لماذا يتعثر هذا العدد الكبير من الأنظمة الديموقراطية؟
ريتشارد بيلديز
ترجمة قاسم مكي
نحن قليلو الاهتمام بإيجاد حكومة فعالة كقيمة ديموقراطية حاسمة في أهميتها. ونحن مُلمُّون بالمهددات التي يشكلها تردِّي الديموقراطية وصعود القوى غير الليبرالية في عدة بلدان محكومة بأنظمة ديموقراطية، بما في ذلك الولايات المتحدة.
لكن التحدي الأكثر انتشارا وربما الأعمق الذي يواجه كل الديموقراطيات الغربية تقريبا اليوم هو التشظي السياسي للعملية الديموقراطية.
التشظي السياسي يعني تشتت وتبعثر القوة السياسية في الكثير من الأيدي ومراكز النفوذ المختلفة بما يجعل من الصعب على الحكومات الديموقراطية العمل بفعالية.
أدرك الرئيس بايدن هذا التحدي التاريخي، واصفا المهمة الأولى لرئاسته بكسب المعركة "بين جدوى الأنظمة الديموقراطية في القرن الحادي والعشرين والأنظمة الاستبدادية".
لكن بالرغم من سيطرة الحزب الديموقراطي على الجهازين التنفيذي والتشريعي إلا أن انقساماته الداخلية أجَّلت لعدة أشهر إجازة مشروع قانون البنية التحتية الذي قدَّمه وحظي بإجماع الحزبين. كما جعلت هذه الانقسامات من الصعب تحديد الأجزاء التي ستتم إجازتها من مشروع قانون "إعادة البناء على نحو أفضل" في حال القبول به.
عندما تبدو الحكومات الديموقراطية غير قادرة على الوفاء بوعودها يمكن أن يقود هذا الفشل إلى التخلي عن تأييدها والإحساس بالقنوط والارتياب والانسحاب وسط العديد من المواطنين. يمكن أيضا أن يدفع هذا الفشل إلى المطالبة بقادة مستبدين يَعِدُون بإخراج البلد من فوضى السياسة. بل من الممكن حتى أن يقود الناس إلى الشك في جدوى الديموقراطية نفسها والترحيب بأنظمة حكم معادية لها.
صراع إدارة بايدن للوفاء بأجندة سياساتها يقدم مثالا جيدا للتشظى السياسي الذي يحدث في الديموقراطيات الغربية. وهو يتخذ أشكالا مختلفة في أنظمة التعدد الحزبي في أوروبا ونظام الحزبين في الولايات المتحدة.
الديموقراطيات الأوروبية تتعرض لتجربة تفكك أحزاب يسار الوسط ويمين الوسط الرئيسية والتحالفات المهيمنة تقليديا والتي ظلت تحكم منذ الحرب العالمية الثانية. تشتّتَ تأييدُ هذه الأحزاب وتحوَّل إلى أحزاب يمين ويسار جديدة إلى جانب عناصر أيديولوجية أخرى أصعب تعريفا.
في الفترة من 2015 إلى 2017 دخل ما يزيد عن 30 حزبا سياسيا جديدا البرلمانات الأوروبية. وفي بلدان الديموقراطيات الأوروبية تراجعت على نحو حاد نسبة من يوالون بشدة حزبا سياسيا أو من هم أعضاء في أحد الأحزاب.
وكانت تأثيرات ذلك على القدرة على مباشرة الحكم تتسم بالإثارة. ففي ألمانيا التي تمثل المرساة المستقرة لأوروبا منذ أعوام الخمسينات اعتاد حزبان على الحصول على ما يزيد عن 90% من مجموع الأصوات الانتخابية. لكن في انتخابات الخريف الماضي تراجعت هذه النسبة إلى أقل من 50%. وتحول التأييد إلى أحزاب الخضر والمعادين للهجرة وحرية السوق وأخرى غيرها. وبعد انتخاباتها في عام 2017 مع تشتت التأييد بين العديد من الأحزاب احتاجت ألمانيا إلى نصف عام لتكوين ائتلاف حاكم. وكانت تلك أطول فترة لتشكيل حكومة في تاريخها. أما هولندا فبعد انتخابات 2017 احتاجت إلى فترة قياسية لكي تفعل ذلك بلغت 225 يوما.
الحكومات الائتلافية التي تشكلت وسط هذا المزيج المتنافر من الأحزاب أكثر هشاشة أيضا. فإسبانيا مثلا اضطرت إلى إجراء أربعة انتخابات وطنية بين 2015 و2019 لإيجاد تحالف حاكم مستقر.
في اسبانيا كانت توجد ديموقراطية نظام الحزبين فعليا حتى عام 2015 . لكن حركات الاحتجاج الجماهيري فرّخت أحزابا جديدة جعلت من الصعب تشكيل حكومات مستقرة.
وفي السويد فقد رئيس الوزراء تصويتا بسحب الثقة الصيف الماضي. حدث هذا لأول مرة في التاريخ السياسي الحديث للسويد.
وتظهر فجأة أحزاب من حيث لا حيث بما في ذلك أحزاب معادية للأحزاب. وهي تقوض السياسة على نحو جذري كما فعل حزب البريكست (خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي) في أوروبا وحركة الخمس نجوم في إيطاليا.
نفس القوى التي تقود التشظي في الديموقراطيات الأخرى تقلقل الولايات المتحدة على الرغم من أن هياكل انتخاباتنا "الأمريكية" تستبعد إلى حد بعيد أي دور لحزب ثالث "إلى جانب الحزبين الديموقراطي والجمهوري". ففي الولايات المتحدة يحدث التشظي داخل الحزبين الرئيسيين.
أكثر الأمثلة إثارة على الجانب الجمهوري تمثل في إطاحته رئيسين لمجلس النواب هما جون بينر وبول رايان عندما كان الحزب يسيطر على الكونجرس في الفترة من 2011 إلى 2019. وتصور مذكرات بينر تشظيا لمؤتمر أعضاء الحزب يجعل من المستحيل السيطرة عليه.
على نحو مماثل تتعلق الحكاية المركزية لإدارة بايدن بقدرة أو "عجز" الحزب الديموقراطي على التغلب على صراعاته الداخلية وتقديم سياسات فعالة. اللافت أن رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي حددت موعدا لتصويت المجلس بكامل هيئته على مشروع قانون البنية التحتية "الذي قدمه بايدن" ولكنها تراجعت عن ذلك لأنها لم يكن في مقدورها تأمين أصوات ديموقراطية كافية "لإجازته". وهذا دليل غير عادي على مدى الصعوبة التي يجدها رئيس لمجلس النواب في توحيد نواب حزبه وسط قوى التبعثر. ولزم التقدميين "في الحزب الديموقراطي" قضاء ليلة انتخابية كارثية قبل أن يدفنوا مخاوفهم ويصوتوا لصالح مشروع القانون. ويشعر العديدون منهم الآن بالندم على قيامهم بذلك.
ومؤخرا قاد انهيار مشروع قانون "إعادة البناء على نحو أفضل" على الأقل في الوقت الحالي إلى شجار علني ولافت بين مختلف العناصر داخل الحزب.
هنالك قوى هيكلية كبيرة تقود إلى التشرذم السياسي في أرجاء الغرب. على الجبهة الاقتصادية تشمل هذه القوى مساهمة العولمة في ركود دخول الطبقتين الوسطى والعاملة وتصاعد اللامساواة والغضب من الأزمة المالية في عام 2008. وعلى الصعيد الثقافي تتمثل هذه القوى في الصراعات حول الهجرة والقومية وقضايا أخرى.
منذ استحداث سياسة النيوديل "سلسلة البرامج التي جاء بها الرئيس الأمريكي روزفلت لإخراج اقتصاد الولايات المتحدة من الركود العظيم في ثلاثينات القرن الماضي- المترجم" والحرب العالمية الثانية في أوروبا، مثَّلَت أحزابُ اليسار الناخبين الأقل ثراء وتعليما. والآن يتحول هؤلاء الناخبون إلى قاعدة أحزابٍ في اليمين مع انتقال الناخبين الأكثر تعليما إلى أحزاب من اليسار.
وتصارع الأحزاب الرئيسية لفهم الكيفية التي يمكن أن تؤلف بها تحالفاتٍ حاكمة وسط التحول الذي قاد إلى هذا التفتت.
أيضا ثورة الاتصالات قوة رئيسية وراء التشظي الذي يُقعِد بالسياسة "عن أداء عملها". فقد أفضت حول أوروبا إلى ظهور حركات احتجاجية ضعيفة التنظيم وبلا قادة. تغير هذه الحركات الطريقة التقليدية للعمل السياسي وتنجب أحزابا أخرى. لكنها تزيد من صعوبة إيجاد حكومة فعالة.
في الولايات المتحدة أعان عصر الاتصالات الجديد على ظهور الساسة غير الخاضعين للمساءلة (المتحررين من الولاء الحزبي). ومن الصعب السيطرة على الكونجرس الذي به المزيد من هؤلاء الساسة. ولم يعد أعضاؤه الأفراد من أمثال أليكساندريا أوكازيو كورتيز أو تيد كروز،حتى وهم في بداية سنواتهم في الكونجرس، بحاجة إلى السعي للصعود إلى قيادة الحزب أو العمل في اللجان الرئيسية لجذب الأنظار والحصول على النفوذ.
ويمكنهم عبر تلفزيون الكيبل ووسائل التواصل الإجتماعي إيجاد وبناء قواعدهم الوطنية. والساسة (خصوصا من التيارات المتطرفة) من خلال جمع الأموال عبر الإنترنت (خصوصا التبرعات القليلة) يمكنهم هم أنفسهم التحول إلى جامعي أموال نشطين.
في هذا العهد، يفتقر قادة الأحزاب إلى رافعة النفوذ التي كانوا يمتلكونها في الماضي لإجبار أعضاء الحزب على القبول بخط الحزب. وهذا هو السبب في تنحي رؤساء الكونجرس أو في إعادة جدولة (تأجيل) جلسات تصويت لايمكنهم الوفاء بها.
يعكس التفتتُ السياسي الذي تتسم به الآن الأنظمةُ الديموقراطية كلها تقريبا عدمَ رضى عميق من قدرة الأحزاب والحكومات التقليدية على تقديم سياسات فعالة. إلى ذلك يزيد هذا التفتت من صعوبة قيام الحكومات بذلك.
بايدن مُحِقٌّ. على الديموقراطية التوصل إلى كيفية التغلب على قوى التشظي لكي تثبت مرة أخرى أن في مقدورها إنجاب حكومات فعالة.
• ريتشارد بيلديز استاذ مدرسة القانون بجامعة نيويورك ومؤلف "قانون الديموقراطية: الهيكل القانوني للعملية السياسية" وينشر في جريدة نيويورك تايمز
