الظاهر والخفي في رواية «حرير الغزالة» «3-3»

26 أكتوبر 2021
الطريق إلى البيت
26 أكتوبر 2021

يؤدي البيت في رواية «حرير الغزالة» دورا في إبراز السمات النفسية لشخصيات الرواية، ويكشف الكثير من بواطنها الخفية؛ فهو يتحول من وجوده الفيزيائي إلى ظاهرة نفسية حسب تعبير باشلار. ويتجلى ذلك بنحو لافت على أكثر من صعيد؛ ولنأخذ مثالا أول بيت البحر الواسع الذي تصف «حرير» ممراته وغرفه الكثيرة مقترنة بتفاصيل موحية، فتقول: «صمّمَ أبي بيت البحر بنفسه، في الطابق العلوي لكل واحد منا غرفة، وغرفة لجدّة أمي، التي شاخت ولكنها لم تسكن غرفتها في بيتنا قط بل فضّلت البقاء في مزرعتها في رعاية خادماتها، وغرفتان لكل من أمي وأبي، لكل منهما باب مستقل، غير أنهما متصلتان بغرفة وسطى، ينفتح عليها بابان مشتركان، الغرفة الوسطى الصغيرة لم تتسع لغير سرير خشبي مزين بالنقوش، حُفرت عليه تنانين تطير بأجنحة مزينة ببتلات اللوتس، كان السرير بمفارشه الحريرية المطرزة وتنانينه المحفورة مرفوعا بدرجات عدة عن مستوى الأرض، كنا نسميِّه ونحن أطفال «العرش» لارتفاعه وزخارفه، وعدا ذلك فلا شيء يجمع بين غرفتي والديّ في الذوق والأثاث، كما لم يجمع بينهما شيء في الحياة غير العرش والأولاد»(ص60). ليست الحالة المادية الجيدة وحدها التي يتمتع بها سكان البيت ما يكشفه هذا الوصف، ولكن العلاقات الهشّة كذلك التي يفضحها بين أفراده؛ فالبيت يحدد المسافات بينهم باتساعه وتعدّد غرفه وتباعدها، ما يعزز من حتمية وجود شخصيات أخرى من غير أفراده الأصليين أدت أدوارا شديدة الوضوح في حكاية «حرير»، وهم الخدم - ذكورا وإناثا- الذين أوردت أسماء كثير منهم في يومياتها، فإلى جانب نجيب الطباخ وأخيه كريم البستاني، تتحدث عن دور الخادمات في حفظ توازن بيت البحر. تقول متحدثة عن أمها: «وازنت سوناتي ثم لكشمي ثم جوزفين البيت على رأسها. ورقصت أمي على حافته»(ص127). يحدد البيت طريقة عيش أفراده وأسلوب حياتهم الذي ينتقل بدوره ليلازم الأجيال التالية من أفراده وإن اتخذوا لهم بيوتا غيره، ليصبح أشبه بشفرة جينية يزرعها نظام بيت الطفولة في تكوينهم الشخصي والنفسي. فها هو أسلوب تربية أم حرير لأبنائها ينتقل ليصبح أسلوب تربية «حرير» نفسها لابنها «الأيهم»، الذي سرعان ما أسلمته للخادمات يربينه ويعتنين به؛ لأن اعتناء الأم المباشر بأطفالها مما لم ترثه من أمها، ولم تعرفه في بيت البحر الكبير. تقول: «يظن زوجي أني غير حسّاسة كأمّ، لا يرى أنه من الطبيعي أن تُحمّم الخادمة الولد وتلبسه، أخبرته بأن الخادمات أطعمنني وألبسنني طوال حياتي ولم يحدث لي شيء، يردد بأنه يهتم بتفاصيل ولدنا أكثر مني، ربما هو محق. ولكن اللامبالاة هو نموذج الأمومة الوحيد الذي عايشته. ربما لا يمكنني بناء نموذج آخر»(ص162). تقدم الرواية البيت بوصفه محدد المعالم والعلاقات، فيطبعها بطابعه، ويسم شخصيات أفراده بميسمه على امتداد الزمن وتبدل الأجيال.

وفي الجهة الأخرى، يقترن البيت لدى «غزالة» بالحب؛ ويعيد إلى الأذهان مقولة باشلار من أن كل الصور الأليفة المرتبطة بالبيت في خيالنا وأحلامنا مرتبطة ببيت الطفولة، فهو جذر المكان الذي تَشكَّل فيه خيالنا ومارسنا فيه أحلام اليقظة(*). لذا ارتبط بيت الطفولة في حياة «غزالة» ببيت الأسرة البديلة الذي شكّل خيالها ومارست فيه أحلام يقظتها ولعبها بصحبة «آسية» وأمها «سعدة»، وليس بالبيت الحقيقي كما تقدم. ظل البيت في حياة «غزالة» فكرة غير مكتملة، ومشروعا غير مُنجَز ينتظر أوان التحقق باكتمال الحب غير المشروط الذي وجدته في البيت الأول ولم يتحقق بعده على الإطلاق.

باكرا جدا هربت من بيت أهلها لتتزوج من العازف، ولكنه لم يهتم بأن يمتلكا بيتا يستقران فيه أكثر من شقة آوتهما خمس سنوات قبل أن يهرب هو الآخر نحو بيته الخاص (بيت الموسيقى) الذي انتمى إليه أكثر من انتمائه لبيت أسرته الصغيرة وروتينها اليومي. نلحظ هذا الربط بين تحقق فكرة البيت بوجود الحب منذ «رغِبت غزالة في أن تأخذه بيدها وتقوده إلى البيت، ولكن البيت بدا بعيدا جدا، كان العازف مغمض العينين على نغمته يبدو في بيته الحقيقي، بيت الموسيقى، لا بيت غزالة والأولاد»(ص93). وعندما كبرت وصار لها بيتها الخاص ظلت تبحث عن البيت في قلوب الآخرين، وتسأل نفسها حتى وهي في بيتها متدثرة تحت الشراشف بين التوأم النائمَين: «متى سأصل إلى بيتي؟»(ص116). وتلح في السؤال كلما عادت إلى بيتها وحضنت التوأم: «متى سأعود إلى البيت»(ص132). فالبيت الحقيقي كما تقدمه رواية «حرير الغزالة» هو الحب؛ المكان الافتراضي الذي تتحرك فيه الشخصيات، أكثر من المكان الفيزيائي ما بين قرية ومدينة، وما بين شقة مستأجرة أو بيت مملوك. وبناء على هذه الفرضية، ظلت تلك المشاعر المفقودة هي السكن الحقيقي الجدير بالبحث عنه والوصول إليه، لذا بدت مفارقة لافتة أن تسأل غزالة: «متى سأصل إلى بيتي؟» بينما هي بين طفليها وفي بيتها الذي اشترته بأقساط بنكية.

البيت في ذهن «غزالة» مشروع ناقص. انقطع بدءًا عندما هجرت «آسية» وأبوها بيتهما في القرية، وانتقلت هي وأسرتها من البيت في «شعرات باط» إلى الخوير، وعجزت لاحقا عن زيارته أكثر من مرتين أو ثلاثا بعد أن «هدم عمُّها الحجرات ليحوّل البيت إلى دار سينما، جلب لها الكراسي والتسجيلات وما يشبه البروجكتر لعرض الأفلام على الجدار الأبيض»(ص68). أما بيت عائلتها الجديد في الخوير فلم تُطِل البقاء فيه، إذ سرعان ما هربت منه مع العازف ليقيما في شقة مستأجرة/ مؤقتة. ثم عندما انتهى بها المقام في بيت تملكه، لم تستطع الإحساس بالوصول إليه على المستوى النفسي؛ لأنه بقي خارج خارطة الحب وبيوته.

وعلى الرغم من أن الحب هو البيت الحقيقي في حياة «غزالة»، إلا أنه لا يلغي البيت/ المُكوِّن الفيزيائي ولا يعوّضه، ولا يقوم الحب/ البيت النفسي، مقام البيت الحقيقي؛ إذ نكتشف أن إحداثيات بيت الآخر قربا وبعدا تحدد مسارات حياة «غزالة»؛ فعندما جاور بيتُ عائلتها الحقيقية في القرية بيتَ العائلة البديلة، اتخذت من الثاني بيتها. وعندما انتقلت إلى المدينة، وجاور أهلُها العازفَ وأمَه في الخوير، أحبته وهربت من البيت، وقد بدا أن الجيرة اللصيقة بين السكنين وتلاشي المسافة ضمن البناية الواحدة أسهما في سرعة ارتباطها به وهي بعمر السادسة عشرة فقط.

في حين شكّل نأي بيت مغني الملكة المكاني في السويد عن بيتها في مسقط عاملا محبِطا حطّم حلم البيت بما يحمله من معاني الوصول والاستقرار والأمان. ولم تفلح رسائل الماسنجر والفيس بوك على المدى البعيد في إدامة حُمّى العلاقة بينهما، ولم ينجح بيت الحب الافتراضي في إذابة آلاف الكيلو مترات بين بيته في مالمو وبيتها في الخوير، «كان بينها وبين مغني الملكة ستة آلاف كيلو متر، وكان يمازحها بالقول إنه يحتاج إلى ألفين ومائتي ساعة فقط حتى يأتيها ماشيا على قدميه، ولكن في اللحظة التي تحس أنها تحتاجه كانت تلتقط هاتفها. هذا كل شيء: تمد يدا إلى الهاتف وتدخل بستان مغني الملكة»(ص115). ولكن البيت/ المكوّن الفيزيائي/ الوجه الثاني من فكرة الوصول، بقي عصيا على التجسد، فظلت العلاقة قائمة على الكلام وحده، على الحكايات التي يحكيانها لبعضهما البعض حتى نفدت وأصبحت مكررة، فانطفأت شرارة الحب بينهما. يقول السارد العليم: «كانا قد قالا كل شيء، وعندما بدأت الحكايات تتكرر، والنكات تُعاد، دخل الضجر»(ص90).

أما الفيل الذي كان يقطن قريبا من بيتها في محيط الخمسة كيلو مترات، فقد استشعرته أبعد من مالمو، والوصول إليه بدا لها أصعب وأشق. أحبت الفيل من جانبها، وقصُر من جانبه بسبب ظروف أسرته الصعبة، ولم تُفدها مسافة الخمسة كيلومترات في تحقيق رغبة الوصول إلى البيت. يقول السارد العليم: «أما الفيل، الذي يسكن في حدود الكيلومترات الخمسة التي تسكن فيها فكان أبعد من نجمة في السماء»(ص115). تتحدد إمكانية تحقق فكرة الوصول إلى البيت ببوصلتين متلازمتين: عاطفية، وفيزيائية، وكل واحدة منهما شرط للأخرى، وما لم تجتمعا معا فسيبقى الطريق إليه طويلا إلى ما لا نهاية، ويظل الوصول إليه حلمًا لا يتجسد.

أما «مليحة» فقد كانت فكرة البيت في ذهنها بسيطة تشبه شخصيتها البسيطة، إذ لم يكن البيت في تصورها أكثر من مكان تأوي إليه ويحميها من إهمال المحيطين بها. أقامت في القرية طالما كان لها بيت هناك وغرفة بثلاجة صغيرة تبيع منها الحلويات للأطفال. وانتقلت إلى الخوير بعدما هدم أخوها بيت القرية إثر فشل مشروعهما المشترك بتأسيس دار للسينما. يقول السارد العليم: «انقطعت غزالة عن زيارة البيت المهدَّم، وعادت العمّة مليحة مُحبطة إلى الخوير، لقد خاب أملها في النجاح في أي شيء، وقررت معاقبة العائلة»(ص69). لا يهم مليحة أن يكون البيت لها أو لغيرها. المهم أن يكون لها مكان فيه، ولا تمانع حتى أن تحل ضيفة ثقيلة في بيت لا تحب مالكيه ولا يحبونها. يقول السارد العليم عن خطة انتقامها من عائلتها، ومن غزالة تحديدا بافتعال الموت العمد: «ستجلس في عزاء عمّتها ستدرك أنها أخطأت خطأ لا يغتفر حين لم تدعُها إلى الإقامة معها في بيتها بعد طلاقها، قد غرَّر بها ذلك الزوج الفاسد ثم تركها، وهي أم وموظفة، لكنها تجاهلت رغبة عمتها في أن تقيم معها وتُعنى بطفليها، فضّلت الحضانة على حضن عمتها، فها هي ستتركهما راغمة وتأتي للعزاء»(ص167).

وتجدر ملاحظة أن فكرة البيت، على بساطتها في تصور «مليحة»، تقترن دائما بمشروع ما؛ فقد كان البيت في القرية جنتها لأنه كان حاضنا لمشروعها الصغير ببيع الحلويات لأطفال القرية، ثم كان شاهدا على ولادة مشروع أول دار سينما في قرية «شعرات باط» بالاشتراك مع أخيها، وعندما فشل المشروع وانتفى معه البيت عادت مُحبطة إلى الخوير. حتى رغبتها في الإقامة في بيت «غزالة» لم تكن مفصولة عن مشروع، وهو الاعتناء بطفليها التوأم. البيت البسيط في ذهن «مليحة» ارتبط على الدوام بالعمل، بمشروع صغير تديره في البيت/ أي بيت يضمن لها مكانا، ومهمة تشغلها كآصرة أخيرة تمنحها الإحساس بقيمتها في الحياة، وتقاوم بها إهمال الآخرين. ومن شأن هذا أن يلقي ضوءًا آخر على شخصية «مليحة» - فتاة من جيل السبعينيات لم تلتحق بمدرسة نظامية، ولم تتلقَ تعليما أكثر مما علمتها إياه المعلمة سليمة في كُتّاب القرية - وهو أنها شخصية عمليّة تؤمن بأهمية أن يكون لديها مشروع تشتغل عليه/ عمل تقوم به، حتى وإن كان وهميًّا كالاعتناء بمن أسمتهم أطفال الشوارع في القرية، من مجموعة ابنة أخيها «غزالة» وأختها بالرضاعة «آسية»، وباقي أطفال القرية.

ما يشبه الخاتمة:

لقد احتشدت رواية «حرير الغزالة» بشخصيات كثيرة تظهر وتختفي، ولكنها في حضورها وغيابها، والمُقدّم من أحوالها والمُرجأ من أخبارها على الصعيد التنبؤي لا تُفصِح عن نهاية محتملة؛ لأنه ما من حدثٍ مدوٍ في نص يسير بمجمله في خط أفقي لولا تناوب صوتي السرد بين زمنين، ولكنها الشخصيات التي تتحرك ككتل مستقلة تارة وتلتقي مع غيرها تارة أخرى، ككرات ثلج متدحرجة غير أنها لا تتعمْلق أو تنمو بالضرورة، وإنما تصطدم مع الوقت بمطبّات الحياة في بدهيتها وعاديتها، فتتفتت وتتلاشى وتبقى آثارها تدلّ عليها لعلّ قارئا يصنع منها شيئا جديدا.

وبناء عليه، تبدو رواية «حرير الغزالة» رواية مخاتلة، تُبدي في ظاهرها عملا سرديا ساكن السطح، ولكن باطنه يثور بدوّامات صغيرة وزوابع. وبقدر ما تثيره الرواية من أسئلة في ذهن القارئ، فإنها تمدّه بإجابات مُحتملة لما قد يكون تأويلا يستحضر حقيقة أنَّ ليس للنص كلمة نهائية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) راجع غاستون باشلار: جماليات المكان، ترجمة غالب هلسا، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، ط2، 1984، ص35 وما بعدها.