عواقب انتهاء معاهدة «نيو ستارت»
02 فبراير 2026
ترجمة: بدر بن خميس الظفري
02 فبراير 2026
إن آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين الولايات المتحدة وروسيا يتجه إلى نهايته، لا بانفجار مدوٍّ، بل بصمت مقلق؛ فإدارة ترامب لم تقل سوى القليل جداً عن انتهاء معاهدة «نيو ستارت» يوم الخميس المقبل، وهو اليوم الذي سيضع حداً لنصف قرن من التعاون بين أكبر قوتين نوويتين في العالم.
كما أن كبار المشرّعين في الكونجرس لم يدلوا هذا العام بالكثير حول هذه المعاهدة، رغم ما تنطوي عليه من احتمال وشيك لسباق تسلّح ثلاثي غير مقيَّد بمشاركة الصين.
أبرز محاولة لرفع مستوى الوعي بنهاية هذه الحقبة، التي شكّلت الإطار الأمني لمعظم حياتنا الجماعية، جرت في 14 يناير.
ففي المساء الباكر، تداول عدد من الديمقراطيين الكلام في قاعة مجلس النواب لمدة ساعة تقريباً حول العالم الجديد الذي نحن على وشك دخوله، في مشهد ربما لم يلتقطه حتى أكثر متابعي قناة سي-سبان ولعاً.
وما هو أكثر إثارة للقلق من غياب اهتمام ممثلينا المنتخبين بهذا الملف هو الضغوط المتزايدة على إدارة ترامب، من داخل الحكومة وخارجها، لإضافة مزيد من الأسلحة النووية إلى المخزون بدلاً من تقليصه.
فبانتهاء المعاهدة سنعود إلى عصر بلا قيود، حيث يمكن للترسانات أن ترتفع بلا سقف. وقد دفع هذا المشهد القاتم مجلة نشرة علماء الذرة إلى تحريك «ساعة القيامة» الرمزية خطوة أخرى نحو «منتصف الليل»، أي نحو كارثة عالمية. وهي الآن أقرب مما كانت عليه في أي وقت مضى: 85 ثانية فقط حتى منتصف الليل.
لم يمض وقت طويل منذ اتفقت القوى العظمى في العالم على أن امتلاك عدد أقل من القنابل النووية أمر جيد.
فعلى مدى عقود، كان المخزون النووي العالمي يتراجع. ففي عام 1986 كان هناك نحو 70.400 رأس نووي، مقارنة بنحو 12.500 اليوم، وهو انخفاض جاء نتيجة سنوات من المفاوضات المتواصلة بين واشنطن وموسكو. وما بدأ في عام 1969 بإطلاق محادثات الحد من الأسلحة الاستراتيجية أفضى إلى سلسلة من الاتفاقات انتهت بمعاهدة خفض الأسلحة الاستراتيجية الجديدة، المعروفة باسم «نيو ستارت»، التي دخلت حيز التنفيذ في 2011 ثم مُدّدت في 2021 لخمس سنوات إضافية.
وقد حدّت معاهدة «نيو ستارت» من ترسانتي الطرفين إلى 1.550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، أي الأسلحة بعيدة المدى المحمولة على الغواصات والصواريخ الباليستية العابرة للقارات والطائرات القاذفة، وفرضت تبادلاً منتظماً للبيانات والإخطارات حول عدد وحالة الأسلحة الخاضعة للمعاهدة لدى كل طرف. كما سمحت بعمليات تفتيش ميدانية مفاجئة للتأكد من الالتزام.
إن انتهاء معاهدة «نيو ستارت» ليس سوى أحدث معاهدة من حقبة الحرب الباردة جرى التخلي عنها أو إلغاؤها وسط تدهور العلاقات الأمريكية الروسية، وعندما عاد الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض، كان كثيرون يأملون أن يعيد إحياء مفاوضات الحد من الأسلحة النووية بعد سنوات من الجمود الدبلوماسي. وقد قال مراراً إنه مستعد لتقليص عدد الأسلحة النووية في العالم، بل قال في أغسطس إنه يرغب في «نزع السلاح النووي» تماماً إذا قابل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ذلك بالمثل.
غير أن أفعال ترامب، رغم خطابه المناهض للانتشار، تروي قصة أخرى. فقد خفّض عدد الدبلوماسيين العاملين على الملف النووي في وزارة الخارجية، وتحدث علناً في أكتوبر عن استئناف التجارب النووية، في تحول كبير عن وقف الاختبارات الذي دام عقوداً. وعندما سألته صحيفة نيويورك تايمز هذا الشهر عن قرب انتهاء «نيو ستارت»، أجاب: «إذا انتهت، فقد انتهت. سنبرم اتفاقاً أفضل». وهذا ضرب من التمنّي، إذ لا تكاد تظهر أي مؤشرات على تحرّك في واشنطن أو موسكو بشأن ضبط التسلح منذ أن غزت روسيا أوكرانيا في 2022.
بل قد تسير إدارة ترامب في الاتجاه المعاكس. ففي السنوات الأخيرة، درس الجيش الأمريكي ما يتطلبه إضافة رؤوس نووية حرارية إضافية إلى الصواريخ بعيدة المدى الموجودة في الترسانة الأمريكية. فكل صاروخ منها يحمل حالياً رأساً واحداً، لكنه يمكن أن يحمل اثنين أو أكثر، يوجَّه كل منها إلى هدف مختلف، وفق تقنية تُعرف باسم «مركبات العودة المستقلة المتعددة الأهداف»، أو ميرف.
وقد أزالت الولايات المتحدة آخر رأس من هذا النوع من صواريخها في 2014 جزئياً للامتثال لمعاهدة «نيو ستارت». ومن دون المعاهدة، قد تعود الصواريخ المتعددة الرؤوس بقوة. وبموافقة ترامب، يمكن للبنتاغون سحب رؤوس نووية مخزّنة حالياً وتركيبها على الصواريخ الباليستية العابرة للقارات الأربعمائة الموضوعة في حالة تأهب وتحت الأرض في خمس ولايات من السهول الكبرى.
قبل وقت غير بعيد، كانت مثل هذه الاستراتيجية، المعروفة باسم «التحميل»، تُعد بقايا من الماضي تُقابل بالسخرية. لكن مع استمرار روسيا في تحديث قواتها النووية ومضيّ الصين في بناء ترسانة ضخمة، اكتسبت الحجة الداعية إلى زيادة عدد القنابل الأمريكية زخماً سياسياً. ومع أن الصين ما زالت تملك عدداً أقل بكثير من الرؤوس النووية، يُقدّر بنحو 600، مقارنة بالولايات المتحدة وروسيا اللتين تملكان نحو 3.700 و4.300 على التوالي، فإنها تضيفها بمعدلات لم تُشهد منذ الحرب الباردة، من دون أي خطط معلنة للتوقف. كما أن بكين لم توقّع قط على أي اتفاق يقيّد حجم ترسانتها.
ويرى صقور الحكومة الأمريكية أن امتلاك عدد من الأسلحة النووية يوازي مجموع ما لدى روسيا والصين سيُبقيهما معاً تحت السيطرة. وأسهل طريق لتحقيق ذلك هو زيادة «التحميل»، غير أن ذلك يتطلب وقتاً وأموالاً.
وقالت روز غوتيمولر، كبيرة المفاوضين الأمريكيين في «نيو ستارت»، إن روسيا ستكون قادرة على التكيّف مع عالم ما بعد المعاهدة بسرعة أكبر بكثير من الولايات المتحدة. فموسكو لم تتوقف يوماً عن نشر صواريخ متعددة الرؤوس.
وأضافت: «يمكنهم أن يندفعوا بعيداً عنا في حملة تحميل بينما نظل نحن نكافح لتأمين القدرات التقنية اللازمة للبدء بتحميل صواريخنا الحالية».
وبوسع الكرملين ببساطة إخراج رؤوس من المخازن وتركيبها. وقال بافل بودفيغ، محلل القوات النووية الروسية المقيم في جنيف، إن هذا مرجّح إذا بدأت الولايات المتحدة أولاً. وأضاف: «من الممكن أن يصوغوا الأمر على النحو التالي: الأمريكيون هم الأشرار، إنهم يعززون قواتهم، ونحن نحتفظ بحق الرد بالطريقة نفسها».
لقد ساعدت المعاهدات السابقة، ولا سيما «نيو ستارت»، موسكو وواشنطن على تجنّب مثل هذه المواجهات الخطرة. فهي لم تجلب السلام العالمي، لكنها وفّرت لكل طرف رؤية حيوية لما يفعله الآخر. وهذه القيود هي السبب في أن العالم لم يعد يواجه الجبل الهائل من الرؤوس النووية الذي تراكم خلال الحرب الباردة. وبعد أيام قليلة، ستختفي آخر هذه القيود.
صحيح أن زوال «نيو ستارت» كان متوقعاً. فقد تعطلت الزيارات الميدانية بموجب المعاهدة في 2020 بسبب جائحة كوفيد-19، ثم توقفت نهائياً في 2023 عندما علّق بوتين مشاركة بلاده بسبب دعم الولايات المتحدة لأوكرانيا في الحرب. ومع ذلك، تعهّد بوتين بالالتزام بسقوف الرؤوس النووية، وقال إنه يرغب في مواصلة ذلك حتى بعد انتهاء المعاهدة. لكن ترامب ترك هذا العرض على الطاولة بلا رد ذي معنى.
المعاهدة ليست كاملة. فهي لا تغطي الترسانة الروسية الكبيرة من الأسلحة النووية «التكتيكية» قصيرة المدى، ولا تشمل الأسلحة النووية الروسية الجديدة والأكثر غرابة، مثل المسيّرة البحرية «بوسيدون» العابرة للمحيطات. لكنها تظل ذات قيمة، إذ تُبقي الولايات المتحدة وروسيا على الأقل في حالة حوار في وقت لا يتفقان فيه على شيء تقريباً.
ومن الغريب أن ترامب لم يلتقط عرض بوتين للالتزام بسقوف المعاهدة. فالرئيس الأمريكي طالما اشتكى من تريليونات الدولارات التي تنفقها القوى العظمى على الأسلحة النووية، واستخدم أحياناً هذه الكلفة الهائلة لاستمالة موسكو وبكين إلى خفض التسلح.
وينبغي لإدارة ترمب أن ترد على بوتين باقتراح تمديد لعام واحد مع استئناف عمليات التفتيش الميدانية. فهذا لن يعيد البلدين إلى شروط المعاهدة الأصلية فحسب، بل سيمنحهما أيضاً وقتاً لبناء الثقة وحيزاً دبلوماسياً لصياغة اتفاق جديد.
كما سيساعد ذلك على طمأنة أوروبا القلقة بأن الولايات المتحدة ما زالت ملتزمة احترام الأعراف والمعاهدات القائمة، حتى تلك التي فقدت بريقها في السنوات الأخيرة، وسيمنح وقتاً إضافياً لدفع الصين إلى طاولة المفاوضات بشأن اتفاق مستقبلي.
وسيكون ذلك أيضاً سياسة جيدة داخلياً؛ فقد أظهر استطلاع حديث أجرته شركة يوغوف على ألف ناخب أمريكي مسجّل أن 91 في المائة يؤيدون إما الإبقاء على القيود الحالية على الأسلحة النووية أو مواصلة تقليص ترسانتي الولايات المتحدة وروسيا.
وحتى إن لم يكن الأمريكيون يعرفون «نيو ستارت» بالاسم، فإنهم يدركون أنها أداة مفيدة في وقت يتفكك فيه النظام الدولي القائم على القواعد أمام أعيننا.
لقد قطع العالم شوطاً طويلاً بحيث لا يجوز السماح لتقدم نصف القرن الماضي أن يتبدد. فمن دون اتفاق جديد، ستضطر الجيوش إلى التخطيط لأسوأ الاحتمالات. وهناك نافذة زمنية للتحرك، قد تكون آخذة في الانغلاق بسرعة، لكنها تستحق المحاولة.
