سوق مطرح
سوق مطرح
الاقتصادية

السلوك والوعي الاستهلاكي.. دور لا يستهان به في أوقات الأزمات

18 يونيو 2022
18 يونيو 2022

ترشيد الإنفاق يسهم في الحد من الطلب وتراجع تدريجي للأسعار وتسريع السيطرة على التضخم وهو ما يعني دعم الاقتصاد نفسه للتعافي من تبعات الزيادة غير المرغوب بها في التضخم

من المهم مراقبة تأثير التضخم على الفرد نفسه ومحاولة التحكم في البنود التي يظهر فيها أعلى تأثير لارتفاع الأسعار وقد يتم إعادة ترتيب الأولويات أو تأجيل بعض عمليات الشراء إلى وقت لاحق

خلال ذروة تفشي الجائحة كان لتبعات الوباء تأثير كبير بالفعل على سلوك المستهلك والحد من بعض تكاليف الإنفاق مثل تناول الطعام في الخارج أو السفر وهناك الكثير من الدروس المستفادة من هذه التجربة

عادة ما كان الاهتمام بالتطورات في المشهد الاقتصادي العالمي قاصرا على دوائر المختصين والخبراء لكن المتغيرات الحالية في ملف التضخم والأسعار جعلت هذه التطورات أيضا محل اهتمام كبير من كافة الأشخاص نظرا للانعكاسات التي أدى إليها ارتفاع الأسعار والتي أصبح يشعر بها الأفراد والأسر في غالبية دول العالم.

ولمواجهة هذه الأزمة اتخذت الجهات المعنية العديد من الإجراءات الاحترازية لضمان العرض الجيد للسلع في الأسواق، وتأمين كفاية المخزونات وتسهيل الاستيراد فضلا عن جهود الرقابة ومتابعة الأسواق واستمرار تعزيز جهود الاكتفاء الذاتي والتصنيع المحلي، ويتكامل مع ذلك الآليات والأدوات التي تتم في إطار دور السياسات المالية والنقدية في مواجهة التضخم وإخطاره، وفي الوقت نفسه يظل هناك دور على قدر كبير من الأهمية يمكن أن يقوم به المستهلك في الحد من تبعات التضخم من حيث الحرص على ترشيد الإنفاق وتغيير بعض العادات الاستهلاكية وتأتي الأهمية الكبيرة لترشيد الاستهلاك خلال الأزمات من دوره في الحد من الطلب على السلع والخدمات مما يسهم في تراجع تدريجي للأسعار وتسريع السيطرة على التضخم وهو ما يعني دعم الاقتصاد نفسه للتعافي من تبعات الزيادة غير المرغوب بها في التضخم.

ويشير آخر مسح لنفقات الأسر أجراه المركز الوطني للإحصاء والمعلومات إلى أنه فيما يخص إنفاق واستهلاك الأسر بسلطنة عمان يستحوذ الطعام والشراب على ما يقرب من 25 بالمائة من الإنفاق، بينما تصل نسبة الإنفاق الشهري على المسكن نحو 27 بالمائة ووسائل النقل 21 بالمائة والتجهيزات المنزلية 11.8 بالمائة والملابس والأحذية نحو 10 بالمائة والاتصالات 9.5 بالمائة، والعناية الشخصية 6.4 بالمائة، والتعليم والثقافة 5.9 بالمائة وتكاليف السفر والسياحة 4.1 بالمائة كمتوسط للاستهلاك الشهري، والرعاية الطبية 2 بالمائة والسلع والمنتجات الأخرى 2.2 بالمائة. وتوضح بنود الإنفاق المختلفة إمكانية إعادة ترتيب بعض أولويات الإنفاق خاصة في البنود غير الملحة مثل السفر والمستلزمات المنزلية والشخصية والإلكترونيات.

وخلال عامي 2020 و2021 الذين شهدا ذروة تفشي جائحة كوفيد 19 كان لتبعات الوباء تأثير كبير على سلوك المستهلك إذ أدت الإجراءات الاحترازية إلى الحد من بعض تكاليف الإنفاق مثل تناول الطعام في الخارج أو السفر والسياحة وحتى بعض المشتريات من المتاجر ومحلات التجزئة، والآن في عام 2022 ومع ارتفاع التضخم إلى مستويات قياسية أصبح الشغل الأساسي لغالبية دول العالم ولكافة المستهلكين هو ارتفاع تكاليف المعيشة وزيادة أسعار السلع نتيجة العديد من العوامل ذات التأثير الكبير في مقدمتها ارتفاع تكاليف الطاقة، ومشاكل سلاسل التوريد، وزيادة طلب المستهلكين في ظل حزم التحفيز المالي الكبيرة التي قامت بها مختلف الحكومات لتحفيز الاقتصاد ومساعدة المؤسسات والأفراد المتضررين خلال تفشي الجائحة، ثم جاءت الحرب في أوكرانيا لتسبب موجة جديدة من ارتفاع الأسعار مما دفع معدلات التضخم في بعض الدول إلى ذروتها في نحو 40 عاما، وأصبح لدى المستهلك العديد من الدروس المستفادة من فترة الجائحة فيما يتعلق بتغيير السلوك والعادات الاستهلاكية والتي يمكن تطبيقها خلال الوقت الحالي.

وبينما قد لا يمكن للمستهلكين التحكم في زيادة الأسعار، هناك بعض الأمور والأشياء التي يمكنهم القيام بها - أو تجنب القيام بها - للتخفيف من التأثير على ميزانية الفرد والأسرة، وأول ما يمكن القيام به هو مراقبة تأثير التضخم على الفرد نفسه، ومحاولة التحكم وترشيد الإنفاق في البنود التي يظهر فيها أعلى تأثير لارتفاع الأسعار، بناء على ذلك قد يتم اتخاذ قرارات بتأجيل بعض عمليات الشراء إلى وقت لاحق إذا كان الأمر يتعلق ببند مثل المستلزمات الشخصية أو السيارة مثلا ويمكن تغيير عادات التسوق في بنود الطعام والشراب من خلال التركيز على شراء الضروريات والمنتجات الطازجة والتسوق من الأماكن التي تقدم أفضل عروض الأسعار، ويطلق الخبراء على هذه السلوك الاستهلاكي الرشيد الضغط البطيء الذي يؤدي شيئا فشيئا إلى تراجع للأسعار نتيجة انخفاض الطلب.

لفهم هذا الجانب، يرى الخبراء أن المكان الذي تنفق فيه أموالك كثيرًا يخبرك عن مدى تأثرك بالفعل بالتضخم والمكان الذي يجب أن تركز فيه على تقليص الإنفاق. ولاتخاذ قرارات رشيدة فيما يخص الإنفاق الاستهلاكي، من المهم معرفة كيفية قياس التضخم حيث يتم حسابه بناء على مؤشر أسعار المستهلك لجميع المستهلكين في المناطق الحضرية وفي المحافظات، وهو مقياس واسع النطاق ويتضمن وزن نسبي لكافة بنود الإنفاق الأساسية مثل الطعام والسكن والمواصلات، لكن مثلما تتباين معدلات التضخم بين الدول، فهناك تباين أيضا بين الأفراد فإذا كان الفرد شابا وينفق أعلى جانب من دخله على النقل والمواصلات مثلا وشهد هذا البند ارتفاعا كبيرا فسيكون التأثير كبير للغاية، وإذا كان الشخص متقدما في العمر وشهدت تكاليف الرعاية الصحية ارتفاعا متوسطا أو بسيطا فإن تأجيل هذا البند قد يحمل مخاطر تفوق أي كلفة ومن هنا يعد من الأولويات الضرورية، ولذلك فإن ترشيد الإنفاق ينبغي أن يتم بناء على الأولويات وعلى سلال الاستهلاك الفريدة الخاصة بكل فرد أو أسرة.

من جانب آخر، التضخم لا يمثل مشكلة بالنسبة للمستهلكين فحسب، بل إن استجابة البنوك المركزية للسيطرة على التضخم تتمثل بشكل أساسي في رفع أسعار الفائدة ورغم ضرورة هذا الإجراء فهو ذو تأثير على معدلات الاستثمار والنشاط الاقتصادي، كما يؤثر رفع الفائدة المصرفية على الفوائد على الإقراض مما يعني للعديد من المستهلكين كلفة أعلى عند الحصول على قروض، وهو ما يتطلب الإدارة الجيدة من قبل الأفراد لاحتياجاتهم من الائتمان وتأجيل الحصول عليه إذا لم يكن ضروريا مع استبعاد القرض إذا كان لأهداف استهلاكية، والأكثر أهمية هو الموازنة ما بين حجم القرض والقدرة على السداد، والحرص على الإلمام بكافة الالتزامات الناتجة عن القرض، وفي هذا الصدد فقد أصدر البنك المركزي العماني مؤخرا "الإطار التنظيمي لحماية المستهلك المالي" للمصارف وشركات التمويل والتأجير التمويلي وشركات الصرافة العاملة في سلطنة عمان، تماشيا مع الرؤية الاستراتيجية الشاملة للبنك لحماية الاستقرار المالي والمساهمة في النمو الاقتصادي لتحقيق الشمول المالي.

ويهدف الإطار التنظيمي إلى ضمان وصول المستهلك إلى الخدمات المالية والعمل على بناء ثقة المستهلكين في القطاع، وبالتالي إيجاد أسواق مالية صحية تنافسية تتبنى أفضل الممارسات الدولية المتبعة لحماية المستهلك المالي، إضافة إلى تحقيق نتائج أفضل للمستهلكين وضمان العدالة في تقديم المنتجات والخدمات المالية لهم، وآليات تسوية المنازعات غير الفاعلة، كما يعمل الإطار على حفظ ثقة المستهلك وزيادة الثقة في النظام المالي، وبالتالي تحقيق نمو اقتصادي سليم.

ويشتمل الإطار التنظيمي لحماية المستهلك المالي على خمسة مبادئ أساسية تتمثل في مبدأ الإفصاح والشفافية حيث يغطي هذا المبدأ متطلبات تنسيق وطريقة الإفصاح والإعلان ومواد المبيعات والإفصاح عن الشروط والأحكام والإفصاح عن مخاطر المنتج والكشف عن تضارب المصالح وبيانات الحقائق الرئيسية، وملاحظات العقد والبيانات، والإخطار بالتغييرات في الأسعار والشروط والأحكام.

وضمن المبادئ التي يتضمنها الإطار لحماية المستهلكين يأتي مبدأ التعليم المالي وبناء القدرات المالية، ليركز على متطلبات تعزيز وعي الزبائن والتعليم والتثقيف المالي، ويواصل البنك المركزي أيضا دوره في الاهتمام ومتابعة البنوك ومدى قيامها بدورها في توعية وتثقيف مستهلكي الخدمات المالية وحماية حقوقهم وضرورة الالتزام بتطبيق مبادئ الإقراض المسؤول من حيث الشفافية والعدالة والوضوح والأمانة والنزاهة في تقديم النصح والإرشاد للزبائن خاصة حول عمليات الإقراض التي تفوق قدراتهم على السداد وضرورة اهتمام البنوك برضى الزبائن والمتعاملين معها.