د. فهد الكندي: عيوب القلب غير المكتشفة سبب الوفاة المفاجئة للرياضيين
تعد الأمراض القلبية الوعائية سببا في وفاة حوالي 18 مليون نسمة ممثلة ما نسبته 31% من إجمالي الوفيات سنويا، ومن بينها الجلطات القلبية التي تزداد في فصل الشتاء مقارنة بباقي العام، كما أن العديد من حالات الجلطة القلبية الحادة تحدث عادة في ساعات الصباح المبكرة بين الساعة الخامسة والتاسعة صباحا وذلك يعود إلى الساعة البيولوجية داخل جسم الإنسان حيث ترتفع هرمونات الأدرينالين والكورتيزون خلال ساعات الصباح الأولى..
التقت «عمان» بالدكتور فهد بن عبدالله بن راشد الكندي، استشاري أول قلب في جامعة السلطان قابوس، وأستاذ مشارك في جامعة وايل كورنيل الأمريكية الذي أكد أن تعدد الوفاة المفاجئة في الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 35 سنة وخاصة عند الرياضيين أصبح أكثر قلقًا وتكون الأسباب في هذه الفئة غالبًا بسبب عيوب القلب غير المكتشفة أو تشوهات القلب.
ـ الجلطات القلبية تزداد في الشتاء ولا بد من تعلم طرق الإنعاش القلبي الرئوي
وأشار إلى أن النوبات القلبية تحدث بسبب ضيق أو انسداد في شرايين القلب التاجية، ويمكن أن يؤدي تراكم المواد المختلفة إلى تكوين ما يسمى باللويحات الدهنية والتي مع الوقت تؤدي إلى تضييق الشرايين التاجية والإصابة بمرض الشريان التاجي والذي بدوره يؤدي إلى نقص إمداد الدم إلى عضلة القلب، وفي حال تمزّق هذه اللويحات فقد تؤدي إلى انسداد تام للشريان بما يسمى (الجلطة القلبية)، وموت عضلة القلب إذا لم يتم التدخل بأسرع وقت وفي أقل من 90 دقيقة من أجل الحصول على أفضل النتائج، وإذا كان هذا الانسداد في أحد أهم وأكبر الشرايين التاجية فقد يؤدي إلى توقف القلب بما يسمى بـ(السكتة القلبية) والذي تكون نسبة وفاة المريض فيه عالية إذا لم يتم إسعافه بشكل فوري .. مشيرًا إلى أن النوبة القلبية المفاجئة تسبقها عدد من العلامات من بينها ضغط وضيق في الصدر أو الذراعين يمكن أن يصل إلى الرقبة والفك، والغثيان، بالإضافة إلى عرق بارد، ودوار مفاجئ، وتعب، مع ضرورة ملاحظة أن تلك الأعراض هي الشائعة عادة للنوبات القلبية إلا أنها لا يعني أن كل شخص ستكون لديه نفس الأعراض.
فصل الشتاء
وأضاف: إن عددا من الأبحاث بيّنت أن التعرض للجلطات القلبية في الشتاء يزداد مقارنة بباقي العام، ويعود ذلك لعدد من العوامل من بينها انقباض الأوعية الدموية للمساعدة في الحفاظ على حرارة الجسم الأمر الذي لا يرفع ضغط الدم فقط، بل يوجِد أيضا مساحة أضيق للدوران الدموي، وزيادة نشاط الصفائح الدموية مما يعني أنها أكثر عرضة للالتصاق ببعضها البعض، مما قد يؤدي إلى التجلط، ومحاولة الجسم الحفاظ على درجة حرارة ثابتة نتيجة التغيرات المفاجئة في درجة الحرارة يؤدي إلى إجهاد حراري للجسم وله تأثير عميق ومباشر على لزوجة الدم مما يجعله أكثر سمكًا ولزوجة وأكثر عرضة للتجلط، وفي المناخات الباردة يميل الناس إلى ممارسة الرياضة بشكل أقل ويزداد عندهم السهر والتدخين وتناول الوجبات غير الصحية، كما أنه في موسم الشتاء قد يشعر الكثير من الناس بالاكتئاب والتوتر والذي يرتبط بزيادة مخاطر الإصابة بالنوبات القلبية .. مضيفاً: إن العديد من الدراسات أوضحت أن حالات الجلطة القلبية الحادة تحدث عادة في ساعات الصباح المبكرة بين الساعة الخامسة والتاسعة صباحًا، وذلك يعود إلى الساعة البيولوجية داخل جسم الإنسان حيث ترتفع هرمونات الأدرينالين والكورتيزون خلال ساعات الصباح الأولى، وبعد الاستيقاظ مباشرة، إذ إن هذه الهرمونات تعمل على زيادة ضغط الدم ونبض القلب ما يزيد استهلاك القلب من الأوكسجين، وتؤدي أيضا إلى زيادة قوة احتكاك الدم بجدران الشرايين التاجية حيث ترسبات الكوليسترول، وتكون في أطوارها الأولى ما يتسبب في انسلاخ البطانة المغلفة للشرايين داخليًا، وبالتالي تتكون خثرة تغلق الشريان تمامًا.
الإنعاش القلبي
وأكد أن الجلطات القلبية تعد من أكثر مسببات توقف القلب والتي يطلق عليها (السكتة القلبية) لذلك من أهم ما يجب أن يتعلمه كل فرد من أفراد المجتمع هو الإنعاش القلبي الرئوي، حيث يعد من الأساليب المنقذة للحياة التي تفيد في العديد من الحالات الطارئة مثل النوبة القلبية التي يتوقف بسببها نبض المصاب، إذ عندما يتوقف القلب عن النبض، يكف الجسم عن تلقي الدم المشبع بالأكسجين، وقد يسبب نقص الدم المشبع بالأكسجين تلفًا في الدماغ في بضع دقائق فقط، ويحافظ الإنعاش القلبي الرئوي على تدفق الدم المشبع بالأكسجين إلى الدماغ وغيره من أعضاء الجسم إلى أن يتمكن فريق العلاج الطبي من استعادة نظم القلب الطبيعي، وتوصي جمعيتا القلب الأمريكية والأوروبية ببدء الإنعاش القلبي الرئوي بالضغطات القوية والسريعة على الصدر، وتسري هذه التوصية باستخدام اليدين فقط في حالة إجراء الإنعاش القلبي الرئوي على المارة غير المدربين والمسعفين على حد سواء، ويعتبر الإنعاش القلبي من أسهل الطرق التي يستطيع الإنسان تعلمها لإنقاذ حياة قد تكون لأقرب الناس لديه.
الشباب والجلطات القلبية
وقال استشاري أول قلب بجامعة السلطان قابوس: أظهرت بعض البيانات العالمية أن نسبة البالغين الذين تقل أعمارهم عن 40 عاما، والذين يعانون من نوبة قلبية ارتفعت بنسبة 2% سنوياً خلال السنوات العشر الماضية، ويرجع هذا الارتفاع إلى تغير أنماط الحياة الحديثة وعادات الخمول، والتي تتزايد، خاصة منذ بدء حظر التجوال والإغلاق بسبب جائحة كورونا، ويأتي على رأس قائمة عوامل الخطر التي يمكن أن تزيد من فرص الإصابة بنوبة قلبية لدى الشباب؛ التدخين والاستخدام المفرط للتبغ، وارتفاع مستويات الكوليسترول، وداء السكري، بالإضافة إلى نمط الحياة الخامل، وسوء التغذية، والضغط العصبي والاكتئاب، والتاريخ العائلي أو الخطر الوراثي، والسمنة وارتفاع مستويات مؤشر كتلة الجسم، وتعاطي المخدرات.
الموت المفاجئ
وأشار إلى أنه في الآونة الأخيرة أصبح الكثير قلقين من تعدد الوفاة المفاجئة في الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 35 سنة وخاصة عند الرياضيين، بمعدل 1 ـ 3 لكل 100,000 من الرياضيين الشباب الذين يبدون بصحة جيدة ويموتون فجأةً في أثناء ممارسة الرياضة، وتكون الأسباب في هذه الفئة غالبًا بسبب عيوب القلب غير المكتشفة أو تشوهات القلب والذي هو أمر نادر الحدوث، فعندما تحدث هذه الوفيات المفاجئة، غالبًا ما يكون ذلك في أثناء النشاط البدني، مثل ممارسة الرياضة، وتحدث عند الذكور أكثر من الإناث .. مشيراً إلى أن من أهم أسباب الموت المفاجئ للرياضيين احتشاء عضلة القلب التضخمي والتوسعي، واضطرابات نظم القلب، وخلل نسيج البطين الأيمن اللاانتظامي، وتشوهات الشرايين التاجية لذلك من الضروري جدا الفحص الدقيق والدوري للرياضيين للكشف عن بداية الأعراض ورصد أي تغيرات في القلب مع أهمية أخذ التاريخ المرضي للاعب وأسرته معا.
كوفيد-19 والقلب
وأضاف: إن هناك دراسات عديدة عالمية ومن ضمنها دراسة قمنا بها في السلطنة أظهرت الارتباط الوطيد والخطير بين المصابين بفيروس كورونا «كوفيد-19» وبين مرضى القلب، حيث من الممكن أن يكون الشخص الطبيعي المصاب بكورونا معرضًا للإصابة بأمراض القلب بطرق مختلفة، وأثبتت الدراسات أن فيروس كورونا لا يكتفي بالرئة فقط ولكن يهاجم أعضاء أخرى مثل العضو الأهم عند الإنسان وهو القلب، ولذلك من خلال الحالات التي وجدت خاصة في الدول التي هاجمها الفيروس بشكل كبير مثل الصين والولايات المتحدة الأمريكية وإيطاليا تم ملاحظة أن الفيروس من الممكن أن يهاجم القلب بطرق مختلفة، وهناك 4 طرق تمت الكتابة عنها في مختلف الدراسات، فعند مهاجمة فيروس كورونا للرئة مسبباً التلف لها، يصبح هناك نقص في الأكسجين بالدم وبالتالي ينقص الأكسجين للقلب مما يسبب إجهادا وضعفا للقلب .. كما أنه تمت ملاحظة أن فيروس كورونا مثل باقي الفيروسات التي واجهتها البشرية من الممكن أن يهاجم عضلة القلب بصورة مباشرة، بالإضافة إلى أنه عندما يدافع الجهاز المناعي لدى مهاجمة فيروس كورونا الجسم يقوم بإفراز بعض الانزيمات والبروتينات وبعض الأشخاص يصبح الإفراز لديهم بشكل مفرط، وبالتالي تهاجم البروتينات القلب ويؤدي إلى ضعف وفشل في العضلة بما يسمى (عاصفة السيتوكين) وحسب أول الدراسات في مدينة ووهان لوحظ أن 1 من بين كل 5 مصابين بشدة بفيروس كورونا كان يعاني من مرض في القلب، ونسبة كبيرة من الوفيات كان لديهم مرض في القلب، أما عن الأعراض البدائية لفيروس كورونا على مرضى القلب فعادة تكون مطابقة لأعراض شخص آخر، ولكن تكمن الخطورة عند مرضى القلب أن الأعراض تستمر وتتطور الحالة وتتدهور بشكل سريع، حيث إن الفيروس يؤثر على الأوعية الدموية وإصابتها بالالتهاب .. مضيفًا: أن مرضى الضغط معرضون للخطورة أيضاً، لذلك على الجميع اتباع نمط حياه صحي والالتزام بالفحص الدوري خاصة في سن الأربعين، لتفادي أية مشاكل صحية في عضلة القلب.
كورونا والجلطات القلبية
وأكد أنه بالرغم من التحديات التي تفرضها جائحة كورونا (كوفيد-19)، وما تتطلبه من إجراءات استثنائية وتدابير وقائية خاصة، إلا أن معظم مستشفيات العالم لم تتوقف عن تقديم الخدمات العلاجية للمرضى الذين يحتاجون الرعاية الطبية، ومنهم المرضى الذين تتطلب حالتهم الصحية إجراء عمليات القسطرة العلاجية الطارئة لعلاج الجلطات القلبية والدماغية، ويعد علاج الجلطات القلبية والدماغية عن طريق إزالة الجلطة من خلال القسطرة العلاجية من الطرق والتقنيات الحديثة التي تتبعها الفرق الطبية حيث تعد أكثر الأساليب فعالية، والتي أثبتت نجاحًا بالغًا في إنقاذ حياة الكثير من مرضى الجلطات والتقليل من الآثار السلبية والأضرار المترتبة على هذه الجلطات.. مؤكدًا: وفقًا لمنظمة الصحة العالمية فإن مشاكل القلب هي السبب الأول للوفاة على مستوى العالم، ويشير ذلك إلى ضرورة اتباع مرضى القلب خطة صحية للوقاية من أمراض القلب والجلطات، وأهمها التصدي لعوامل الخطر مثل التدخين والنظام الغذائي غير الصحي والسمنة والخمول البدني وتعاطي الكحول .. كما يحتاج المصابون بأمراض القلب والأوعية الدموية أو الأشخاص المعرضون لمخاطر عالية فيما يتعلق بأمراض القلب والأوعية الدموية (بسبب وجود عامل خطر أو أكثر مثل الارتفاع المفرط في ضغط الدم أو داء السكري أو ارتفاع نسبة الشحوم في الدم) إلى الكشف المبكر والتدبير العلاجي باستخدام المشورة الطبية والأدوية، حسب الاقتضاء.
رسالة للمجتمع
وقال الدكتور فهد الكندي: إن جائحة فيروس كورونا مَثلت حالة طوارئ عالمية أثرت على جميع البلدان، وتطلبت إجراءات دولية فورية ومستدامة، وفي حين أن الحد من حجم الخسائر البشرية والاقتصادية الرهيبة في جميع أنحاء العالم هو أول ما يتبادر إلى أذهاننا، إلا أننا قلقون للغاية أيضًا لاسيما بالنسبة للأشخاص الأكثر عرضة لمخاطر العواقب الوخيمة ـ أي كبار السن، والأسر الفقيرة، والأشخاص الذين يعانون من نقص التغذية، وسكان المناطق الريفية النائية الذين يفتقرون إلى فرص الوصول إلى الخدمات أو المساعدة، لذلك لابد من التكاتف والتعاون بين المجتمع والمنظمات الصحية من أجل القضاء على هذا الوباء والعودة إلى الحياة الطبيعية مرة أخرى.. كما نعلم أن أمراض القلب وبالأخص أمراض الشرايين التاجية هي أكبر مسبب للوفاة في العالم، واجب علينا الحرص على الوقاية من هذه الأمراض، فمعظم مسببات هذا المرض هي قابلة للتغيير عن طريق ثقافة صحية لابد أن تغرس في الإنسان منذ الصغر سواء في المنزل من الآباء لأبنائهم أو في المدارس على أن تكون هناك مناهج مخصصة للثقافة الصحية كتعليم الإنعاش القلبي وأهمية الرياضة والحياة الصحية.
