ربات منازل لـ«عمان»: الأم قوام الأسرة ولاعب أساسي في ملعب الحياة
عندما نقارن ربة المنزل بصاحبات مهن أخرى مثل الطبيبة والممرضة والمحامية والمهندسة فإن وظيفة ربة البيت هي الأكثر مسؤولية، فصاحبات تلك المهن تكون لديهن أعمال وأعباء لوظائفهن ضمن ساعات محدودة فقط، ويأخذن أجورا واستحقاقات مالية، وتتمكن الموظفة من إنهاء مسؤولياتها وضغوطها العملية بعد مغادرتها مقر عملها، على العكس تمامًا من ربات المنازل اللاتي يقمن بأعمال ليس لها ساعات محددة تنتهي بها، حيث تعمل على مدار الساعة، وتقوم ربة المنزل بتنفيذ قائمة أعمال ومهام لا حصر لها، ويجب على ربة المنزل أن تكون لديها خبرة واسعة في إدارة شؤون المنزل وتربية الأبناء ومتابعة صحتهم النفسية والجسدية ومراقبة سلوكهم وتحصيلهم العلمي.
استوقفني في كتابة هذا الموضوع مسيرة حياة «امرأة عمانية» اسمها فاطمة تبلغ من العمر 57 عامًا، وظيفتها منذ أن تزوجت هي تربية أبنائها وبناتها، قضت حياتها في تسخير كافة الإمكانيات التي تساعدها في تربيتهم بالتعاون مع زوجها الذي يعمل بعيدًا عن المنزل بمسافة مئات الكيلومترات لكي يوفر سبل العيش لهم، عاصرت فاطمة الماضي والحاضر وواجهت الكثير من الصعاب، وانتقلت نقلة نوعية في حياتها وسجلت نجاحات متتالية ترويها قصص أبنائها وتقلدهم مناصب مختلفة في عدد من المؤسسات الحكومية والخاصة.
كانت فاطمة تسهر الليالي لأبنائها أحدهم يدرس والآخر تجلس بجانبه وهو مريض والآخر نائم، كانت تحاول أن تكون لهم الأم والأب والصديق في الوقت نفسه، مهتمة بشؤون منزلها وبجيرانها، ومن أولوياتها الاهتمام بصحة أبنائها والحرص على تغذيتهم السليمة والاهتمام بأخلاقهم ودراستهم، درس أبناؤها في جامعات وكليات محلية وآخرون حصلوا على بعثات دولية في المملكة المتحدة البريطانية، والآن جميع أبنائها يتقلدون مناصب مختلفة في الهندسة وتقنية المعلومات والقانون والتربية والتعليم، وجميعهم متزوجون ويروون قصص حياتهم لأبنائهم، لأخذ الدروس المستفادة منها.
وتقول فاطمة: «أعي تمامًا صعوبة الحياة في هذه الأيام على ربات المنازل، فوسائل التواصل الاجتماعي سلاح ذو حدين، ويجب على كل أم مراقبة أبنائها ولا تغفل عنهم، والأم نراها تعمل خارج المنزل وداخله وبذلك تعتبر موظفة 24 ساعة، ولذلك يجب أن تقسم وقتها بين العمل وأسرتها، حتى تعطي الجميع حقه.»
شريك مهم
المرأة شريك مهم ولاعب أساسي في ملعب الحياة، وتعد نصف المجتمع وتقوم بتنشئة النصف الآخر، فهي الزوجة والمربية والمعلمة والممرضة والأم التي ترعى شؤون الأسرة والأبناء وتهتم بشؤون بيتها وهي أيضًا تجد نفسها مسؤولة أحيانًا عن تدبير الموارد المادية اللازمة للأسرة سواء لغياب الزوج أو لارتفاع تكاليف الحياة ومصاريف الأبناء. فالأم هي قوام الأسرة، فلا يمكن لأسرة أن تستقر إلا بوجود أم واعية محبة لبيتها وزوجها وأولادها، وحتى يتحقق ذلك، فعلى الأم أن ترعى بيتها جيدًا وتحافظ عليه وعلى زوجها.
وتواصلت «عمان» مع عدد من ربات المنازل تقول فتية بنت علي الكندية «الحمدلله على نعمة الصحة وعلى ما رزقنا الله من نعمة الأبناء، فهم نعمة من رب العالمين وأمانة في أعناقنا، ليس من السهل تربيتهم ولكن السيطرة على الضغوطات النفسية والعوائق وتوفير الأمان لهم والدعاء لهم أن يسهل الله أمور حياتهم.»
وأضافت الكندية: «واجهتني بعض التحديات وبفضل الله تخطيت المحنة، حيث رزقني الله من الأبناء من فئة ذوي الإعاقة السمعية ما جعل المسؤولية مضاعفة، كما أن حصولهم على العلاج والفحوصات الطبية يتطلب مني الذهاب بشكل دوري إلى المستشفى وهذا بحد ذاته يتطلب وقتا وجهدا». موضحة أنه سابقا كانت هواياتها القراءة وخياطة الكمة العمانية لكن مع ازدياد المسؤوليات الوقت لا يسعف لكل شيء، أستمتع الآن بالاستماع إلى المحاضرات الدينية والتربوية».
وأوضحت الكندية قائلة: «أنهيت تعليمي في مرحلة الثانوية لظروف الحياة الزوجية، لكنني كرست وقتي لرعاية أبنائي وتربيتهم، وأرى في أبنائي انعكاسا لكل الإنجازات التي لطالما رغبت بتحقيقها، فكل تطور فكري أو مهاري أو إنجاز لأبنائي أشعر أنه إنجاز حقيقي، والتحق أبنائي بالجامعات والكليات وبتخصصات مختلفة ولكن لم يكتب الله لهم النصيب بالتوظيف وعسى أن يرزقهم ربي ما يتمنونه.»
إرادة وثقة
من جهتها، تقول حنان السليمية: «التربية تحتاج لجهد كبير فكنت معهم مثل أختهم أتحدث معهم دائمًا حتى إذا أردت أن أوصل لهم معلومة معينة تفيدهم حاضرًا ومستقبلًا أحكي لهم القصص لتنغرس في ذاكرتهم، ولا توجد هناك عوامل معينة فقط كنتُ أتذكر ما تفعله أمي معي أنا وإخوتي عندما كنا صغارًا وأحاول أن أربيهم نفس ما رباني عليه والديّ من قيم وأخلاق، والتحديات لا تخلو من حياتنا ولكن بقوة الإرادة والثقة الكبيرة بالله تعالى تغلبت على كل عائق.» مضيفة: إن تنظيم الوقت أهم أولوياتي في أعمال المنزل له وقت معين وهو وقت الصباح أما تربية الأبناء فيأخذ معظم الوقت.
وأوضحت :بعض التحديات التي أواجهها منها تعليم الأبناء لأني أعاني من ضغط كبير بين دراستهم وأعمال المنزل الأخرى، وهوايتي هي التصميم وأقوم بممارستها وقت الفراغ، ولله الحمد استطعت أن اجعل منهم أبناء موفقين في دراستهم ويرجع السبب الذي ساعدني على ذلك هو حبهم للعلم ورغبتهم الشديدة في الوصول إلى القمة.
مسؤولية كبيرة
وقالت رخية التوبية: «إن تربية الأبناء مسؤولية كبيرة جدًا، وليست سهلة إطلاقًا ولكن في جيل أبنائي كانت الحياة مختلفة، حيث إن الأطفال بعيدون كل البعد عن الأجهزة الالكترونية وبرامج التواصل الاجتماعي، وركزت كثيرًا على توفير بيئة صحية ونظيفة ماديًا ومعنويًا.» مضيفة: «أنا امرأة متعلمة ومثقفة والحمد لله وكانت نشاطاتي وهواياتي البسيطة مكسب رزق بالنسبة لي لتلبية احتياجات أبنائي وقضاء وقت فراغي في أشياء أحبها، واستمتع فيها كالخياطة والتطريز، وأكبر تحد واجهني هو أنني المربي الوحيد لهم، حيث إن أباهم توفي وهم في مرحلة عمرية صغيرة، وهذا أخذ مني مجهودًا ماديًا ونفسيًا كبيرًا، ولكن الحمد لله مرت السنون وتحسنت الأحوال والآن أشعر براحة نفسية كبيرة وهم يكملون مشوار الحياة بأنفسهم ويبنون مستقبلهم على أسس سليمة».
وعبرت عن فخرها بأبنائها قائلة: «أبنائي تخرجوا من جامعات وكليات مختلفة ولديهم طاقة إيجابية في التفكير للمستقبل والتخطيط للاكتفاء الذاتي عن طريق المشاريع التجارية الصغيرة» متمنية التوفيق لهم في كل خطواتهم.
واختتمت رخية حديثها: إن «ربة المنزل هي أساس الأسرة، هي المعلم والمربي والقدوة في كل تفاصيل حياة الأبناء فهي مسؤوله عن كل تصرفاتها وألفاظها وسلوكها أمام أبنائها.»
سند وفخر
وتحدثنا زكية بنت سالم الحضرمية «الحمد لله أفتخر بكوني ربة منزل لخمسة أبناء من الذكور، سخرت كافة وقتي لربي ولهم، فقد توفي زوجي، وهم في سن صغير في الصفوف المدرسية الابتدائية وبعضهم لم يلتحق بالمدرسة، وكنت جاهدة في تربيتهم والوقوف بجانبهم حتى يكونوا السند لي عند الكبر، واليوم أفتخر بهم لشغلهم وظائف في مختلف المؤسسات الحكومية والخاصة.» موضحة أن حياتها لم تخلُ من المطبات والصعاب وخاصة منزلها البعيد عن أهلها والحياة ملهاة والكل منشغل بحياته.
وأضافت زكية: «الآن أصبحت كبيرة في السن ولا أستطيع الخروج من المنزل، ولم يتركوني أسكن وحيدة في المنزل، فقد رزقهم الله بزوجات يعتبرني أمهن، والجميع حولي وأرى أحفادي يكبرون أمام عيني، وكل يوم يمر عليَّ أحمد الله كثيرًا على النعم التي وهبني إياها.»
