذه المختارات قصيدة (بلاد المساء) للشاعر بار لكيركفيتش (1891-1974) الحاصل على جائزة نوبل للآداب عام 1951م كما أشير في التعريف به.
يقول الشاعر في قصيدته هذه:
أريد أن أعرف
ولكن لا أقدر إلا على السؤال،
أبحث عن الضوء
ولكن لا أقدر إلا على الاشتعال.
أبحث عن اللا معنى
ولا أقدر إلا أن أعيش.
أشتكي
ولكن لا أحد يفهمني.
حنيني ليس مني
إنه قديم قدم النجوم
سينتهي مثلها
يوما ما في العدم
في الفراغ اللامتناهي.
حفيف الأشجار
زمجرة الأمواج على الشاطئ
الجبال العالية، في البعيد –
توقظ حنيني.
لكن، ليس لشيء من هنا
وإنما لشيء بعيد جدا
ومن زمن قديم جدا،
قبل أن يخلق البحر، قبل الجبال،
قبل الرياح-
غريب هو صديقي، شخص لا أعرفه.
غريب بعيد، بعيد جدا.
قلبي حزين لأجله.
لأنه بعيد عني..
لأنه ربما ليس أنا؟
من أنت يا هذا الذي ملأت
قلبي بغيابك؟
يا هذا الذي ملأ الأرض
كلها غيابه؟
تأخذ القصيدة طابعًا محملًا بالغربة والفقد والعدم والمجهول والتلاشي والتشتّت، وكلها دلالات موزّعة في النفس البشرية التي تستنطقها الأفعال في القصيدة. وبصورة أخرى فإنّ بلاد المساء التي تُحيل عليها القصيدة هي بلاد مسكونة بالبحث عن المفقود، وعن استنطاق رحلة الغُيّاب بامتزاج الوصف بالدلالة اللغوية الكائنة بين الأفعال والأسماء التي لا تجعل من القصيدة نصًا حيويًا وشاعريًا فقط بل تكسبه صبغةً جنائزية مظلمة، وهذا أقرب وصف للبلاد التي يتطلّع إليها الشاعر بوصفه لها ببلاد المساء من حيث الظلام والسكينة ومحاولة البحث في اللاشيء.
تتحرّك قصيدة (بلاد المساء) ضمن ثلاثة محاور، يسعى كل محور إلى صنع الدلالات النصية، وإبقاء القصيدة هادئة لحظة الكشف عن المعنى، وابتكار الصُّوَر، ويمكن قراءة هذه المحاور من إشارتها إلى الوحدة المتشكلة في المفردات، وإشارتها إلى المجهول والمفقود، والإشارة إلى الغربة المتفجرة في دلالات القصيدة.
تتحرك (دلالات الوحدة) في القصيدة معتمدةً على الأفعال المضارعة -بناءً على النص المتَرجم طبعًا- المقيَّدة بالزمن، والدالة على التشتّت حينًا وعلى إحداث الرغبة في تحديد الفعل وإقامة السؤال حينا آخر، فيلجأ الشاعر إلى إثبات الفعل المضارع ثم يقابله بالنفي: (أريد أن أعرف ولكن لا أقدر إلا على السؤال/ أبحث عن الضوء ولكن لا أقدر إلا على الاشتعال/ أبحث عن المعنى ولا أقدر إلا أن أعيش/ أشتكي ولكن لا أحد يفهمني).
إنّ دلالات ثبوت الأفعال المضارعة مع نفيها قد قدّمت صورة مهمة وملمحًا عن الوحدة التي تظهر في القصيدة، واللحظة الفارقة في النفسية المنسلّة من أعماق الشعر، إذ أنّ الفعل -الذي منح الحركة الزمنية في القصيدة باحثًا عن لحظة استقرار داخلي ويقابله الإحساس بالوحدة والتشتّت- قد تكرّر (14) مرة، تدور جميعها في موضوعات (المعرفة، والبحث، والسؤال، والشكوى، وعدم القدرة).
ولقد افتتح الشاعر قصيدته بعملية البحث عن المفقود أو الغائب، ومحاولة الكشف عنهما، لذا فإن القصيدة ستنطلق بعد ذلك من الإشارة إلى الوحدة إلى محاولة فهم هذا المجهول والفراغ والعدم وامتزاجها بالطبيعة، وسيلجأ الشاعر معها إلى مزج دلالات الأسماء بدلالات الأفعال السابقة وإحداث صراع داخلي ينطلق منه إلى كشف هُويةٍ نصية تقوم عليها المحسوسات حين تُعبّر الأسماء عن (السؤال، والاشتعال، واللامعنى، والبُعد، والعدم، والفراغ اللامتناهي، والحنين، والزمن القديم جدا) وامتزاجها بالطبيعة المتشكّلة -في البلاد المتخيّلة- من مثل: (النجوم، وحفيف الأشجار، وزمجرة الأمواج على الشاطئ، والجبال العالية، والبحر، والرياح).
هذه الدلالات عمّقت الحس الوجودي القائم على البحث ومحاولة الفهم وفوضى الأحاسيس والمشاعر البشرية التي تحكمها الموجودات، وهي فلسفة نصية انبثقت من تيارات الشعر الحديثة في رؤيتها للطبيعة والكون والمشاعر. لقد أوجدت هذه الدلالات قيمًا عُليا بين البحث والفهم، وبين الكشف والوجود، وبين الفقد والعدم في سبيل تفسير دلالات الغربة والاغتراب التي ستتشكّل في مضمون القصيدة لاحقًا حين تتجه إلى استكمال رؤيتها الفنية بدلالات الغربة والتي ستصوّرها باستدعائها مفردات تحيل على الفكرة الفلسفية، من مثل تكرارها لكلمة «البعيد» في غير موضع، وتكرارها لكلمة «غريب» أيضا، وتكرارها لكلمة «الغياب»، ثم إنهائها النص بصيغة الاستفهام. إن هذا المقطع -الختامي للقصيدة:
غريب هو صديقي، شخص لا أعرفه.
غريب بعيد، بعيد جدا.
قلبي حزين لأجله.
لأنه بعيد عني..
لأنه ربما ليس أنا؟
من أنت يا هذا الذي ملأت
قلبي بغيابك؟
يا هذا الذي ملأ الأرض
كلها غيابه؟
هو بمثابة القفلة الشعرية التي يختم بها الشعراء قصائدهم، ومعه يستدير مُحدثًا فوضى في العلاقات الداخلية من حيث ابتداء المحاور الثلاثة السابقة والانتهاء، فتتشكل المفردات وفق تعبير الفوضى والجري خلف المجهول في فضاء يستمد لغته من المحسوسات والغيبيات معًا، إلى أن تنفتح القصيدة على تخيلات واسعة فضفاضة يبقى أثرها عند القارئ، وأسئلتها في الذاكرة.
لا يمكننا قراءة قصيدة (بلاد المساء) -رغم قصرها- بعيدًا عن التخيّلات والإشارات والأسئلة المضمونية التي تقيمها بين الدلالات. إنّ البلاد التي يتخيّلها الشاعر مُحاطة بالفقد والغياب والمجهول ولعلّ في إضافة كلمة المساء إشارة مهمة للتعبير عن المكان المتخيّل في القصيدة ومحاولة الوصول إلى غياهبه الشعرية.
