No Image
عمان العلمي

هل يمكن أن نحقق الصناعة المستدامة؟

20 مايو 2026
د. معمر بن علي التوبي
20 مايو 2026

في كل مرة أذهب فيها إلى شراء قطع غيار للسيارة أو أخذها إلى الصيانة، أفكر في الضرورة، وأتساءل عن الأسباب الداعية التي تجبرنا على هذه التغييرات وعلى هذه الصيانة الدورية المستمرة التي يمكن أن نرى بُعدها المالي الملزمين بتحّمل تبعاته ما بعد شراء السيارة أو أيّ من بعض المنتجات الأخرى رغم أننا نقرّ بوجود ضرورة نسبية في بعض حالات الصيانة تهدف إلى إطالة عمر الآلة، ولكن الأهم في الموضوع ما يُشاع -ويكون حقيقة عند بعضنا- بأن قضية الصيانة بما تشمله من تغييرات لقطع الغيار قد تتجاوز مبدأ الضرورة؛ فيمتد الأمر إلى نوع من التعمّد التجاري من أجل إبقاء الاستمرارية الربحية. 

سبق أن طرحتُ هذا السؤال في المقررات التدريسية التي أدرّسها للطلاب في الجامعة، وتحديدا مادة تتعلق بالصيانة التنبؤية ضمن مراقبة حالة الآلات التي نعتمدُ فيها الذكاء الاصطناعي لاكتشاف العيوب قبل موعد حدوثها الكبير الذي قد يسبب مشكلات أخرى في الآلات الميكانيكية، والذي يشمل أيضا بحثنا في سلوك الآلة عبر بعض المؤشرات لمعرفة ما إذا كانت هناك ضرورة فعلية لإجراء الصيانة أم لا؛ بحيث نجد -وفقا لفلسفة الصيانة- أن هناك بعض أنواع الصيانة الدورية التي يمكن أن تكون غير ضرورية، وبالتالي تكون مكلفة ومستهلكة لقطع الغيار في حالات تكون فيها هذه القطع ما تزال جيدة، وهنا يتدخل الذكاء الاصطناعي؛ فنقوم بإجراء التنبؤات والتحقق من حالة الآلة. 

لكن ما زال السؤال يلحّ في ذهني فيما يتعلق بماهية الحقيقة الكامنة خلف هذه الأعطال المتكررة، والتي تكون عادة شائعة في آلات معينة؛ فمثلا، في السيارة توجد عدة قطع ينبغي تغييرها بعد فترة استهلاكية أو زمنية محددة، ولا يتعلق الأمر فقط باكتشاف العطل أو عدم وجوده، ولا بأن تمضي قدما وفق متطلبات المصنع أو الوكيل، وإنما هناك فعلا أعطال تحدث نتيجة فقدان هذا الجزء أو تلك القطعة في الآلة لعمرها الافتراضي ووصولها إلى النهاية. 

لفهم هذه الظاهرة، نحتاج أن نبيّن بأن هناك ما يُعرف بتحليل العمر الافتراضي الذي ينبغي أن يكون ملازما للآلة أو للسيارة؛ فتستطيع بواسطته معرفة العمر الافتراضي الذي يمكن أن تستمر عليه الآلة بأكملها أو أجزاؤها الداخلية. كذلك توجد فروقات يمكن ملاحظتها من آلة إلى أخرى وفق بلد المنشأ، ووفق الشركة أو المصنع الذي صنعها؛ فثمة ما هو معروف بأن بعض الشركات أو الدول تعتني بالجودة، في حين أن شركات أو دولا أخرى تكون معنية أكثر بالإنتاج ووفرته، أو بالعملية التجارية والسلسلة التجارية المرتبطة بها، وبالتالي فإن الأسعار تكون أعلى في الآلات ذات الجودة العالية، بينما تكون الآلات ذات الجودة الأقل جودة أرخص سعرا. 

يعيدنا ذلك إلى ما ترسّخ في أذهاننا من أن بعض السيارات القديمة -على سبيل المثال- وبعض الآلات القديمة الشائعة والمستخدمة كثيرا في حياتنا اليومية، تتمتع بصيت عالٍ من الجودة، وأنها تدوم أكثر، أو أن أعمارها الافتراضية أطول، وهذا أمر ملحوظ بالفعل. لكن في الوقت نفسه، تتميز الآلات الجديدة بتقنيات لم تكن موجودة سابقا تتعد منافعها وتتسع، ولكنها في المقابل أكثر تعقيدا، وأعطالها أكثر حضورا. بالتالي، نحن أمام أزمة صناعية يمكن تلخيصها في صورة يصفها بعضنا بأنها نوع من التحايل أو الاستغلال التجاري الذي أخذ من جودة الصناعة، وبجانب استهلاك أوقاتنا وأموالنا. عبر البحث والتقصي، نجد ظاهرة تُعرف اقتصاديا باسم التقادم المخطط الذي يعني أن المنتج يُصمَّم هندسيا وصناعيا لفترة محسوبة، وتُجرى عليه تعديلات أو ترتيبات صناعية تجعله يبدأ -بعد مدة معينة- في التراجع؛ فتصبح صيانته ضرورية، ويصل الأمر بعد فترة إلى مرحلة لا يعود فيها قابلا للصيانة؛ فتُضطر زمنيا إلى أن تبقى زبونا مستمرا مع الشركة المصنّعة؛ لشتري قطع الغيار منها، ثم تضطر لاحقا إلى شراء المنتج نفسه مرة أخرى أو اقتناء نموذج جديد منه. 

هذا ما نراه أيضا في الهواتف والأجهزة الإلكترونية بعمومها، وسنأتي إلى أمثلة كثيرة تتعلق بالتقادم المخطط الذي تعمل عليه المصانع الحديثة الذي أصبح جزءا من فلسفتها الصناعية الجديدة؛ فمثلا، لم يكن هذا المصطلح واضحا أو شائعا في الصناعات القديمة؛ لأن تلك الصناعات كانت تعتمد مواد أكثر سماكة وكثافة مثل الفولاذ الثقيل والنحاس الخالص. أما في الصناعة الحديثة، فنجد أن التقادم المخطط حاضر بوضوح عبر صوره المتعددة مثل استبدال بعض المواد أو الأجزاء بأخرى أخف وزنا وأقل تكلفة بهدف تقليل الكلفة والطاقة والوزن. 

رغم هذا الواقع الصناعي الملحوظ، علينا أن نناقش هذه القضية بشيء من الموضوعية والحياد، وأن نركز على بعض الحقائق التي لا يمكن إنكارها سواء تلك التي تدخل ضمن القوانين العلمية الفيزيائية أو تلك التي ترتبط أيضا بقوانين الاقتصاد والسوق والربحية. لذلك يحتاج أن ندرك أن في الصناعة -في الهندسة الصناعية بشكل خاص- توجد مكوّنات استهلاكية تدخل في الآلة المصنَّعة، وهذه المكوّنات الاستهلاكية تمثّل قطعا وأجزاء تستند في طبيعة عملها إلى القوانين الفيزيائية؛ فتعمل تحت ظروف الاحتكاك، والتغيرات الحرارية، والضغط المرتفع، وغيرها من المتغيرات. من أمثلة هذه المكونات: الزيوت، والمرشحات، والفرامل، والإطارات، والعوازل، وغيرها من الأجزاء الميكانيكية وغير الميكانيكية، وهذه المكوّنات بطبيعتها قابلة للاستهلاك والانتهاء، ولذلك تحتاج إلى صيانة دورية، وكذلك تحتاج إلى استبدال بعد فترة زمنية معينة. من هذا المنطلق -ووفق القاعدة الصناعية والفيزيائية العلمية- لا يمكن القول إن هذه الأجزاء الاستهلاكية -في أصل وجودها- يغلب عليها الجشع الاقتصادي الصناعي، لأنها تعمل وفق قوانين الفيزياء ومتغيراتها مثل الاحتكاك والتآكل، وبالتالي فإن استبدالها يُعد ضرورة فنية. 

لكن في المقابل، توجد أيضا مكوّنات وأجزاء ذات عمر محسوب، وهنا يدخل البعد الاقتصادي بوضوح؛ إذ إن الشركات المصنّعة تستطيع -إن أرادت- أن ترفع من العمر الافتراضي لهذه الأجزاء؛ فتصبح فترات الصيانة والاستبدال أطول، ويصبح عمر هذه المكوّنات الاستهلاكية أطول مما هو معتاد. غير أن البعد الاقتصادي، والقرارات المرتبطة بالربحية التي يبحث عنها المصنعون، تفرض نوعا من عدم التوازن في هذا الجانب؛ فهناك -غالبا- اعتبارات تتعلق بالكلفة، والوزن، والأداء، وسهولة التصنيع، وسعر السوق، ولذلك فإن الشركات المصنّعة -رغم قدرتها على تطوير أجزاء استهلاكية بمكوّنات معدنية أكثر سماكة وأكثر قدرة على تحمل الحرارة والضغط والظروف الخارجية والداخلية- تفضّل غالبا الإبقاء على مستوى متوسط من الجودة؛ بحيث لا تفقد قدرتها التنافسية، وفي الوقت نفسه لا تفقد المستهلك ولا الاستمرارية الربحية في مرحلة ما بعد البيع. 

من هنا تظهر فلسفة صناعية معروفة باسم هندسة الاعتمادية، وهي فلسفة تقوم على إيجاد توازن بين الجودة وبين الربحية بعد البيع؛ إذ تعمل بعضُ المصانع على تحقيق هذا التوازن بين الاعتمادية الفنية للمنتج وبين الجدوى الاقتصادية لاستمرارية السوق. لهذا نجد أن من أفضل الأمثلة التي يمكن الإشارة إليها في هذا الخصوص صناعة السيارات؛ إذ إن الشركات المصنِّعة لا تعمل على تصميم المحركات أو أجزاء السيارة لتعيش إلى الأبد؛ فبعضها قد يستهدف ـ بصورة مقصودة ـ أن يكون العمر الافتراضي لهذه الأجزاء -وفقا للمسافة المقطوعة بالكيلومتر- في حدود ثلاثمائة ألف كيلومتر أو أكثر بقليل -على سبيل المثال وليس الحصر-؛ بحيث تبقى ضمن حدود الكفاءة والجودة المقبولة، وهذا هو السائد حاليا في قطاع السيارات. بعد ذلك تدخل الأجزاء الداخلية للمحرك وأجزاء السيارة المختلفة في مرحلة الإرهاق المعدني والحراري -إضافة إلى تأثيرات العوامل الخارجية مثل الرطوبة وغيرها- وهذه جميعها عوامل تؤثر في جودة السيارة ومكوّناتها. هنا يتساءل بعضنا: هل توجد نية مبيّتة لدى بعض الشركات المصنِّعة لتقليل جودة الصناعة وعمرها، ولتتعمد فرض الصيانة الدورية؟ 

يمكن الإجابة: نعم، ولكن بصورة نسبية؛ فكما أوضحنا آنفا توجد ضرورة فنية حقيقية تستوجب المحافظة على استمرارية هذه الأجزاء عبر الصيانة الدورية، لأن كثيرا من المكوّنات تعمل ضمن ظروف تشغيل قاسية وتحتاج إلى متابعة دورية حتى لا تنتقل الأعطال الصغيرة إلى أعطال أكبر. في المقابل، يمكن للشركات أن تبني نموذجها المالي على ثلاث طبقات: الطبقة الأولى معنية ببيع المنتج نفسه، والطبقة الثانية ببيع الصيانة المعتمدة، والطبقة الثالثة ببيع قطع الغيار الأصلية. لذلك نجد كثيرا من شركات السيارات تحقق أرباحا كبيرة مما يُعرف بأرباح ما بعد البيع. كذلك توجد حالات في بعض أجزاء هذه السيارات -أو حتى في آلات أخرى مصنَّعة- تكون فيها بعض المكوّنات غير قابلة للفك بسهولة، أو مرتبطة ببرمجيات خاصة لا يمكن إعادة برمجتها إلا عبر المصنع، أو تحتاج إلى أدوات خاصة لفكها، ويصل الأمر إلى أن بعضها لا يعمل إلا عند استعمال القطعة الأصلية المصنّعة داخل المصنع نفسه. 

من منظور اقتصادي، يمكن أن يُنظر إلى مثل هذه الظواهر الصناعية بأنها نوع من التحكم التجاري من قبل المصنِّعين، أو بأنه شكل من أشكال التضييق على المستهلك، ولكن في بعض الحالات لا يمكن أن ننكر وجود ضرورة تقنية صميمة تبرر هذا التوجه، ومع ذلك، يمكن الإقرار بأن جزءا كبيرا من هذه الظواهر يدخل ضمن فلسفة التحكّم التجاري، حتى وإن كانت بعض الشركات تبرره بأنها تسعى إلى تحقيق أعلى درجات الحماية للنظام الكامل للآلة أو السيارة. 

نؤكد على ما سبق أن طرحناه في بداية المقال بشأن المنتجات القديمة والآلات القديمة المصنَّعة التي نجد أنها تتمتع بدرجة أعلى من الاعتمادية والجودة؛ فتعيش لفترات أطول وتتطلب صيانة أقل وأقل تعقيدا، وأن ذلك يعود إلى بساطتها من الناحية الميكانيكية، وإضافة إلى أنها أقل اعتمادا على الإلكترونيات والتقنيات المتقدمة، وكما أنها غالبا ما تكون أثقل في المواد المستخدمة في تصنيعها، وأقل خضوعا لقيود استهلاك الطاقة والانبعاثات. في المقابل، فإن هذه المنتجات القديمة -بما فيها السيارات القديمة- قد تعيش فترة زمنية أطول، ولكنها تستهلك وقودا أكثر، وتكون أقل أمانا، وأقل دقة في الأداء، وأقل استجابة لمتطلبات الكفاءة الحديثة. 

في جميع الأحوال، فإن التعقيد يزداد في السيارات الجديدة، وتزداد معه احتمالات الأعطال التي قد لا تكون قابلة للإصلاح الفوري، أو قد يصعب العثور على من يمتلك القدرة التقنية على إصلاحها. هنا يظهر بوضوح ما يُعرف بالأنظمة البرمجية أو التقنية التي تعمل عليها السيارات الحديثة، والتي لم تعد تعتمد على الأنظمة الميكانيكية وحسب؛ إذ أصبحت مرتبطة بوحدات إلكترونية وبرمجية متقدمة تتحكم في كثير من وظائف السيارة. 

يعيدنا ذلك -بمجمله- إلى مصطلحنا السابق «التقادم المخطط»؛ حيث إن التعقيد البرمجي في كثير من الأحيان معني بضرورة أن تبقي الشركات المصنّعة شيئا من الارتباط الطويل مع المستهلك سواء في الصيانة أو التحديث أو استبدال المكوّنات، وينقلنا هذا النقاش إلى حدود أخرى تتعلق ببعض الخيالات العلمية التي بحثت عن آلات أبدية تعمل إلى ما لا نهاية أو عن وقود دائم لا ينفد، وهو ما شاهدناه في كثير من أفلام الخيال العلمي، ويمكن القول إن مثل هذه الطموحات -في غالبها- غير متحقق إلا بصورة نسبية نظرا إلى القوانين الفيزيائية التي تحكم جميع أنظمة الحياة بما فيها الآلات والأنظمة الصناعية؛ إذ إن المتغيرات الفيزيائية المؤثرة في المادة والطاقة والزمن تمنع تحقق هذه الطموحات بصورة نسبية. 

رغم طموحات العلم وأربابه المتعلقة برغبة الوصول إلى الآلة الخالدة؛ فإننا لا يمكننا إنكار وجود ظاهرة «التقادم المخطط»؛ إذ لو استمرت المنتجات زمنا طويلا جدا دون حاجة إلى استبدال أو صيانة؛ لتأثرت حركة السوق، وتراجعت الربحية، وتباطأت الصناعة ودورتها، ولذلك تسعى هذه الشركات إلى بناء نوع من التوازن، وإن كان هذا التوازن لا يصب دائما في مصلحة المستهلك. لهذا، عندما تجاوزت بعض ممارسات التقادم المخطط حدودها المقبولة، وأدخلت المستهلك في أعباء مالية ونفسية غير مبررة، بدأت تظهر مواقف قانونية واضحة تجاهها، ويمكن الاستناد هنا إلى أمثلة مرصودة؛ ففي فرنسا، يُعد التقادم المخطط قضية قانونية قد تؤدي إلى غرامات إذا ثبت أن الشركة تعمدت تقليل عمر المنتج بطريقة تتجاوز الظروف والقياسات الفيزيائية المعروفة. كذلك ظهر داخل الاتحاد الأوروبي اتجاه قوي نحو ما يسمى حق الإصلاح، وهو توجه يقوم على إلزام الشركات المصنعة بتوفير قطع الغيار، والمخططات الفنية، وإتاحة إصلاح المنتج لفترة زمنية طويلة. 

من الأمثلة العالمية البارزة ما حدث مع شركة «أبل» في قضية إبطاء بعض أجهزة «الأيفون» القديمة؛ إذ أدخلت الشركة تحديثات برمجية تقلل سرعة المعالج في بعض الأجهزة عندما تتدهور البطارية، وبررت ذلك بأنه إجراء لحماية الجهاز من الانطفاء المفاجئ الناتج عن ضعف البطارية. غير أن الإشكال كان في أن هذا الإجراء نُفِّذ لسنوات دون توضيح مسبق للمستخدم؛ فكان كثير من الناس يعتقدون أن الهاتف نفسه أصبح قديما ويحتاج إلى الاستبدال. ونتيجة لذلك، فرضت السلطات الفرنسية غرامة بلغت 25 مليون يورو بسبب غياب الشفافية تجاه المستهلك. توجد كثير من مثل هذه الأمثلة التي توضح فلسفة الصناعة وعلاقتها غير المستقرة بين الاستدامة والربحية. بجانب كل ما سقناه من مقاربات واستدلالات علمية واقتصادية، نستطيع أن نخلص إلى نتيجة مفادها أن الصناعة المستدامة -من حيث المبدأ العلمي- قابلة للتحقق بشكل نسبي وفق الضوابط العلمية الموافقة للقوانين الفيزيائية والكيميائية وحال كبح المصالح الاقتصادية والتجارية غير العادلة. 

د.معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني