الـهـويـات التـسـويـقيـة للـدول

26 أكتوبر 2021
26 أكتوبر 2021

يعنى علم الهويات Branding عموما بإدارة مجموع الأفكار والمشاعر التي تتكون في دواخل الجمهور تجاه أي شيء. وقد تطور هذا العلم بمرور مراحل زمنية مختلفة منذ بدايات ظهوره من مجرد ارتباطه بالمنتجات إلى الخدمات والشركات وحتى الأشخاص والمؤسسات غير الربحية بل وحتى الأديان والدول. وباختصار فإنه يمكن القول بأن ممارسات إدارة الهوية -المؤسسية أو التجارية أو التسويقية حسب ما يشيع استخدامه - يمكن أن تطبق على أي جهة وأي شخص وأي شيء طالما أن الجمهور يمكنه تشكيل الأفكار والمشاعر تجاهه.

وباعتبار ذلك فقد سعت الدول إلى الاهتمام بإدارة هوياتها التسويقية سواء كأداة لبناء قوتها الناعمة أو من أجل تحقيق فوائد مادية مثل تحفيز السياحة أو جذب الاستثمارات أو استقطاب المواهب والخبرات سعيا نحو النمو الاقتصادي وتعزيز التنافسية. بالإضافة إلى ذلك فإن من أبرز الجوانب التي يتم توظيف الهوية التسويقية للدول فيها هي تكريس المزايا التنافسية أو المطلقة Absolute Advantages إلى جانب المزايا النسبية Comparative Advantages من أجل شغل حيز معين في العقل الجمعي للجمهور بين مجموع الأفكار والمشاعر التي يكونها تجاه العديد من الدول. ويسهم في تكوين الفرد لتلك الأفكار والمشاعر بشكل أساسي عوامل مختلفة سواء عبر زيارته لتلك الدولة أو التقائه بأفراد منها أو اطلاعه على مشاريع أو سياسات تنتهجها أو معرفته بجوانب مختلفة حولها عبر مختلف وسائل التواصل والإعلام أو المنتجات التي تصدرها - سواء كانت استهلاكية أم ثقافية - أو طبيعة شعبها أو حتى السمات الشخصية لقادة الدول أو أبرز شخصياتها.

وبناء على ذلك فإن من أهم ما يمكن أن تستند إليه الدول في إدارة هوياتها التسويقية هو المستويات العالية للتحكم بمختلف نقاط التماس التي يمكن للشخص أن يتعرض إليها بما يؤثر في عملية تشكيله لتلك الأفكار والمشاعر. فعلى سبيل المثال يسهل على الكثير من الناس ربط كل ما يرد من ألمانيا سواء من منتجات أو خدمات - أو حتى أشخاص - بسمات واضحة أبرزها الدقة والمهارة العالية والإتقان والتميز الهندسي والانضباط والصرامة والتقنية، وذلك يعود إلى ما أسهمت في تكريسه بشكل كبير السيارات الألمانية مثل مرسيدس بنز وبي أم دبليو وأودي وبورشه وفولكس واجن، والمنتخب الألماني لكرة القدم طوال تاريخ اللعبة - إلى جانب أندية الدرجة الأولى - إضافة إلى القادة الألمان بدءا بهتلر وانتهاء بأنجيلا ميركل.

إن من أهم المكاسب التي يمكن للدول تحقيقها عبر الإدارة المحكمة لهوياتها التسويقية تسهيل عملية صنع القرار بالنسبة للأفراد المستهدفين من تلك العملية؛ وينطبق ذلك على السائح عندما يبدأ في التفكير بوجهته السياحية القادمة، وعلى المستثمر عندما يبحث عن وجهة استثمارية تحقق أفضل العائدات وتتمتع بالاستقرار وببيئة محفزة لممارسة الأعمال، وعلى الموهوبين الذين باختيارهم العيش في دولة ما فإنهم يسهمون في تعزيز تنافسية اقتصاد تلك الدولة عبر إثراء عنصر رأس المال البشري الذي تمتلكه تلك الدولة.

في سبيل تحقيق ذلك عكفت بريطانيا قبيل انطلاق دورة الألعاب الأولمبية الصيفية في لندن في العام 2012 على التفكير في كيفية تعظيم استفادتها من الحدث العالمي بشكل مستدام ليس فقط على مستوى الرياضة أو استضافة وتنظيم الفعاليات العالمية الكبرى التي تستقطب ملايين الزوار ومليارات المتابعين حول العالم، بل وحتى تعزيز وإثراء الهوية التسويقية للملكة المتحدة من أجل التأثير على قرارات فئات مختلفة من الجمهور المستهدف - يمكن تلخيصها كما ورد أعلاه في السياح والمستثمرين والمواهب - وكنتيجة نهائية تحقيق أقصى فائدة اقتصادية مستدامة تبدأ من استضافة الأولمبياد ولا تنتهي مع اختتامه.

وكان أن خلص المعنيون في الحكومة البريطانية إلى أهمية إطلاق حملة عالمية للتعريف بالهوية التسويقية للمملكة المتحدة حملت عنوان «بريطانيا العظمى Great Britain» وترتكز على تجسيد مفهوم أن بريطانيا عظيمة في كل شيء سواء في الاستثمار أو السياحة أو التراث أو التجارة الدولية أو الترفيه أو التعليم أو الصناعات الإبداعية أو العلاج أو الخدمات المالية وغيرها. وكان من أبرز نتائج تلك الحملة التي تضم أكثر من 20 مؤسسة حكومية بشكل دائم وأكثر من 850 شريكا من القطاع الخاص تحقيق ما يزيد على أربعة مليارات ونصف المليار جنيه استرليني تم ضخها في الاقتصاد البريطاني خلال عشر سنوات نتيجة تعزيز صادرات المملكة المتحدة المتحدة من الأطعمة والمشروبات وحتى الأفلام والموسيقى، إضافة إلى استقطاب العديد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة وصناعة الآلاف من فرص العمل. وبناء على تلك النتائج فقد أعلن بوريس جونسون رئيس الوزراء البريطاني مؤخرا عن تحديث تلك الحملة بمسمى جديد «بريطانيا العظمى وإيرلندا الشمالية Great Britain and Northern Ireland» تستهدف أكثر من 145 دولة حول العالم فيما يبدو أنه مواكبة لقرار بريطانيا الخروج من الاتحاد الأوروبي وتكريس مبدأ «بريطانيا العالمية Global Britain» الذي يعتبر أحد أهم مرتكزاتها في ضوء ذلك القرار.

وبطبيعة الحال فإن ما يحدد مدى إمكانية العمل على صياغة وترويج واستدامة الهويات التسويقية للدول وتحقيق أهدافها يتعدى مجرد وجود الرغبة الجادة في توظيف الهوية التسويقية لتحقيق المكاسب الاقتصادية ليشمل توحيد الرؤى والأولويات بين مختلف مؤسسات الدولة وإيجاد بيئة من الانسجام والتكامل تحوي مختلف الأطراف ذات العلاقة من جهات رسمية وقطاع خاص ومؤسسات إعلامية ومجتمع مدني لتبني تلك الهوية التسويقية، وفوق ذلك الإيمان بأهمية الاستثمار المادي والبشري والتقني في صناعة وترويج الهوية التسويقية بمبادئ تضمن وجود عائد على ذلك الاستثمار لتؤدي الهوية على أساسها الدور الأكبر المرجو من وجودها، وتتصل بكافة نقاط التماس من أجل الإسهام في تكوين الأفكار والمشاعر الدقيقة والصحيحة حول الدولة في العقل الجمعي للجمهور المستهدف.