توصيل الطلبات.. صناعة تحتاج للتنظيم

03 أغسطس 2021
03 أغسطس 2021

أ.د. حسني محمد نصر

هل جربت مرة وأنت تستلم طلب الطعام من سائق التوصيل الذي حضر إلى باب منزلك في ساعة متأخرة من الليل أن تسأله عن حاله وظروف عمله ومدى رضاه عن هذا العمل؟ بالطبع لا.. فالغالبية العظمي منا لم تفعل ذلك، لأن العلاقة بيننا وبينه تبدو آلية تماما وأحيانا غير إنسانية على الإطلاق، فنحن متعجلون في الحصول على طلبنا، وهو متعجل في تسليمه لنا في أقصر مدة زمنية حددها له تطبيق المنصة الرقمية الذي يعمل عليه، بل أنه قد يعاقب بخفض الأجر الذي يحصل عليه إذا تجاوز حدا زمنيا ما.

هل تعلم أن هذه الصناعة الجديدة إذا جاز التعبير، وهي صناعة توصيل طلبات الطعام للمنازل، تخضع كغيرها من الصناعات التكنولوجية الجديدة لشركات التقنية الكبرى التي تطور منصات البيع والتوصيل وتديرها في مختلف دول العالم، وتحقق من خلالها أرباحا طائلة، وهي التي تحدد رسوم التوصيل، وأجر عامل التوصيل ومستحقاته، ومدة تسليم كل طلب؟قد يبدو الأمر مثيرا للاهتمام وللتساؤل عن العلاقة بين سائقي السيارات والدراجات النارية الذين يجوبون شوارع مدن العالم على مدار اليوم لنقل طلبات الزبائن من الأطعمة والمشروبات وغيرها إلى المنازل وبين شركات التكنولوجيا العملاقة؟ والإجابة ببساطة شديدة أنه ما من سيارة تتحرك لتوصيل الطلبات للمنازل إلا من خلال تطبيق على الهواتف المحمولة الذكية تمتلكه وتديره هذه الشركات، ويتضمن عملية الشراء من بداية الطلب، مرورا بطريقة سداد قيمته، ثم بقبوله من المطعم أو المحل التجاري، ثم استلامه من جانب عامل التوصيل، وحتى وصوله إلى المستهلك في المكان الذي حدده.

هل هناك مشكلة في هذا العمل؟ لقد فتحت هذه الصناعة أبواب الرزق أمام الملايين من الباحثين عن وظائف في العالم، وازدهرت بشدة خلال فترات الإغلاق الجزئي والكامل التي شهدها وما زال عدد كبير من الدول أثناء جائحة كورونا، وكانت من الآثار الجانبية الإيجابية النادرة لهذه الأزمة.

حقيقة الأمر أن هذه الصناعة خففت كثيرا حدة العزلة التي يعيشها الناس أثناء فترات الإغلاق، وأتاحت لهم الحصول على الطعام في أوقات حظر التجول، كما أنها على الجانب الآخر أسهمت في الحد من التأثيرات الاقتصادية السلبية على المطاعم ومحال البقالة. وفي دولة مثل ماليزيا تحول العديد من سائقي سيارات الأجرة إلى خدمة توصيل الطلبات، بعد حظر التجول الجزئي في البلاد، ضمن تدابير مكافحة انتشار فيروس كورونا، وبعد توقيف عمل سيارات الأجرة وبقاء المواطنين في منازلهم، واقتصار عمل المطاعم على تقديم خدماتها للبيوت، وهو ما دفع سائقي الأجرة للعمل في خدمة التوصيل عن طريق الدراجات النارية.

مشكلة هذه الصناعة تكمن في العنصر البشري الذي يتوسط العلاقة بين التطبيق الإلكتروني وبين المستهلك، وهم سائقو مركبات ودراجات التوصيل الذين أثاروا ضجة واسعة في الصين، وآتت ثمارها الأسبوع الفائت عندما قامت الحكومة الصينية باتخاذ إجراءات تنظيمية تضمن حقوق هؤلاء السائقين، وتحسن ظروف عملهم ودخولهم، وتحد في نفس الوقت من تسلط الشركات الكبيرة المالكة للتطبيقات. وقد استهدفت هذه الإجراءات شركات التكنولوجيا العملاقة.

الإجراءات الصينية جاءت بعد شكاوى كثيرة من هؤلاء العمال بأنه يتم استغلالهم، ويحصلون على أجور متدنية تنخفض أكثر عندما تستخدم الشركات الكبرى الطرق الآلية في تقييم أداء العامل. وكان عشرات من هؤلاء السائقين الذين يعملون لحساب الشركة الأكبر في هذا المجال وهي شركة «ميتوان»، قد أعلنوا في مارس الماضي الإضراب عن العمل، وتوقفوا بدراجاتهم في شوارع المدن الصينية بسبب قيام الشركة بتخفيض أجور التوصيل. وقد سبق هذا الإضراب إضرابات أخرى مماثلة، ولكن على نطاق ضيق خلال العام 2020. وفي يناير الماضي أشعل أحد السائقين النار في نفسه في مدينة «تايزهاو» احتجاجا على عدم صرف الأجور المستحقة له. وكشفت دراسة نشرت مؤخرا في دورية «أمريكان سوسيولوجيكال ريفيو» أن الطريقة التي تعامل بها منصات البيع عمال التوصيل تزيد من احتمالات حدوث اضطرابات من جانب هؤلاء العمال.

وقد استغلت الحكومة الصينية هذه الشكاوى والحوادث والإضرابات الصغيرة في إطار حملتها الواسعة التي تستهدف كبح جماح شركات التكنولوجيا الكبيرة، وإجبارها على التركيز بشكل أكبر على حقوق المستهلكين، وعمال التوصيل التي تشمل الأجر الأساسي وضمان حصول سائقي التوصيل على أجور أعلى من الحد الأدنى للأجور في البلاد، وسلامة ظروف العمل بتخفيف الضغوط التي يتعرضون لها وتفرضها عليهم هذه التطبيقات، وتوفير بيئة العمل اللائقة، وتمكينهم من الوصول إلى شبكة الضمان الاجتماعي والعمل النقابي.

ورغم أن هذه الإجراءات أدت إلى انخفاض كبير في أسهم شركات التكنولوجيا الصينية، فإنها لاقت قبولا واستحسانا من نحو ثلاثة ملايين من سائقي سيارات ودراجات التوصيل يقدمون ما يصل إلى 27 مليون طلب طعام يوميا في الصين. ومن شأنها أن تدفع دولا أخرى إلى التفكير في وضع ضوابط مشابهة، خاصة وأن ظروف عمل هؤلاء السائقين متشابهة في العالم كله تقريبا. إذ يعانون جميعا من الطبيعة المؤقتة لهذه الوظيفة، وانعدام ضمانات العمل المناسب، كالضمان الاجتماعي والتأمين في حالات الحوادث والمرض.

ويرى بعض المحللين أن الإجراءات الصينية الأخيرة المناصرة لحقوق عمال التوصيل جاءت كنوع من العقاب السياسي لشركات التكنولوجيا العملاقة التي تزداد قوة وثراءً واستقلالا عن الحكومة يومًا بعد يوم، فإن هناك من يرى أيضا أن الحكومة الصينية تريد من هذه الشركات العملاقة أن تركز جهودها على الأولويات الوطنية الكبرى في مجال التكنولوجيا، خاصة في مجالات المنافسة المحتدمة مع نظيراتها الأمريكية والأوروبية، مثل الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء وصناعة الرقائق التي تدعم الأهداف السياسية للبلاد، والتخلي عن منصات البيع على الإنترنت والهواتف الذكية للشركات الصغيرة والمتوسطة.

لا نعرف على وجه الدقة الطريقة التي تعامل بها شركات التكنولوجيا التي تمتلك وتدير تطبيقات توصيل الطلبات للمنازل في سلطنة عمان أو في غيرها من الدول العربية سائقي توصيل الطلبات، سواء هؤلاء الذين يستخدمون سيارات أو دراجات نارية، وما إذا كان هؤلاء العمال يتعرضون لما يتعرض له زملاؤهم في الصين. ما نعرفه يقينا أن الحكومات في مختلف دول العالم يجب أن تراجع السياسات المتبعة في هذه الشركات، خاصة تلك التي تتبع دولا أخرى، وما إذا كانت تحترم آدمية وحقوق هؤلاء العمال سواء كانوا من أبناء الدولة أو من المقيمين بها.

لقد سبق أن قالت وزارة النقل العُمانية في يونيو 2020 إن دخل بعض العُمانيين العاملين في مجال طلبات التوصيل وصل إلى 980 ريالاً (2545 دولاراً) شهرياً، مع ازدياد نشاط الطلبات في ظل تفشي وباء فيروس كورونا المستجد، وان «هناك نماذج من الشباب العمانيين يقومون بتوصيل من 27 إلى 33 طلباً باليوم خلال 22 يوماً من الشهر، ويفوق دخلهم الشهري 980 ريالاً (2545 دولاراً)، وبالإمكان زيادة الدخل بزيادة الطلب، كما يمكن ممارسة هذه المهنة كعمل جزئي أو إضافي».

وتشير بعض الإحصائيات إلى أن بعض المنصات الإلكترونية المصرح بها في السلطنة يصل معدل طلباتها اليومية إلى 15 ألف طلب. ولعل هذا ما يجعلنا نطالب بوضع معايير تنظيمية لعمل هذه المنصات تضمن حقوق الجميع في هذه الصناعة الجديدة والمربحة في نفس الوقت.