التواصل: من مجرد إعلام الجمهور إلى التأثير فيه

28 ديسمبر 2021
28 ديسمبر 2021

دائما ما تحيط بالمعنيين بالتواصل والإعلام أسئلة وجودية حول الدور الذي يمكن أن تؤديه ممارساتهم في حياة الناس عموما، وإلى أي مدى يمكن أن تؤثر أنشطة التواصل والإعلام في سلوك الجمهور، وكيف يمكن قياس ذلك التأثير أساسا، وما العائد المتحصل من الجهد والوقت والموارد المسخرة في سبيل تنفيذ تلك الأنشطة، وهل يعتبر التواصل والإعلام جزءا ثانويا في خطط المؤسسات نحو التقدم والتغيير أم أنه عنصر رئيسي في سبيل ذلك؟

إن أحد أبرز العوامل التي تؤدي إلى إثارة تلك التساؤلات هو أن معظم المشتغلين في هذا المجال - ولا يبرئ كاتب المقال نفسه - عالقون ضمن حيز يمتد من الحد الأدنى المقبول لممارسات التواصل نزولا لما دون ذلك؛ فمن الإحجام نهائيا عن التواصل - أو ما قد يبرره البعض بأنه تجسيد لمبدأ العمل بصمت - إلى مجرد القيام بتمرير المعلومات بصيغتها الأصلية، إلى تمرير المعلومات مع معالجات بسيطة في قوالب إعلامية، وتمرير المعلومات مع معالجتها وقياس مدى انتشارها، وأخيرا - وهي قلة نادرة تشغل الحد الأدنى المقبول في ممارسات التواصل - تحليل ردود أفعال الجمهور تجاه المعلومات التي تم نشرها. وتتعدد الأسباب المؤدية لذلك بين قلة التمكين المقدم للفرق القائمة على ذلك، والمفهوم غير الدقيق المتأصل في تلك الفرق حول التواصل، وتدني مستوى التركيز على الأولويات التي تقع على عاتق تلك الفرق، وتأدية المهام لمجرد شطبها من «قائمة المهام»، والثقافة السائدة عموما حول مدى أهمية هذا القطاع «كقطاع» على المستوى الشمولي. وبالرغم من ذلك إلا أن النظرة الفاحصة على الغالبية العظمى مما تنشره المؤسسات من محتوى إعلامي تبين أن النشاط الإعلامي للمؤسسات لا يعدو كونه مجرد تعريض الجمهور لمعلومات دون ضمان عناصر مهمة أبرزها مدى انتباه الجمهور المستهدف لوجود تلك المعلومات، وما إذا كان يستطيع استيعاب تلك المعلومات ذهنيا، ومدى اقتناعه بما تحمله تلك المعلومات، وما إذا كانت عواطفه قد تحركت نتيجة تلقيه لتلك المعلومات، وأخيرا مدى احتمالية اتخاذ فعل أو تغيير سلوك في ضوء تلك المعلومات. إن بإمكان القارئ القيام بتجربة بسيطة عبر المرور على الخط الزمني في تطبيق تويتر والنظر إلى المحتوى المنشور بالمنطق المشار إليه أعلاه ليجد أن معظم ما يشاهده لا يعدو كونه وَضْعُ المحتوى في مكان ما يصادف وجود جزء من الجمهور المستهدف الذي قد يتعرض إليه بغض النظر عن ما إذا كان سيتنبه لوجوده أو يثير اهتمامه أو يحرك شيئا في داخله أو يحفزه لاتخاذ فعل معين.

إن من المهم تغيير النظرة تجاه طبيعة العمل في هذا المجال بحيث نسعى إلى تحقيق التأثير عبر التواصل وكأن حياتنا قائمة على ذلك. وربما يكون من أهم ما يمكن الاستئناس به في ظل الحديث عن تحقيق التأثير في الجمهور بعض النظريات التي تتوزع على مجالات المبيعات والتسويق، وتبني الابتكارات، والتواصل بشكل عام؛ حيث تُجمِعُ تلك النظريات على أن هنالك مستويات متدرجة محددة لطبيعة التأثير الذي يمكن أن يتحقق على فئة معينة من الجمهور. إن من أكثر تلك النظريات شيوعا هي نموذج آيدا AIDA وهي مختصر لأربع كلمات بالإنجليزية تعبر عن المستويات المتصاعدة للتأثير وهي الوعي Awareness كمستوى أول ثم الاهتمام Interest ثم الرغبة Desire ثم اتخاذ الفعل Action. وبالرغم من أن هذا النموذج تم إطلاقه من أجل قياس تحقق المبيعات كفعل يحفزه الإعلان على يد رجل الأعمال الأمريكي إيلياس سان إيلمو لويس في نهايات القرن التاسع عشر، إلا أنه يمكن أن يتبع كمبدأ في قياس مستويات التأثير الناتجة عن أنشطة التواصل والإعلام، وخصوصا تلك المرتبطة باتخاذ فعل أو اتباع سلوك معين.

ويتداخل مع ذلك النموذج ما خرج به إيفيريت روجرز - وهو أحد المنظرين الأمريكان في مجال التواصل - عام 1962، والذي سماه «نموذج تبني الابتكارات» بحيث تتدرج فيه مستويات التأثير بدءا بالوعي ثم الاهتمام ثم التقييم ثم التجربة ثم تبني الابتكار. ولكن ما يمكن أن يعبر بشكل أكبر عن طبيعة عمل التواصل النموذج الذي قام بصياغته كل من روبرت لافيدج ووجيري ستاينر قبل عام من ذلك؛ حيث أطلقا سويا نموذج «هرم مستويات التأثير» الذي يلخص تلك المستويات كالآتي: الوعي ثم المعرفة ثم الإعجاب ثم التفضيل ثم القناعة ثم اتخاذ الفعل - أو الشراء في سياق التواصل التسويقي. وعموما ومن أجل تحقيق فهم أفضل للنماذج الثلاثة المذكورة أعلاه فإنه يمكن القول أنها تشترك جميعا في عنصرين: أولهما التدرج بين مستويات يمكن قياس كل مستوى منها على حدة، وثانيهما أن تلك المستويات يمكن تصنيفها ضمن مراحل ثلاث مرتبطة بالجانب النفسي للفرد؛ حيث ترتبط المرحلة الأولى بالجانب المنطقي أو الذهني لدى الفرد وهو ما يتعلق بقدرته على تلقي المعلومة ومعالجتها وفهمها واستيعابها، أما المرحلة الثانية فترتبط بالجانب العاطفي للفرد متمثلا في الموقف الذي يتخذه تجاه ما تمكن من استيعابه من معلومات، بينما ترتبط المرحلة الثالثة بالقرار الذي يتخذه الفرد مترجما الموقف الذي اتخذه تجاه المعلومات إلى فعل أو سلوك.

لكن مجرد تطبيق تلك النظريات قد لا يكفي في سبيل تحقيق التأثير، ذلك أنه - وفي خضم ما يتعرض إليه الفرد من كم هائل من المعلومات بشكل يومي - قد يكون من الصعوبة تحقيق مستويات التأثير المتفاوتة بمجرد القيام أنشطة التواصل والإعلام لمرة واحدة. لذا فإن من المهم استمرارية تلك الأنشطة واستدامة الرسائل الإعلامية. وبعيدا عن النظريات التي يمكن إيرادها في هذا السياق، تسترجع الذاكرة عبارة هامة ضمن حديث شخصي مع أحد خبراء التواصل في الحكومة البريطانية مفادها بأن التكرار هو مفتاح التأثير، وأنه عندما يكون الفريق المعني بأنشطة التواصل قد سئم من تكرار رسالة إعلامية مرات عديدة فإن في ذات الوقت يكون الجمهور المستهدف قد بدأ في الانتباه إلى وجودها أصلا.

بدر الهنائي مهتم بالاتصالات الاستراتيجية والهوية المؤسسية