التواصل: الفهم والوهم

12 أبريل 2022
12 أبريل 2022

فرض التطور الملحوظ في تقنيات وممارسات وقنوات التواصل والإعلام واقعا يلح على مختلف المؤسسات بأن تسعى لتعزيز حضورها في المشهد من أجل الاقتراب من جمهورها، أو رسم صورة ذهنية معينة عنها، أو تعزيز أعمالها، أو الترويج لها، أو في أسوأ الأحوال من أجل مجرد وضع علامة «صح» على أحد المربعات في قائمة أولويات المؤسسة. ولأنه بات لا مناص للغالبية العظمى من المؤسسات من ضمان وجود مقومات تضمن نشاطها التواصلي باختلاف مجالات عملها وجمهورها المستهدف ومدى حاجتها للتواصل أصلا وما إذا كانت مؤسسة خدمية أم لا، فإن من الواضح أن التواصل والإعلام بات ضمن الضروريات التي قد يكون من الصعب للمؤسسة أن تعمل دون وجوده.

ويمكن في سبيل التوضيح حول ذلك استحضار تطور بعض التوجهات في هذا الجانب على مستوى عالمي؛ حيث أتاح وجود منصات التواصل الاجتماعي لمستخدميها إمكانية التعبير عن أفكارهم ووجهات نظرهم حول أمور مختلفة من ضمنها الآراء تجاه المؤسسات أو المنتجات والخدمات التي تقدمها، وهو ما حدا بالشركات حول العالم إلى ضمان وجود لها عبر تلك المنصات من أجل الظهور بصورة أكثر ودا أو مرحا أو ذكاء أو قربا بالنسبة للجمهور. وقد أفرزت تلك المرحلة تصاعدا ملحوظا في تفاعل الجمهور مع المؤسسات والشركات - بما في ذلك الاستفسارات والشكاوى - ما أدى إلى اضطرار المؤسسات أن تتعامل مع منصات التواصل بشكل أكبر من كونها قنوات ترويجية أحادية الاتجاه، وتفعيل تلك المنصات كقنوات لتقديم الدعم والرد على الاستفسارات وإدارة البلاغات.

ومع تزايد رغبة الجمهور في المعرفة نتيجة وعيه بجوانب مختلفة تلامس حياته اليومية بطريقة مباشرة كالخدمات أو بطريقة غير مباشرة كالسياسات أو التشريعات، إضافة إلى التوسع المتزايد في شريحة مستخدمي منصات التواصل؛ فقد كانت النتيجة الطبيعية لذلك في المقابل ازدياد عدد المؤسسات والشركات التي تسجل حضورها في تلك المنصات. ويمكن الاستدلال على ذلك أنه قلما توجد مؤسسة رسمية لم تفتح حسابا لها على منصة تويتر، ويندر أن يوجد مشروع تجاري لم يعبئ صفحة له على منصة إنستجرام بتفاصيل منتجاته وموقعه على الخارطة وبيانات التواصل معه، ولا يمكن أن نتصور شركة لم توجد لها ملفا تعريفيا على منصة لينكد تستقطب من خلاله الموظفين الجدد أو المشترين المستهدفين أو الموردين لمواد أو خدمات تحتاج إليها الشركة في أعمالها.

وبالرغم من أن ذلك يعد مؤشرا جيدا لفهم أساسي للتواصل سواء فهم الحاجة له، أو العناصر التي يتطلب وجودها لتفعيله، أو الأهداف التي يمكن تحقيقها من خلاله؛ إلا أنه وبالنظر إلى وضع العديد من المؤسسات والشركات يمكن القول إن قرين هذا الفهم يوجد وهمٌ يُتصور للجهة من خلاله أنها تحسن صنعا في ممارسات التواصل. إن إطالة النظر من هذه الزاوية تتيح تشخيص عدد من الأعراض لعل من أبرزها مفهوم «النافذة الواحدة» وهو أن تحاول المؤسسة استغلال مناسبة واحدة أو حدث واحد لحشوه برسائل ومواد إعلامية مختلفة لا تركز على موضوع بعينه. إن تنظيم المؤسسة لحدث يتاح لها فيه الحديث إعلاميا عن جوانب مختلفة يجب أن لا ينظر إليه كنافذة وحيدة متاحة للمؤسسة من أجل صب كل رسائلها على وسائل الإعلام وعلى الجمهور في وقت واحد؛ بل إن ما يتوجب فعله إيجاد نوافذ متعددة تخصص كل منها لموضوع معين من أجل تغطية كافة جوانبه بشكل كامل، واستيفاء مختلف زوايا النقاش حوله، والأهم من ذلك كله إتاحة المساحة الكافية لذلك الموضوع للانتشار والاستيعاب وتوليد ردود الفعل للاستفادة منها في التطوير العملياتي والإعلامي.

إن الحديث عن «النافذة الواحدة» يقود تلقائيا إلى التطرق لممارسة «المرة الواحدة» بحيث لا تنجح المؤسسة في استدامة رسائلها الإعلامية نظرا لأنها تقوم بتنفيذ أنشطة إعلامية مفردة حول رسائلها دون تكرارها في سياقات وأطر زمنية متعددة ولدى شرائح متنوعة من الجمهور وعبر منصات وقنوات التواصل والإعلام المختلفة. إن ما يتوجب على القيِّمين في المؤسسات الابتعاد عن القناعة بأن نشاطا واحدا لمرة واحدة كفيل بإيصال الرسالة وترسيخها لدى الجمهور، خصوصا وأن الكم الهائل مما يتعرض إليه الجمهور من رسائل بشكل يومي قد يشكل تشويشا على أي رسالة يراد لها إيجاد طريقها إلى عقول ووجدان الجمهور.

في المنافسات الرياضية - كمباريات كرة القدم - فإن أي جهد يبذل في آخر دقائق المباراة أو في الوقت بدل الضائع قد ينتج عنه نتيجة حاسمة للمباراة، لكن ذات المبدأ لا ينطبق على ما تتبعه العديد من المؤسسات عبر إشراك فرق التواصل والإعلام في آخر مراحل العمل في مشروعاتها أو مبادراتها أو برامجها أو تشريعاتها. إن عدم كفاية التحضير لكيفية إخراج المشروع إلى عامة الجمهور إعلاميا لن تكون نتيجته تدني مستويات الانتشار والتأثير للرسالة الإعلامية فحسب، بل يؤدي في كثير من الأحيان إلى عكس الأفكار المراد توضيحها للجمهور. فبينما تحصد الحكومة - على سبيل المثال - ثمرة مراجعة التشريعات والأنظمة المتعلقة بالتوظيف في القطاع الحكومي عبر التعاقد مع ذوي الكفاءة والخبرة بحزم وظيفية خارج سلم الرواتب المعمول به من أجل استقطابهم، يتصور المجتمع بتعرضه للصيغة القانونية الجامدة لذلك القرار بأن الاستقرار الوظيفي لكافة موظفي الدولة بات مهددا عبر صيغة العقد المنشورة طيّ القرار.

ومن معايير تشكيل فرق التواصل والإعلام التي قد تغفل الجانب المهاري لأفرادها، إلى تفاوت مستويات التمكين التي تحظى بها تلك الفرق وإمكانية وصولها للمعلومة داخل المؤسسة، إضافة إلى ميل بعض مسؤولي المؤسسات والشركات للارتجال فيما يتعلق بالتواصل والإعلام، فإن ما من شأنه أن ينعكس إيجابا على المؤسسة وأدائها وصورتها الذهنية لدى الجمهور زيادة الفهم وتقليل الوهم حول التواصل.