No Image
عمان العلمي

السيادة الذكية .. عُمان ترسم خريطتها في سباق الذكاء الاصطناعي

20 مايو 2026
ضحي بن خليفة الشكيلي
20 مايو 2026

بدأ شهر مارس 2026 في منطقة الخليج بمشهد لم يكن مألوفا؛ مراكز بيانات كبرى لشركة «أمازون ويب سيرفيسز» في الإمارات والبحرين تتعرض لضربات بطائرات مسيّرة وصواريخ، وتتوقف بسببها معاملات في بنوك ومنصات مدفوعات وتطبيقات نقل خلال ساعات قليلة، وفق تقارير منشورة في «تك بوليسي بريس» ومركز «الدفاع عن الديمقراطيات» في واشنطن. وبعد أقل من شهرين، وتحديدا في الثلاثين من أبريل، أصدر السلطان هيثم بن طارق -حفظه الله- المرسوم السلطاني 50/ 2026 الذي يُنشئ «منطقة الذكاء الاصطناعي الخاصة» في ولاية السيب بمحافظة مسقط. التقاطع بين الحدثين ليس مصادفة؛ فالقرار العماني لا يُقرأ بمعزل عن أزمة البنية التحتية الرقمية التي عاشتها المنطقة قبل أسابيع، بل بوصفه إحدى أوضح المحاولات الخليجية لطرح إجابة عمانية على سؤال صار مُلِحًّا: كيف يُبنى حضور في اقتصاد الذكاء الاصطناعي دون أن تُوضع البيانات الوطنية في عين العاصفة؟ 

ما الذي يُبنى في السيب؟ 

تمتد المنطقة في مرحلتها الأولى على نحو 104 آلاف متر مربع قرب هيئة الطيران المدني، وتقع تحت إشراف الهيئة العامة للمناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة «أوباز» بالتنسيق مع وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات. وتتيح بيئة تشريعية مرنة، استنادًا إلى قانون المناطق الاقتصادية الخاصة، تختبر فيها التقنيات والسياسات قبل تعميمها وطنيا، وفق ما تشير إليه عدد من البيانات الرسمية. تركيز المنطقة ينصبّ على أربعة قطاعات بعينها: أشباه الموصلات، والروبوتات، والحوسبة الكمية، والحوسبة السحابية السيادية. وقد أُسند تطوير المرحلة الأولى إلى شركة عمانية من القطاع الخاص هي شركة «آفاق»، وهو إسناد لافت يعكس توجها نحو تمكين مؤسسات وطنية من قيادة مشاريع الاقتصاد الجديد، لا الاكتفاء بدور المضيف للشركات العابرة للحدود. 

تتشابك هذه المحاور مع استثمارات سبقت المرسوم بأشهر. مجموعة «إذكاء» التابعة لجهاز الاستثمار العماني ضخّت نحو 14.63 مليون ريال (ما يقارب 38 مليون دولار) في شركات تصميم رقائق منها «جي إس إم إي» و«لومتيف» و«موفاندي»، بهدف التموضع في صناعة باتت تُلقَّب «النفط الجديد» للقرن الحادي والعشرين. وفي موازاة ذلك، أطلقت «عُمانتل» شركة «أوتك» للحوسبة السحابية السيادية، وبدأت العمل على نموذج لغوي وطني باسم «معين» يُدرَّب على بيانات محلية بهدف الحفاظ على الهوية اللغوية والثقافية في تطبيقات الذكاء الاصطناعي. حين تُجمع هذه القطع معا، تتكشّف فلسفة المشروع: ليس مجرد حيٍّ تقني يستضيف شركات قادمة، بل امتداد للبنية الاقتصادية الوطنية في طبقتها الرقمية. 

ثلاث جبهات للجاهزية 

تستدعي قراءة هذه المنطقة فحص ثلاث جبهات: المالية، والتشريعية، والبشرية. على الجبهة المالية، رصدت الحكومة حتى عام 2026 نحو 79 مليون ريال لبرامج الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية المتقدمة، فيما تستهدف خطة التنمية الخمسية الحادية عشرة (2026-2030) ضخّ 15.6 مليار ريال في القطاعات الواعدة، وعلى رأسها الاقتصاد الرقمي الذي يُتوقَّع أن ينمو بمعدل سنوي يقارب 10.8%. الطموح الأبعد، كما تُشير وثائق وزارة المالية، يتمثّل في رفع مساهمة هذا الاقتصاد في الناتج المحلي الإجمالي إلى 10% بحلول عام 2040، مقارنة بنحو 2% فقط عام 2021. أرقام كهذه لا تُنجز ذاتها، لكنها تكفي على الأقل لتؤكد أن ما يجري في السيب ليس بادرة معزولة، بل بندا في خطة أوسع. 

أما على الجبهة التشريعية، فتقف عُمان في موقع متقدم نسبيا. قانون حماية البيانات الشخصية الصادر بالمرسوم السلطاني 6/ 2022 دخل مرحلة التنفيذ الكامل في فبراير 2026، ويوفّر إطارا واضحا لمعالجة البيانات يفترض أن يطمئن المستثمرين الأجانب الذين يقلقون عادة من الفراغ التشريعي. وقد أضافت وزارة النقل والاتصالات في 2025 سياسة عامة للاستخدام الآمن والأخلاقي للذكاء الاصطناعي، تتناول الشفافية والمساءلة وانحياز الخوارزميات. ويتعزز هذا المشهد بتصنيف عُمان في الفئة الأولى ضمن المؤشر العالمي للأمن السيبراني لعام 2024 بدرجة 97.02 من 100، ما يمنح المنطقة الجديدة غطاء مؤسسيا يصعب توفيره خلال أشهر معدودة. 

تبقى الجبهة الأصعب هي البشرية. تقرير «أكسفورد إنسايتس» لجاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي لعام 2025 يضع عُمان في المرتبة 61 عالميا والسابعة على مستوى الشرق الأوسط، بتراجع 16 مركزا عن العام السابق. التراجع يُعزى جزئيا إلى تغيير منهجية القياس، لكنه يكشف فجوة حقيقية بين قوة السياسات (88.50%) وضعف البنية التحتية (47.22%) ومستوى التبني في القطاع العام (71%). برنامج «مكين» يُدرّب أكثر من 11 ألف عماني على مهارات رقمية متقدمة، ووصلت نسبة التعمين في الوظائف الفنية بقطاع تقنية المعلومات إلى 69% بحلول 2026، لكن المنطقة الخاصة لن تنجح في إغلاق فجوة المهارات التخصصية العميقة بمجرد افتتاحها؛ فالكفاءات في تصميم الرقائق والحوسبة الكمية تُبنى عبر سنوات من البحث والشراكات الجامعية، لا عبر إعفاءات ضريبية وحدها. 

بين الانفتاح والتوطين 

يدور نقاش هادئ في الأوساط البحثية الخليجية حول طبيعة النموذج الذي تتبعه عُمان: هل هو الانفتاح المطلق على الاستثمار الأجنبي، على غرار التجربتين الإماراتية والسعودية، أم التوطين الصارم على غرار التجربة الصينية؟ ما يكشفه المرسوم وما رافقه من إعلانات يشير إلى نموذج هجين. تسمح المنطقة بملكية أجنبية كاملة، وتمنح إعفاءات ضريبية وجمركية، وتخفض اشتراطات الحد الأدنى لرأس المال، وهي حزمة متوافقة مع التزامات اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة. في الوقت ذاته، تتمسك السلطنة بأدوات السيادة: نموذج لغوي وطني بدلا من الاعتماد الكلي على نماذج خارجية قد تحمل تحيزات ثقافية أو سياسية، وسحابة وطنية بدلا من تخزين بيانات الجهات الحكومية لدى مزوّدين عابرين، وحصة تعمين مرتفعة بدلا من الاكتفاء بإشراف رمزي. 

هذا التوازن يمنح سلطنة عُمان شيئا لا تمتلكه نماذج خليجية أخرى تعتمد إما على الحجم المالي الهائل أو الانفتاح المطلق: ميزة «المتوقَّع قانونيا». الشركات التي تستثمر في تقنيات حساسة لا تبحث فقط عن الإعفاءات والتسهيلات، بل عن بيئة تستطيع التنبؤ بسلوكها في الأزمات. وقد لاحظ تقرير لقناة «الحرة» صدر بعد أحداث مارس أن عُمان تتقدّم تدريجيا كمرشح بديل لاستضافة بيانات حساسة كانت تُوطَّن سابقا في الإمارات أو البحرين أو خارج المنطقة كليا. إنْ وُظِّف الحياد العماني التاريخي توظيفا تقنيا، فقد يتحوّل من خاصية سياسية إلى أصل اقتصادي. 

في عين العاصفة 

غير أن هذا الموقع ينطوي على مفارقة لا يمكن تجاهلها. حين تتركّز أصول البيانات في مساحة 104 آلاف متر مربع، تتشكّل ما يصفه الباحثون بنقطة الفشل المركزية. الضربات التي طالت مراكز «أمازون ويب سيرفيسز» الخليجية في مارس بُرِّرت رسميا بأن تلك المراكز تستضيف أحمالا عسكرية واستخباراتية أمريكية وإسرائيلية، وأن بعض النماذج المستضافة فيها من بينها نماذج «أنثروبيك» تُستخدم في محاكاة عمليات قتالية، حسب ما يورد تقرير «تك بوليسي بريس». ومِثْل هذا التبرير، إن صارت مراكز البيانات هدفا «شرعيا» في حسابات الخصوم، يجعل أي تجمّع رقمي خليجي معرّضا للحسابات نفسها، بصرف النظر عن نوايا الدولة المضيفة. 

تخفيف هذه المخاطر يستلزم مسارَين متوازيَين. الأول دفاعي بحت: قدرات حماية مادية وسيبرانية قادرة على التعامل مع تهديدات لم تكن البنية التحتية الرقمية مصمَّمة لها قبل ثلاث سنوات. والثاني سياسي: تأكيد علني وموثَّق بأن المنطقة العمانية لن تُستخدم لاستضافة أحمال قتالية لأطراف بعينها، أي تثبيت «الحياد التقني» بالوضوح ذاته الذي ثبَّتت به سلطنة عمان حيادها السياسي. غياب أحد المسارين قد يُفرغ المسار الآخر من قيمته. 

إن أردنا أن نضع المرسوم 50/ 2026 في سياقه الأبعد، فإنه ينقل عُمان من موقع المتلقّي إلى موقع الواجهة في الاقتصاد الرقمي. المؤشرات لا تتحرك جميعها في الاتجاه نفسه؛ فالمرتبة المتراجعة في تقرير «أكسفورد إنسايتس» تذكّر بأن السرعة لا تقلّ أهمية عن العمق، وأن السباق العالمي لا ينتظر استكمال الاستراتيجيات. غير أن ما تعرضه عُمان - حين يُجمع المرسوم إلى «معين» و«أوتك» و«مكين» وقانون البيانات والسياسة الأخلاقية - ليس مجرد حافز جبائي، بل بنية تحتية وطنية تطمح أن تحتل موقعا مستقرا في خريطة لا تزال تُرسَم. 

السؤال الذي يبقى مفتوحا هو سؤال الإنجاز لا التصور. هل تستطيع المنطقة الخاصة أن تقدّم خلال عامين أو ثلاثة ما تعجز عنه استراتيجيات وطنية تستغرق عقدا؟ هل ينجح النموذج الهجين في الإفلات من إغواء الانفتاح المطلق ومن مغبَّة التوطين المغلق في الوقت ذاته؟ وهل يصمد «الحياد التقني» أمام منطقة لا تزال تعيش حربا متعددة الجبهات؟ لن تُجاب هذه الأسئلة من على شاشات الإعلانات الرسمية وأروقة المؤتمرات الصحفية، بل من سجلّات الاستثمارات الفعلية، ومن قدرة الكفاءات العمانية على التموضع في قلب القطاعات المختارة، ومن الهدوء الذي يُقابَل به -أو لا يُقابَل- أول حادث رقمي كبير في المنطقة. حتى ذلك الحين، يظل المرسوم رهانا واعيا على أن الذكاء الاصطناعي، شأنه شأن الموانئ والطرق التي بنتها السلطنة في العقود الماضية، لم يعد ترفا تنمويا، بل بنية تحتية لا يُكتب الاستقرار في غيابها. 

د. ضحي بن خليفة الشكيلي أكاديمي وباحث في مجال الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات، جامعة التقنية والعلوم التطبيقية