"توحش".. فيروس يفسد ليلية زفاف حبيبين ويصنع جدارًا عازلًا لسنوات!
منذ عدة أشهر أعلنت فرقة الشفق المسرحية عن أول مهرجان تنظمه، لتبدأ بعد ذلك العمل الجاد حتى حانت لحظة الصفر بعد العد التنازلي، لتنطلق مساء أمس الخميس أولى ليالي "مهرجان الشفق التجريبي" بمعية فرقة مسرح اللبان، التي قدمت عرضها المسرحي "توحش" من تأليف الكاتب العراقي علي الزيدي، وسينوغرافيا وإخراج سامي البوسعيدي، وبطولة كل من الفنانين زاهر السلامي، وبسمة الوهيبية، وجهاد البلوشي، وإبراهيم الطارشي، وجاسم الصبحي.
واستمر العرض حوالي 40 دقيقة، جذبت انتباه كل من الجمهور الحاضر، ولجنة التحكيم المكوَّنة من الدكتورة آمنة الربيع، رئيسةً للجنة، والدكتور مدحت الكاشف من مصر، والدكتور عمر الرويضي من المغرب، والفنان عقباوي الشيخ من الجزائر.
وتناولت المسرحية حكاية رسمها المؤلف بخيال واسع، تدور حول جائحة كورونا، إذ تصوَّر المؤلف أنها جائحة تقطع الوصل، وتحول الإنسان إلى رهينة للخوف والعزلة والموت والضغط المجتمعي لسنوات تنخر في الروح وتقتل الطاقة الإيجابية لتسود الطاقة السلبية وينحر الأمل تارةً تارة.
لعب دور البطولة زاهر السلامي، الذي كان بطلًا حقيقيًا في العرض، استطاع أن يتفوق على نفسه ويقدم مستوى لافتًا أداءً صوتيًا وسلامةً لغوية وقدرةً جسدية، اجتمعت كلها في شخصية الزوج لينقل لنا معاناته الكبيرة، فهو الزوج المحمَّل بمسؤولية مجتمعية أن ينجز مهمته في ليلة الزواج، ليخرج على جماعته حاملًا بيده القماش الموقَّع بالدليل القاطع، إلا أن القماش لا يزال رغم السنوات ناصع البياض، في حين اسودت ملابسه التي لم ينزعها من يوم الزفاف، وظلت باقية على جسده لأكثر من 7 سنوات.
عاش تلك السنوات تحت ظل الضغوط، يُكلم والده كل يوم، والده الذي يضغط عليه بأنه "الديك" الذي بيده السلطة، وعليه أن ينفذ مهمته رغمًا عن زوجته التي ترفض أن يقترب منها رغم حبها له، يعيشان في غرفة يفصلهما جدار.
أما الزوجة، لعبت دورها بسمة الوهيبية، التي كانت مفاجأة في الأداء والوقوف والقدرة الهائلة على تقمص الدور، فكذلك تعيش ذات الصراع، تحب زوجها لكنها تخاف الفيروس، ذلك الفيروس الذي بلغ صداه للجمهور من خلال أصوات نباح الكلاب، تحدث والدتها التي تنصحها بالابتعاد، وأن تحمل أسلحتها البسيطة والخطيرة لتحمي نفسها من زوجها، تهدده بالحذاء الأبيض، وبالسكينة التي أبقتها تحت وسادتها، ليعيش الاثنان سبع سنوات دون اقتراب.
مرت السنوات، توفي أب الزوج، فظل يستذكر نصائح والده متألمًا برحيله قبل أن يبشره بنجاح المهمة، كما توفيت والدة الزوجة، وهي كذلك تعود بالذكرى نحو صوت أمها الخائف عليها، وطوال تلك السنوات، كانت تدخل شخصية الدكتور، الذي أداه جهاد البلوشي، إلى غرفة الزوجية، مؤكدًا على خطورة الفيروس، وضرورة عدم اقتراب الزوجين من بعضهما حتى تظهر نتائج التحليل، وكأن الخلاص بيده، والأمل معلقٌ بقراره الذي لم يظهر في العمل بقرار مباشر، إنما من خلال هدم الجدار الفاصل بين الزوجين ولكن بعد سنوات طويلة، كانت شخصية الدكتور متقنة بشكل لافت، إذ لم يجسد فقط دور طبيب، فقد كان كذلك سلطة قمعية وقوة قهرية بملامحه التي تخبء ورائها فساده الداخلي وحبه في التلاعب بالأخرين.
استطاع مخرج العمل سامي البوسعيدي، والمعروف فنيًا بـ "سامي شاكا"، أن يبدع في لعبة المشهد، مستعملًا ديكورا متحركًا بالمحور، إذ دارت الحياة بين الزوجين بدلالة دوران المسرح، تارة نحو المستقبل، وتارة نحو الماضي، وقد وظف سامي تقنيات عديدة للوصول إلى التأثير على المشاهد، فالجرس الذي يحمله الدكتور هو الخط الفاصل بين المونولوج والحوار المباشر، ليدخل الزوج في حديث الذات الذي يكشف عن توحش داخلي لا يظهر أمام الزوجة، والانتقال بين المونولوج والواقع معزز بلعبة الإضاءة التي عززت من حرارة الشعور الداخلي لدى كل من الزوج والزوجة، ما يعمق الصراع بين الطيبة والخوف على مشاعر الآخر، وبين الرغبة والقهر الذي يسكن المرء ولا يستطيع البوح به، كما استطاع المخرج أن يوظف محرّكي الديكور في العمل، فلم يكونا فقط مجرد اثنين لتحريك الديكور، بل كانوا سلطة خفية يقودهما الدكتور بقراراته الصارمة والسارية على الجميع، فكانوا أعوانه، تجدهم أحيانًا بدور الرقيب، وتجدهم أحيانًا وحوشًا بحركاتهم الجسدية الغريبة الأقرب إلى "الزومبي"، ما عزز من فكرة سيطرة الفيروس على البشرية التي عاشت في أجواء شيطانية فيروسية قادرة على إظلام الحياة.
رغم التراجيدية المسيطرة على العمل، استطاع المخرج توظيف مهارات الفنانين في كسر حدة السوداوية في أكثر من موضع، منها في ردات الفعل المفاجئة، والسخرية من الوضع الراهن، وانتقال الحوار بين الزوجين من الوجوه إلى الأرجل، وكأن وسائل التواصل كلها نفدت، وغيرها من المواضع.
هُدِمَ الجدار في النهاية، ولكن هل تعود الحياة كما كانت؟ وهل يبقى الحب كما كان عند الشرارة الأولى؟ وهل يمكن للإنسان أن يبدأ من جديد بعدما تهدم داخليًا؟ تلك أسئلة أثارها العرض المسرحي في افتتاحية المهرجان.
شارك في العمل خلف الكواليس إلى جانب المخرج والمؤلف كل من مرشد اليعربي مساعدًا للمخرج، وماهر السعدي مديرًا للخشبة، ونعيم الصبحي مصممًا للموسيقى، وسلطان العجمي مصممًا للديكور، ولؤي الغاربي مديرًا للعرض، وإبراهيم البطاشي مسؤولًا إعلاميًا.
جدلية "التجريب"
وفي الجلسة التعقيبية التي أدارها المسرحي عبدالملك الأغداني وتحدث فيها الفنان خليل البلوشي والمخرج سامي شاكا، عقب العرض المسرحي "توحّش" انفتح النقاش على جدلية واسعة حول مفهوم المسرح التجريبي وحدوده. وقد أثارت الجلسة التعقيبية تساؤلات حول ماهية التجريب، وهل يُقصد به خوض تجربة جديدة للمخرج على المستوى الشخصي، أم تقديم مقاربة مسرحية مغايرة ومختلفة عن المدارس المسرحية المعروفة.
وتوقّف خليل البلوشي عند العلاقة بين النص والعرض، معتبرًا أن التجريب لا يكتفي بتقديم النص بصريًا أو أدائيًا، بل يفترض الانزياح عنه، وكسر إطاره، والذهاب إلى مقاربات مغايرة في التعبير، مع الإشادة بأداء الممثلين وباشتغال المخرج على عناصر مثل حركة الديكور، والدوران الزمني، وبناء الفرجة البصرية، رغم ملاحظته سيطرة السوداوية على العرض ودعوته إلى توظيف الكوميديا بوصفها وسيلة لمواجهة المأساة لا نقيضًا لها.
وتنوّعت مداخلات الحضور بين الحديث عن جرأة التجربة وأداء الممثلين، ولا سيما على مستوى اللغة الجسدية والإلقاء، وبين ملاحظات تناولت توصيف العرض بوصفه تجريبيًا، إذ رأى بعض المتداخلين أن عددا من أدوات العرض، مثل حركة الديكور الدائري، وبناء المشاهد، وكسر الإيهام، سبق توظيفها في عروض عربية أخرى، ما يفتح السؤال حول الفرق بين التجريب بوصفه تجربة شخصية للمخرج، والابتكار بوصفه تقديمًا لما لم يُشاهد من قبل. كما توقفت بعض الآراء عند حضور الكوميديا داخل العرض، معتبرة أنها أسهمت في كسر حدة السوداوية والتخفيف من قتامة النص، بينما ذهب آخرون إلى أن العرض حافظ على مناخ عبثي سوداوي يتسق مع رؤيته العامة ومعالجة موضوعه.
وشهدت الجلسة كذلك نقاشًا حول علاقة الجمهور بالمسرح التجريبي، وحدود تقبله لمفاهيم الخروج عن المألوف، ودور التدريب والبحث في إيصال الفكرة المسرحية، إضافة إلى التأكيد على أهمية استمرار مثل هذه التجارب بوصفها مختبرًا مفتوحًا للأسئلة والاختلاف، لا مساحة للإجابات الجاهزة.
وفي ختام الجلسة، أوضح المخرج سامي شاكا قائلا إن مقاربته للعمل انطلقت من مفهوم "الخوف" بوصفه حالة إنسانية يومية، سعى إلى تجسيدها عبر الأداء التمثيلي وكسر بعض القواعد المألوفة في الإلقاء وبناء الشخصية، مؤكدًا أن التجريب لا يملك تعريفًا واحدًا ثابتًا، بل يتشكل بحسب رؤية المخرج وتجربته، وبحسب ما يسعى إلى اختباره على خشبة المسرح، مشيرًا إلى أن "توحّش" يمثل بالنسبة له محاولة بحثية مفتوحة أكثر من كونه إجابة نهائية على سؤال التجريب.
جدير بالذكر أن عروض المهرجان تستمر حتى الثلاثاء القادم على خشبة مسرح كلية الدراسات المصرفية والمالية وتبدأ العروض في تمام الساعة 8 مساء، والدعوة عامة للجميع.
