قطاع الاتصالات والقادم الجديد
يعتمد الناس في معظم جوانب حياتهم اليومية على تقنيات الاتصالات والمعلومات من التواصل إلى المعرفة والتعلم والتسوق والعمل والحصول على الخدمات والترفيه والإنتاجية وتعزيز نمط الحياة وممارسة الهوايات وغيرها. وبطبيعة الحال لم ينتج هذا التحول في مدى اعتمادنا على تقنية الاتصالات والمعلومات - التي يختصرها الجهاز المحمول الذكي - في فترة قصيرة؛ بل تدرج تكاملها مع الحياة اليومية مثلا من إمكانية إجراء المحادثات الهاتفية بديلا عن اللقاء، إلى الحصول على المعلومات البسيطة المسجلة آليا، والتراسل النصي عوضا عن الأحاديث اللفظية، والبريد الإلكتروني ليحل محل الرسائل البريدية، مرورا إلى تطبيقات الإنتاجية البسيطة كالآلة الحاسبة والمذكرات والتقويم والمنبه إلى جانب الألعاب المصغرة، وبعدها إمكانية التسجيل الصوتي والتقاط الصور ومقاطع الفيديو التي مهدت هي الأخرى للحاجة إلى منصات لمشاركتها بشكل خاص أو مع عامة الجمهور، وإمكانية البحث والتصفح عبر شبكة الإنترنت، وإجراء مكالمات الفيديو كبديل أفضل عن اللقاءات المباشرة، والتطبيقات الذكية للحياة اليومية مثل الطقس والخرائط والتراسل الفوري، وصولا إلى تطبيقات أكثر تطورا تخدم مختلف مناحي الحياة، وتوجهات جديدة في التقنية فيما يتعلق بالواقعين المعزز والافتراضي وإنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة والبيانات الضخمة وسلاسل الكتل وغيرها من تقنيات الثورة الصناعية الرابعة.
إن ارتباطنا الوثيق بمشهد تقنية الاتصالات والمعلومات كما هو اليوم لم يكن ليتم لولا وجود الوسط الملائم لوجود تطبيقات تلك التقنية وهو شبكات الاتصالات السلكية واللاسلكية - تسمية معبرة حتى اليوم ولكنها قد تثير مشاعر الحنين إلى الماضي عند بعض الفئات السنية - حيث يرتبط الناس بتطبيقات تقنية الاتصالات والمعلومات إما عبر شبكات الإنترنت الثابت الذي قد يكون - من منظور المستخدم على الأقل - شهد ثلاث مراحل رئيسية في تطوره هي مرحلة تقنية "الطلب الهاتفي" أو ما يسمى Dial-Up ثم مرحلة "الخط الرقمي التماثلي" التي قدمت قدرات اتصال أفضل وسرعات أعلى من سابقتها، ثم تقنية الألياف الضوئية التي قدمت سرعات هائلة مقارنة بالتقنيات السابقة. أما في الاتصالات المتنقلة فقد واكبت هي الأخرى أنماط الاستخدام بدءا من القدرة على إجراء المكالمات عبر شبكة النقال العالمية GSM إلى استيعاب تقنيات الرسائل النصية والتي تلتها سلسلة تطور شبكات النقال لتستوعب تراسل البيانات والوسائط وقابلية التصفح البسيط ثم الأجيال الثالث والرابع والخامس التي يمكن القول بأن مراحل دخولها لا تزال حاضرة في الذاكرة الجمعية.
في الواقع فإنه لا يمكن النظر إلى تلك الشبكات على أنها مجرد وسط ناقل للكم الهائل من البيانات الذي يتدفق بشكل يومي عبر أجهزتنا الذكية ومنها إلى خوادم البيانات العالمية؛ ذلك لأن تلك الشبكات غالبا ما تنشئها وتديرها وتشغلها كيانات تجارية - شركات الاتصالات - تعمل ضمن بيئات تنظيمية واقتصادية يتطور نضجها هي الأخرى بتطور التقنيات وتطبيقاتها وسلوك المستخدمين وتوجهات الأعمال والمرجعيات الدولية وغيرها. إن ما يجعل سياق الحديث حول هذا الموضوع ملائما في الوقت الحالي بدء الحملة الترويجية للقادم الجديد إلى مشهد الاتصالات في السلطنة - وتليق استعارة مصطلح "مشهد الاتصالات" هنا التي رافقت في يوم ما قبل أكثر من ستة عشر عاما الحملة الترويجية لإطلاق المشغل الجديد آنذاك النورس (أوريدو حاليا) - والذي قد يشكل بقدومه تحولات في نظرة الناس إلى شركات الاتصالات أبعد من كونها مزود خدمة أو مشغل شبكات، بحيث ترتبط تلك النظرة أكثر بتجربة الزبائن Customer Experience والتميز في خدمة العملاء والقيمة التي يتحصل عليها الزبون وفوق ذلك كله التصورات والعواطف التي تتشكل في دواخل الجمهور تجاه تلك الشركات. إن دخول هوية "فودافون" - كونها أحد جوانب الشراكة الاستراتيجية للمشغل الجديد المرخص له - سيكون من شأنه فتح ميادين التنافس لتكون أوسع من التطورات التقنية بحيث سيدفع باللاعبين الثلاثة - من ضمنهم عمانتل - إلى بذل مزيد من الجهد في موضعة الهوية التجارية Brand Positioning والتي يمكن الاستشهاد فيها بالحملة القائمة من عمانتل حول باقات الدفع الآجل "باقتي" التي عنونتها بـ "هبة ريح - Fast Forward" والتي يبدو أنها تأتي بالتزامن مع قرب إطلاق فودافون بحيث تتم موضعة باقات "باقتي" على أنها المنتج الآخذ في التطور بشكل مستمر، إضافة إلى التسابق المحموم بين الشركات بشكل عام في إبراز الارتباطات الوطنية عبر الحملات المصاحبة للمناسبات الوطنية. أما فيما يتعلق بالتنافس على القيمة المقدمة للزبون فمن أبرز ما يمكن التطرق إليه هو توجه أوريدو لتقديم ميزة ترحيل البيانات المتبقية في الباقات إلى الشهر المقبل، وإطلاق عمانتل للباقات مسبقة الدفع "حياك" الجديدة التي تقدم قيمة أكبر مقابل الكلفة، إضافة إلى تسارع الجهود في تعزيز تجربة الزبائن وخدمة العملاء في كلتا الشركتين.
إن دخول فودافون إلى قطاع الاتصالات قد لا يجعل حصولها على جزء معتبر من كعكة الحصة السوقية - التي قد يكون حاز على جزء منها مسبقا المشغلون الافتراضيون مثل فريندي ورنة وريد بل وغيرها - لكن ما يمكن أن يؤمن حصولها على انطلاقة جيدة في السوق المحلي يمكن أن يتلخص في ثلاثة عوامل أساسية؛ أولها البناء على الهوية التجارية الواضحة والتي تطورت خلال أربعة عقود وعبر عشرات الأسواق حول العالم والتي يمكن أن تمكنها من شغل حيز واضح في موضعة هويتها محليا، وثانيها أن تسخر خبرتها العالمية في تقديم تجربة رقمية متكاملة وغير تقليدية بحيث تسهم في تحول مشهد تجربة الزبائن خصوصا وأنها قد أسست أنظمتها وعملياتها في السوق المحلي من الصفر، أما العنصر الثالث فهو يتعلق بالجانب التنظيمي بالمقام الأول وهو عدم امتلاكها صفة الهيمنة في السوق بعد؛ وهو ما يمنحها المرونة في تقديم باقات وعروض وأسعار دون أن تخضع للاشتراطات والمعايير وسلسلة الاعتمادات والموافقات من الجهات التنظيمية التي قد تمر بها الشركات الأخرى مما سينتج عنه قدرتها في استقطاب شرائح مختلفة من الزبائن، وهو ما سيدعمه انخفاض التكاليف الرأسمالية فيما يتعلق بنشر شبكتها نظرا لوجود البدائل القائمة عبر عدة جهات محلية.
* مهتم بالاتصالات الاستراتيجية والهوية المؤسسية
