ثقافة

شناص في نصوص عبدالعزيز الفارسي

18 أبريل 2022
المرجعية في الأدب العماني (3)
18 أبريل 2022

(إلى روح عبدالعزيز الفارسي).

تستحمُ في الضياء المقدس

بحرها نمنمة شكر متوقدة

جبالها توحشٌ نبيذيٌّ شهي

يتطاول في المدى الوهاج

ومن خشوع وديانها

تصعد الصلوات

شعاعاً في زهرة

أكاسيا شعرية...

جهاتها بوصلة إيقاع خفي

تُشير إلى القلب مباشرة.

هكذا وصف الشاعر علي المخمري ولاية شناص، ومثله وصفها الشعراء حسن المطروشي وأحمد السعدي وآخرون، متّخذين منها أنموذجاً شعرياً جمالياً بالغ التعبير، وللشعراء أدواتهم في التعبير عنها، وجعلها قيمة فنية في الشعر، لكن ماذا عن السرد؟ إنّ شناص أيقونةٌ مكانيةٌ في نصوص عبدالعزيز الفارسي السردية، ومرجعية مكانية استند عليها القاص في بناء نصوصه وإظهار حكاياتها المتداولة بين أهلها، ففي مجموعتيه (الصندوق الرمادي) الصادرة عن دار الانتشار العربي عام 2012، و (رجل الشرفة؛ صياد السحب) الصادرة عن مجلة نزوى عام 2016، نجد عبدالعزيز الفارسي يستند على المكان «الشناصي» في بناء نصه السردي، واستلهام الحكايات الشعبية وحكايات القرى البسيطة وحكايات الناس فيها، وتقديمها إلى القارئ بلغة حكائية بسيطة، وسردٍ غير موغلٍ في اشتغالات اللغة.

لقد أوجد عبدالعزيز الفارسي تماهياً بين الواقع المكاني وبين الأحداث والشخصيات المتخيلة وبين اللغة البسيطة الساخرة؛ ففي قصة (الصندوق الرمادي) اشتغل على هذا المزج بين عناصر السرد، فالأمكنة الواقعية مثل: مسجد الشيخ الخصيبي ومطعم ألطاف ومكتبة دار الآداب ومحل الذهب المقابل لمطعم ألطاف امتزجت جميعها بحدثٍ واقعي هو تركيب الصناديق الرمادية/ الرادارات، وتقاطعت مع شخصيات متخيّلة لصنع حكاية امتدّت حواراتها وصراع شخصياتها لحلّ لغز هذا الصندوق المثبّت على الشارع العام، وعليه انتقلت الأحداث بشخوصها وزمنها عبر أمكنة مختلفة ابتداء من الشارع المقابل لمسجد الخصيبي في سور العبري إلى مطعم ألطاف، وانتقلت معها الشخصيات، وتفاعلت، وبرز تبريرها للحدث الرئيس طوال القصة.

لم تكن شناص في هذا النص أو في غيره إلا صورة للذاكرة الممتدة في عمق المخيلة لكاتب عاشها سنوات من عمره، وأراد لها أن تكون مرجعاً يُبنى عليه النص القصصي، وهنا يظهر التعالق بين السرد والذاكرة ليُشكّلا معاً سرداً مكانياً أو سيرة مكانية؛ ففي قصة (مطر صباحي) تقترب القصة من سرديات السيرة المكانية؛ إذ يُحوّل القاص ذاكرته البعيدة إلى نص سرديٍ قائم على تفاعلات المكان والزمان والشخصيات والحدث الرئيس حين يعود بنا إلى مدرسة سعد بن أبي وقاص في شناص، وإذ ترتبط المدرسة بذاكرة التعليم فإنها تقترن أيضا بدلالات الحياة الاجتماعية في تلك الفترة. إنّ ارتباط الذاكرة بالمدرسة والمطر وامتلاء السباخ القريبة بالطين شكّل لديه نصّاً سردياً وثَّقَ من خلاله سيرة المكان والذاكرة والحياة الاجتماعية والإنسان العماني.

إنّ عبدالعزيز الفارسي في نصوصه «الشناصية» مثل: (المطوّع، ورمّانة، وما سمعت أذان الملايكة؟، والصندوق الرمادي، وعيسى عدوّ الصليب، وصمّام الشيخ، ومطر صباحي، والسترة) قدّمَ ملمحاً عن فكرة الثقافة الشعبية، ومرجعاً أقرب إلى الواقع، وأحالنا على تشكّلات المكان وتشكّلات الحياة. لقد عمل على استنطاق المكان وحفظ ثقافته وتخيلات شخصياته وحياتهم البسيطة، فحوادث المساجد وما يقع فيها، واجتماعات الناس في المطاعم والمقاهي، وارتباط الناس بشيوخهم، والحوادث المجتمعية في الواقع صارت جزءاً من نص قصصي، وهُويةٍ اجتماعية استعارها في نصوصه لصنع نصٍ متخيّلٍ يحاكي الواقع الاجتماعي.

إنّ المتأمل في نصوص عبدالعزيز لا سيما في المجموعتين المذكورتين يجد إضافة إلى الاشتغال على المكان الواقعي ومحاولة تشكيله وفق صورة مرتبطة بالمتخيل الشعبي يجد أنّ الشخصيات تتعدّد بتعدُّدِ طبائعها، فمن الشيخ إلى الإنسان البسيط إلى المجنون إلى الإمام والمطوّع إلى المرأة إلى العامل الآسيوي إلى الشخص الماجن، وتظهر معها صراعات مختلفة في الآراء والطبائع والسلوكيات، وعليه ينبني كلُّ نصٍ وفق الرؤية المتخيلة لها. نلمح هذا الصراع في تباين الشخصيات في قصتي (صمّام الشيخ، والصندوق الرمادي) اللتين تظهر فيهما السمات الداخلية لكل شخصية، فكل شخصية تعيش عالمها السردي وتحاول تفعيل دورها بناءً على سماتها وطبائعها، فنجد مثلا أثر شخصيات مثل: أبو الخصور «الكذّاب رقم واحد في شناص»، وحمدان أبو الهويل مدّعي الثقافة في شناص، في تمدّد نص (الصندوق الرمادي) واستطالة أحداثه في محاولة الوصول إلى نتيجة تفك شفرة الصناديق الرمادية، متخذين من طبائعهم المجتمعية أداة لإعادة تشكيل النص القصصي.

نجد أيضا أنّ هناك شخصيات تتكرّر مثلما تتكرّر الأمكنة من قصة إلى أخرى، ومن مجموعة إلى ثانية، فشخصيات مثل (أبو الخصور، وعبيد بن راشد، ومنصور الخبيل، وحميد بن سنجور، وسعدون بن خليفة، وحمدان أبو الهويل، وعلوان الشرنشح، وألطاف، تكرَّرت في مجموعة (الصندوق الرمادي) في غير نص منها، كما نجد بعضها يتكرّر في مجموعة (رجل الشرفة، صياد السحب) بالتحديد في قصة (مطر صباحي)، وعلى الأغلب إنها شخصيات مهمة في تشكيل سرد عبدالعزيز الفارسي وتفرُّد الحبكة القصصية لديه، فنجده يفتتح قصة (مطر صباحي) بمنصور الخبيل ومشهد جلوسه في مطعم ألطاف كأيقونة دالة على ثبات شخصيات سرده، ثم ينتقل بعد ذلك إلى سرد حكايته انطلاقاً من مدرسة سعد بن أبي وقاص إلى السيح حيث منزلهم الكائن هناك.

أمران آخران نلحظهما في مجموعتي عبدالعزيز الفارسي:

أولهما: إنّ اللغة الساخرة ساعدت على تشكّل الدلالات بتقاطعها مع اللغة المحكية أحيانا، وتمثّلات الحوارات المباشرة التي أظهرت المضمرات الداخلية للشخصيات. لقد اشتغل الفارسي على هذه اللغة بإظهار المخبوءات أحيانا وإن كانت ساخرة في تكوينها الدلالي، فإنها لغة بسيطة في التركيب تنزل إلى مستوى القارئ الذي يدرك أن الشخصيات في مجملها تدور في محيطها القروي الشعبي، تحملُ حيزاً تعليمياً بسيطاً. في قصة (رمّانة) تتدخل اللغة الساخرة في تحريك النص لحظة السرد أو بالعودة إلى الماضي، لكن اللغة تُضمر في داخلها أنساقاً يمكن كشفها في جُملِ رئيسة داخل النص، يقول: «كان يسرح في ذكرياتهما الجميلة على البحر، ويتحسّر على امتزاج أصل رمّانة بالسود عند الجد الرابع. رجل واحد تزوّج امرأة سوداء في تلك العائلة... رجل واحد فقط أحب وجرى خلف قلبه، ولم يفلح كل نسله من بعده في محو تلك الوصمة عن جباههم». (الصندوق الرمادي، ص19). إنها اللغة حين تمضي في انفعالها، ومعها يعيد عبدالعزيز استخدام السخرية المبطّنة في جملة رئيسة أخرى، فيقول في قصة (صمّام الشيخ) على لسان عبيد بن راشد: «اليوم الظهر يوم كنّا في المستشفى السلطاني قالوا له هالكلام، ولازم يغيّر الصمّام بأسرع وقت.. وإلا ترانا بنعيش بلا شيخ». (الصندوق الرمادي، ص59) إنها جملة نسقية تهكمية، تتناول الواقع الذي يعيشه المجتمع في اتصال الناس بشيوخهم، فتتفاعل اللغة الساخرة هنا مع غيرها من العناصر مُضمرةً أنساقاً مجتمعية، وهو اشتغالٌ استخدمه عبدالعزيز في غير موضع من قصصه.

الأمر الثاني الذي نلحظه في مجموعتيه اشتغال عبدالعزيز الفارسي على الهوامش في تعزيز قصصه؛ إنّ الهوامش نصوص أخرى مُشاركة للنص الرئيس في أداء الوظيفة السردية، وتظهر هذه الهوامش جليةً في أداء وظيفتها السردية في نصوص (رمّانة، والصندوق الرمادي، وصمّام الشيخ، والنقطة). إنّ الهوامش في أصلها نصوص قصصية أُلحقت بالقصة الرئيسة إمّا لتوضيح فكرة أو مقطع أو استدراكٍ على موضوع سابق، ويحاول من خلال الهوامش تثبيت ما يمكن تثبيته من آراء، لا سيما حين يبدأ أحد هوامشه بقوله: «حدّثتني عمتي عن سندية عن رحّوم البيرق قالت: راح خميسوه الأغبر سوق الإيرانية بالفجيرة، واشترى درزن أكواب حق الشاهي بعشرة دراهم...». (الصندوق الرمادي، ص17)، فإنّ في هذه القصة استدراكاً على القصة الرئيسة بإظهار مدى حب فرّشانة لخميسوه الأغبر في القصة. وفي قصة (الصندوق الرمادي) تنكشف الهوامش على بواطن الشخصيات، فيحاول إظهار الصفات الداخلية أو إبراز الشخصيات للقارئ بسرد قصص لهم، ففي الهامش (ص:38) يُظهر شخصية «أبو الخصور» وأنه الكذاب رقم واحد في شناص، مبيناً للقارئ علاقة ذلك بالشخصية في القصة، والأمر نفسه في الهامش (ص:41) حين يتناول شخصية «حمدان أبو الهويل».

وفي هامش قصة (النقطة، ص:65) بمجموعة (رجل الشرفة؛ صياد السحب) أقام هامشاً يسردُ فيه قصة خليفة مبارك العبري سرداً معبراً عن لحظات مهمة في حياة هذه الشخصية دون أن يكون للهامش متنٌ يستند عليه، فقد اكتفى بعنوان (النقطة) للمتن الذي يبني عليه قصته/ هامشه دون أن يكون هناك نص في المتن.

إنّ الهوامش عند عبدالعزيز نصوصٌ مُشاركة في تقاطعات الأحداث وسيرها، إنها نصوص موجزة تعيد ترتيب الحكاية «الشناصية» في لحظتها، لذا فإنّ في قراءتها بُعداً ثقافياً ينطلق منه التشكيل السردي، وعليه فإننا نجدها قد كُتبت باللغة ذاتها التي كُتب بها المتن.

إنّ شناص عند عبدالعزيز الفارسي أنموذجٌ للمكان القروي المتخيّل في عالم الكتابة، فقد أسس عبدالعزيز لهذا المكان في تخيلات الكتابة لديه، وجعلها صورة متضمنة لتاريخ المكان «الشناصي»، لعلنا نقاربها شيئاً ما بحضور القاهرة عند نجيب محفوظ من خلال رصد حكاياتها وأمكنتها.

والآن، هل يمكن تخيّل شناص بدون سرديات عبدالعزيز الفارسي لها؟

رحم الله عبدالعزيز.

خالد المعمري: شاعر وباحث في مجال السرديات