آن أوان التفكير في نهاية لعبة أوكرانيا

19 يونيو 2022
19 يونيو 2022

ترجمة: أحمد شافعي

في عام 1942، حاول وينستن تشيرشل أن يؤهل الشعب البريطاني لصراع طويل، فقال مشيرًا إلى انتصار الحلفاء في مصر «هذه ليست النهاية ولا هي حتى بداية النهاية، لكن لعلها نهاية البداية ». وحينما نفكر في هذه الجمل، ففي أي مرحلة نحن حاليًا من حرب أوكرانيا؟

يحتمل أن نكون في المنتصف، بحسب تفسير جدعون روز الباحث في مجلس العلاقات الخارجية، ومؤلف الكتاب الممتاز «كيف تنتهي الحروب». يوضح أن كل حرب تبدأ شبيهة بمباراة في الشطرنج، بدراماتيكية في الهجوم والدفاع، وفي حال عدم إفضاء هذه الطلقات الافتتاحية إلى نصر حاسم، تدخل الحرب المرحلة الوسطى، حيث يحاول كلا الطرفين التقدم ـ رغم الصعوبة ـ للظفر بمكاسب في ميدان المعركة. قال لي: إنه «خلال المرحلة الوسطى، لا يهتم أي من الطرفين بالتفاوض؛ لأن كل طرف يحاول تحقيق نصر واضح، وتعزيز موقفه في ميدان المعركة، ليكون في موقف أقوى للتفاوض». وهذه هي الفترة التي تتأجج فيها المشاعر، ويصعب لذلك الوصول إلى تنازلات.

أخيرًا، في مرحلة ما، يدخل المتقاتلون في المرحلة الأخيرة عبر أحد طريقين: إما أن تميل الحرب لصالح أحد الطرفين بصورة لا رجعة عنها (مثلما حدث في كل من 1918 و1944)، أو يظهر ركود منهك (كما في كوربا في منتصف 1951). «وفي تلك النقطة» كما أشار روز «تدخل الأطراف مرحلة نهاية اللعبة، وتبدأ في المناورة حول التسوية النهائية».

في هذه المرحلة الوسطى التي نمر بها حاليا، لا بد أن يساعد الغرب أوكرانيا على تقوية موقفها. فالعاصمة الأوكرانية كييف بحاجة إلى المزيد من الأسلحة والتدريب، وبرغم وجود حدود حقيقية للكم الذي يمكن أن يستوعبه الأوكرانيون، فلا بد أن تضاعف واشنطن (وحلفاؤها في أوروبا وغيرها) من جهودهم. عليهم أيضًا أن يساعدوا أوكرانيا على كسر الحصار الروسي لأوديسا. لقد انصب التركيز على انهيار الاقتصاد الروسي، الذي سوف يتقلص في نهاية المطاف بقرابة 11% في هذا العام، لكن يرجح أن ينكمش الاقتصاد الأوكراني بنسبة مذهلة تبلغ 45% خلال 2022. وما لم تصدِّر أوكرانيا حبوبها عبر موانئها على البحر الأسود، قد تواجه كارثة اقتصادية لسنوات قادمة.

أغلب الظن أن مرحلة الحرب الوسطى سوف تستمر لبعض الوقت، فلا روسيا ولا أوكرانيا بقادرتين على تحقيق نصر حاسم، وليس واردا أن تستسلم أي منهما بسهولة، وهذا على المدى القصير يصب في صالح روسيا التي سيطرت على أغلب الدونباس؛ لأن الغرب لم يفرض حظرًا تامًا على صادرات الطاقة الروسية، فقد استفادت الحكومة الروسية فعليًا خلال هذه الحرب. وتتوقع بلومبرج لعائدات روسيا من النفط والغاز عن العام الحالي أن تبلغ 285 مليار دولار، مقارنة مع 236 مليار دولار في العام الماضي. في الوقت نفسه يمكنها أن تعوق قدرة أوكرانيا على التصدير، وعلى مدى أبعد، يرجو المرء أن يزداد ضرر العقوبات على روسيا مع استمرار الحرب، وفي الوقت نفسه، تلقى أوكرانيا عونًا هائلًا من الغرب، ولديها روح معنوية مرتفعة للقتال حتى النهاية.

وبرغم أننا لم نبلغ المراحل النهائية بعد، فسيكون من الفطنة لأوكرانيا أن تبدأ التفكير في نهاية اللعبة. فيتسنى لها بهذه الطريقة أن تحقق موقفًا متماسكًا، وتهيئ استراتيجيتها بناء عليه وتكتسب دعمًا دوليًا. لقد تعرض وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر للنقد لاقتراحه أن على كييف ألا تسعى إلى تجاوز خطوط ما قبل الرابع والعشرين من فبراير في ميدان المعركة، والحق أنه يبدو في هذه اللحظة من غير المحتمل أن تتمكن أوكرانيا حتى من استرداد كل هذه المناطق بالقوة، وإن يكن عليها أن تستمر في المحاولة. لكن يبدو من الحكمة أن تستهدف استعادة الأراضي التي ظفرت بها روسيا خلال العالم الحالي. ثم يكون بوسع كييف أن تحاول استرداد الأراضي التي فقدتها من قبل أي في عام 2014 من خلال التفاوض. ولقد أشار الرئيس فلودومير زيلينسكي مرات عدة إلى أمر مماثل؛ وذلك الهدف ـ أي الرجوع إلى حدود ما قبل الرابع والعشرين من فبراير من شأنه أن يحظى بأكبر قدر ممكن من الدعم الدولي.

في مرحلة الحرب الأخيرة، يصبح الغرب ـ وبخاصة الولايات المتحدة ـ لاعبًا محوريًا. ولئن كانت روسيا في الوقت الراهن تخوض حربًا مباشرة مع أوكرانيا، ففي حال تحول القتال إلى شيء من الركود، سيكون الصراع الحقيقي قائمًا بين روسيا والغرب، فما الذي سوف تقدمه روسيا في مقابل تخفيف العقوبات؟ وما الذي سوف يطالب به الغرب في مقابل إنهاء عزلة روسيا؟

حتى الآن، تسعى واشنطن إلى هذا، موضحة أن القرار بيد الأوكرانيين، فهم الذين يحددون ما يريدونه، ولن تتفاوض واشنطن بعيدا عنهم، وهذه هي الرسالة الصحيحة التي يقوم عليها الدعم العلني، لكن أوكرانيا وشركاءها الغربيين بحاجة إلى صياغة مجموعة من الأهداف الحربية المشتركة، والتوصل إلى استراتيجية لها، والحصول على دعم دولي، واستعمال كل ما لديهم من القوة من أجل النجاح، لا بد أن يكون الهدف هو أوكرانيا مستقلة كاملة السيطرة على أغلب أراضيها في ما قبل حدود الرابع والعشرين من فبراير على الأقل، وببعض الالتزامات الأمنية من الغرب.

والبديل لنوع ما من التسويات التفاوضية قد يكون حربًا لا نهاية لها في أوكرانيا، وذلك سيزيد البلد وشعبه خرابًا، فضلًا عن خمسة ملايين هربوا بالفعل، وستتفاقم الاضطرابات الناجمة في توريدات الطاقة والغذاء والاقتصاد في كل مكان، مع اضطراب سياسي يحتدم في العالم بأسره. مؤكد أن البحث عن نهاية للعبة أمر جدير بالعناء اجتنابا لذلك المستقبل المظلم.

فريد زكريا كاتب في الشؤون الخارجية بصحيفة واشنطن بوست، ومؤلف كتاب «عشرة دروس لعالم ما بعد الجائحة»

ترجمة خاصة لـ عمان عن «واشنطن بوست»