هوامش... ومتون : شبّاك لميعة
عبدالرزاق الربيعي
حين بلغني خبر رحيل الشاعرة لميعة عباس عمارة في سان دييجو الامريكية عن٩٢ سنة، فإن أول شيء فعلته هو إرسال تعزية إلى الصديق غيلان نجل الشاعر بدر شاكر السياب التي كانت زميلة والده في دار المعلمين العالية- كلية الآداب بجامعة بغداد، وملهمته، ومرّ ذكرها بشكل غير مباشر في شعره، أحيانًا، وباسمها الصريح، كما في قوله:
ذكرتك يا لميعة والدجى ثلج وأمطار
ولندن مات فيها الليل مات تنفس النور
رأيت شبيهة لك شعرها ظلم وأنهار
وعيناها كينبوعين في غاب من الحور
مريضًا كنت تثقل كاهلي والظّهر أحجار
عن تلك العلاقة يقول الشاعر الراحل عبدالرزاق عبدالواحد في مذكراته « أول مرة رأيت فيها بدر كانت في مستهل العام الدراسي 47/ 1948، يوم قبلت طالبًا في قسم اللغة العربية بدار المعلمين العالية ، وكان بدر طالبًا في الصف الرابع قسم اللغة الإنجليزية.. عرفتني به ابنة خالي الشاعرة لميعة عباس عمارة ، وكانت طالبة في الصف الثالث قسم اللغة العربية.. وكان بينها وبين بدر إعجاب فيه الكثير من المودة و الزهو من جانبها، وما هو أكثر من ذلك من جانب بدر ! .. ولعل تعلق بدر بلميعة بذلك الاندفاع المحموم هو الذي جعلني أثيرًا عنده ، عزيزًا عليه منذ أول أيام تعارفنا»
وخلال مشاركتها بمهرجان الخنساء للشاعرات العربيات الأول الذي أقامه النادي الثقافي، سألتها عن « وفيقة» التي يتكرّر اسمها في قصائد السياب، ومن بينها « شباك وفيقة» ببنما يرى بعض دارسي السياب أنّ (وفيقة) لا وجود لها في حياته، فأكّدت ما ذهب إليه الدارسون، وقالت « هذا صحيح، لأنه لم يذكر على الإطلاق لي اسم امرأة تدعى (وفيقة)، وعدت أسألها، ويرى البعض أنها لم تكن سوى رمز للميعة عباس عمارة، فأجابت: نعم، بدليل أنه ذكر صفات امرأة تلبس الثوب الأسود، وتقف على النهر، وصفات أخرى في قصائده تنطبق عليها، ولم يذكر اسمها الصريح، لظرف اجتماعي حال دون ذلك، رغم أنه ذكر اسمها لاحقا «عندما يئس من الحياة، فلم يعد يهتم بشيء» كما قالت، لكن نجل السياب غيلان ذكر لي وللشاعر وسام العاني في حوار مرئي أن وفيقة شخصية حقيقية، وهي واحدة من أقارب السياب، وعن علاقة السياب بالشاعرة لميعة ذكر أنها لم تستمر بسبب الاختلاف الديني، والسياسي. بينهما، لكنني أرى استنادًا لرواية «غيلان» فربما اتخذ السيّاب من اسم «وفيقة» قناعا، يبثّ من خلاله لواعجه للميعة، وقد يكون هذا الوله بلميعة أضرّها كشاعرة أكثر مما خدمها، وقد سمعت من شاعر كبير أن السياب كان وراء كتابتها للشعر رغم أن الشعر هو من جمعها بالسياب، وأن ألقها الشعري بقي في صعود حتى بعد وفاة السياب عام١٩٦٤، وقد كتب واحد من الشعراء والنقاد « إنّ ما جعل للميعة شهرتها ( المتأخرة ) هو الشاعر بدر شاكر السياب، وشغفه بها وتغنيه بحبه إياها، فضلًا عن نشاطها الاجتماعي . وقد علت هذه الشهرة أيام مرض السياب وبعد وفاته»، علما بأن لميعة حتى رحيلها لم تتبوأ موقعًا وظيفيًا، ولم تنخرط في نشاط اجتماعي سوى تلبيتها - وفق ما يسمح به وضعها الصحّي- لعدد قليل من الدعوات التي تصل إليها لإحياء أمسيات شعرية، ومشاركات في مهرجانات، وقد أمضت أكثر من أربعة عقود في أمريكا
ولم تمارس نشاطًا سياسيًا، يكون بمثابة رافعة، تعلي مقامها الشعري، وهو مقام دلت عليه قصائدها التي تميزت بحس أنثوي، نادرًا ما نجده في قصائد الشاعرات:
لو أنبأني العراف ...
أن حبيبي في الليل الثلجي
سيأتيني بيديه الشمس
لم تجمد رئتاي
ولم تكبر في عيني هموم الأمس
وتقوم نصوصها على تحويل التفاصيل العادية إلى شعر، كما في نصّها الذي (شاكست) به الشاعر محمود درويش:
أزح يا حبيبي نظارتيك قليلًا لأُمعن فيك النظر
فما لونُ عينيك؟
هل للغروب تميلان ..أم لاخضرار الشجر؟
أُحبهما، تتعرى النجومُ
بغير سحابٍ أريد القمر
فو اللهِ من أجل عينيك محمودُ
أصبحت.. أعشق قصر البصر!!
وإذا كان شباك وفيقة المطل على ساحة الحداثة الشعرية، فشباك لميعة يبقى مفتوحًا على ضوء الحياة، والشعر، والجمال.
