هل يمكن أن توجد حكومة عالمية؟

04 ديسمبر 2021
04 ديسمبر 2021

ترجمة: أحمد شافعي

تستوجب المشكلات العالمية استجابات عالمية. ولدينا من المشكلات العالمية الكثير. فهل ينبغي وجود سلطة واحدة موحدة ـ أي حكومة عالمية ـ لحل هذه المشكلات؟ هل هذا الأمر ممكن أصلا؟ الأمر يعتمد على ما نقصده بهذا التعبير، أليس كذلك؟ هل نقصد امبراطورا على امبراطورية واحدة؟ أم حكومة فيدرالية ديمقراطية ما للعالم كله؟ ونحن نشاهد في حرب النجوم جمهورية مجرّية، لكن هذا في النهاية خيال علمي.

يصعب أن نتخيل حكومة عالمية على مواطنين عالميين في عالم يحتوي هذه الهويات المحلية القوية والأنظمة السياسية والاجتماعية المختلفة. والدولة القومية ـ مثلما أدركنا منذ نهاية الحرب الباردة ـ ليست قائمة وحسب، بل إنها مزدهرة. وتأملوا كفاح الاتحاد الأوربي مع أعضائه لكن على نطاق عالمي. ولن يفلح النظام الانتخابي القائم على صوت واحد للشخص الواحد هو الآخر لأن زعيما واحدا في بعض البلاد يجبُّ أصوات الملايين.

غير أننا إذا ما قبلنا بأن الحكومة هي ممارَسة السلطة على الناس في منطقة معينة برضا منهم أو بغير رضا، ففي هذه الحالة، نعم، يمكن أن نتخيل لونا من السلطة المهيمنة أو مجموعة من السلطات الحاكمة للعالم، بل ربما نتخيل حكمها صالحا. لقد سيطرت الإمبراطورية الرومانية على العالم المعروف في زمانها طوال قرون. والأباطرة الصينيون كانوا يزعمون أنهم «مفوَّضون من السماء» وأن لهم من ذلك ـ فيما كانوا يفترضون ـ سلطان حفظ النظام على وجه كوكب الأرض. وبعد الحروب النابليونية شكَّلت القوى العظمى تحالف أوربا لتسوية النزاعات سلميا والحفاظ على نظام محافظ إلى حد كبير.

في الوقت الذي اتسعت فيه معرفة بعضنا ببعض خلال القرون الأخيرة، اتسعت كذلك مقدرتنا على تخيل نظام عالمي حقيقي. ولقد برَّرت الإمبراطوريات الأوربية وجودها بزعمها أنها تحمل الحضارة إلى رعاياها. وكان أنصار النسخة السابقة من العالم الأنجلوفوني يحلمون بسيادة مشتركة لكل من الإمبراطورية البريطانية (وبخاصة في أقسامها البيضاء) والولايات المتحدة، تحكمان بموجبها العالم. ولكن لينين وستالين وماو كانت لهم نسختهم المختلفة التي تقوم فيها دولة شيوعية واحدة بإذابة الحدود الوطنية.

ثمة احتمال آخر حلم به إيمانويل كانط، بموجبه تتعاون الأمم التي تشترك في الإيمان بالقيم الليبرالية تعاونا طوعيا سلميا. وفي أعقاب الحرب العالمية الأولى خاطب الرئيس الأمريكي وودرو ويلسن الملايين عارضا رؤيته لنظام عالمي أكثر ليبرالية وديمقراطية تعمل من خلاله الأمم معا ضد الأخطار المشتركة التي تهدد الإنسانية، بدءا بالمرض ووصولا إلى الحرب. وكان تجسيد هذه الرؤية هو عصبة الأمم التي ماثلت في مجلسها وجمعيتها العامة وهيكلها البيروقراطي تشكيل الحكومات الديمقراطية وإن افتقرت إلى احتكارها لاستعمال القوة أو للسلطة المطلقة.

لم تحل العصبة دون نشوب الحرب العالمية الثانية، ولكن دروسا استقيت من فشلها، ولعل أهم هذه الدروس هو أن الوحدة الدولية من البداية قد تحول دون انتشار العدوان. واجه العالم المتشظي ابتداء من عام 1945 تحديات هائلة أمام إعادة البناء والحيلولة دون نشوب حرب ثالثة أشد كارثية. وبوصفه رئيس أكبر قوة في العالم كان بوسع الرئيس الأمريكي روزفلت أن يصر على أن تكون للأمم المتحدة الجديدة قوة أكبر من عصبة الأمم وسلطة أوسع.

أوجد المؤتمر التأسيسي للأمم المتحدة المنعقد في سان فراسيسكو هيئة جمعت بين الاستبدادية والديمقراطية. فكانت شرطة روزفلت الرباعية للكوكب ـ المؤلفة من بريطانيا والصين والولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي ـ تحظى بالعضوية الدائمة في مجلس الأمن (ثم أضيفت فرنسا على سبيل المجاملة) وحمِّلت بحسب ما ينص ميثاق الأمم المتحدة «المسؤولية الأساسية عن صيانة السلام والأمن الدوليين». بحلول عام 1948، أنشأت الأمم المتحدة قواتها الخاصة لحفظ السلام، وذلك أمر ما كان للعصبة أن تقوى عليه. كما أشرفت على جملة من الهيئات مثل منظمة الصحة العالمية ومنظمة العمل الدولية التي وضعت معايير وسياسات في مجالات مثل الصحة والعمل وأصبحت مراكز خبرة عالمية.

أصر روزفلت أيضا على وجود جمعية عامة تكون فيها كل بلاد العالم صغرت أم كبرت متساوية، وبمرور الوقت شكَّلت الجمعية العامة كتلها بحيث استطاعت في قضايا مثل تفكيك الإمبراطوريات الأوروبية أن تحشد رأيا عالميا وتفرض ضغطا على الأقوياء. والجمعية العامة على أقل تقدير منتدى لـ193 أمة، من كوريا الشمالية إلى السويد. والرائج الآن هو التهوين من أمر الأمم المتحدة، لكن وجودها يساعدنا على التفكير بطريقة عالمية. وكان الدرس المحوري الآخر الذي استقاه قادة العالم من فترة ثلاثينيات القرن العشرين هو أن مواجهة للكساد الكبير بفرض حواجز تجارية وحواجز أخرى أطالت الشقاء وسمَّمت العلاقات الدولية. وقد ساعدت مؤسستا بريتن وودز وهما البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ثم مؤسسة منظمة التجارة العالمية أخيرا، في إدارة اقتصاد العالم وتعزيز التنمية. صحيح أنها تتعرض لانتقادات كثيرة، ولكننا ـ كحالنا مع الأمم المتحدة ـ سنكون أسوأ حالا بدون هذه المنظمات.

غير أن الحكم العالمي ـ حسبما ترى الأكاديمية الأمريكية آن ماري سلوتر ـ يتعلق بما هو أكثر كثيرا من المؤسسات الرسمية. فهو قائم في شبكات كثيفة من الوكالات الخاصة وجماعات المصالح بدءا بقوات الشرطة وحتى المنظمات الخيرية غير الحكومية التي تعمل عبر الحدود وبرغمها. وسواء أهي تكافح الجريمة أم تدير تدفقات دولية لرأس المال أم تساعد لاجئين، فإن هذه الشبكات تديم بقاء النظام العالمي، بل إنها تنشر أيضا القيم والأعراف المشتركة.

هل سيشجعنا كوفيد 19 على تقوية هذا النظام؟ لقد حملتنا كوارث الماضي الكبيرة على التفكير بطريقة مختلفة، فنشأت عن الحروب النابليونية والحربين العالميتين طرق جديدة في إدارة العلاقات الدولية. ولقد أبرزت الجائحة نقاط ضعفنا في سلاسل التوريد على سبيل المثال، وفاقمت من التفاوتات بيننا، ولجأت بلاد العالم إلى إلقاء اللوم على بعضها بعضا، وشهد توزيع اللقاحات بطئا مخجلا على البلد الأفقر، غير أن جهدا عالميا مثيرا للإعجاب بذل للتوصل إلى اللحاق وإدارته. فهل نحن في طريقنا إلى استخلاص بعض الدروس؟

كان خيرا لنا أن نسارع إلى استخلاصها، لأننا في مواجهة مزيد من الأوبئة، والمزيد من الاضطرابات العالمية، وأهمها الخطر الوجودي المتمثل في تغير المناخ. هل يمكن أن نبدأ بحسب ما اقترح ريتشارد هاس وتشارلز كوبتشان ـ في مقالة نشراها أخيرا في فورين أفيرز ـ بتحالف جديد للقوى له هدف صغير محدد هو الحفاظ على الاستقرار؟ إن العقبات جسام. والدول المارقة تتحدى رأي العالم. والخصومات الإقليمية تهدد بالتدهور إلى حروب. والزعماء الأقوياء يتصرفون كما لو أنه لن يكون لنا غدا فينصرفون عن الأضرار بعيدة المدى، فكان دونالد ترامب يخون حلفاءه ويهينهم، وبريطانيا تواصل تنفير جيرانها وكبار شركائها التجاريين.

على المرء أن يكون مفرط التفاؤل في هذه اللحظة كي يؤمن بحكومة عالمية قائمة على التعاون والقيم المشتركة. ولو أن هوبز وصحبه مصيبون فإن حالة الفوضى بين الدول هي غاية ما يمكن رجاؤه. أم ترى يحمل المستقبل أحد النماذج الأخرى؟ تحالفا للقوى العظمى على سبيل المثال، أم شيئا آخر؟ لقد كنا نحسب أن عصر الإمبراطوريات انتهى، لكن لعله كان في فترة راحة لا أكثر.

كاتبة المقال رئيسة قسم التاريخ والشؤون الدولية في كلية لندن للاقتصاد، ومؤلفة كتاب «الحرب: كيف شكَّلَنا الصراع».

نشر المقال في جارديان بتاريخ 22 نوفمبر 2021