نعلم الآلة لكنها لا تعلمنا: في نقد التعلم الذاتي
«إنني أعرف بكل كياني، بكل جسدي، بإحساساتي ومشاعري وعواطفي، وأيضًا بعقلي». - پاولو فريري
رغم أنها كتبت في مجالات متنوعة، إلا أن اشتغال بيل هوكس في موضوع التعليم (التعليم باعتباره ممارسة حرة) هو العمل الأكثر تأثيرًا بالنسبة لي. تتبنى هوكس (متأثرة بتعاليم Paulo Freire الذي يرى في التعليم ثورة على القهر) نظرة شمولية لكيان وعلاقة الطالب بالمعلم، ينظر فيها كل منهما للآخر كإنسان كامل؛ حيث السعي لا يكون مرتكزًا حول تقديم واكتساب المعرفة، بل كيف ترتبط معارف الصف بالعالم الواقعي، وكيف تساعد هذه المعرفة على العيش وممارسة الحياة. مؤكدة على الأبعاد الأخرى للتجربة التعليمية؛ حيث لا تتعلق التجربة بالعقل وحده، بل بالجسد والروح أيضًا.
أعود لكتابات هوكس هذه الأيام مع شيوع فكرة التعلم الذاتي. يقوم التعلم الذاتي على عمل المتعلمين (من أطفال ويافعين وناضجين) بمفردهم باستخدام الأدوات التقنية. ويقوم على التفاعل المباشر مع المادة التعليمية عبر الشاشات، وتهميش دور المعلم والزملاء في تجربة التعلم.
يستثمر عمالقة التكنولوجيا مثل بيل جيتس Bill Gates ومارك زوكيربرج Mark Zuckerberg الملايين في التعلم الذاتي. ساهمت طفرة الذكاء الاصطناعي في جعل ذلك ممكنًا وجذابًا للمتعلمين والمعلمين وأولياء الأمور على حد سواء.
يستخدم المدافعون عن هذا النمط التعليمي حجة أن لكل متعلم حاجاته الخاصة، وطريقته في التعلم. ويُجادلون بأن التعلم الذاتي يراعي الفروقات الفردية، ويسمح للمتعلمين بخوض التجربة التعليمية وفق إيقاعهم الخاص، نفسهم وطاقتهم، وأوقات نشاطهم، ويجعل التعلم أكثر كفاءة؛ لأنه يسمح لهم -عند التعامل مع المادة التعليمية- بتجاوز ما يستوعبونه؛ ليمنحوا المزيد من الوقت والجهد لما يشكل تحدٍ شخصي بالنسبة لهم.
ما الذي نخسره؟
يُساهم التعلم الذاتي في مفاقمة أزمة التعليم المتمركزة حول اجتياز الاختبارات. وتساهم أدوات الذكاء الاصطناعي في استبدال نموذج القراءة المطولة والمعمقة للحصول على الإجابات (نوع القراءة الذي يراعي السياقات وتعقيدات المسائل)، بنموذج الإجابة المفردة والتبسيطية والمباشرة. أمر يُضعف مهارة البحث النشط عن المعلومات، مقابل الحصول السلبي عليها. كما يُضعف قدرات التفكير الناقد، وقدرات الحكم على مدى موثوقية ومنطقية الجواب المقدم. كما تحرم المتعلم من استكشاف كيف يُفكر الآخرون، وكيف يُعالجون المسائل، وتحرمهم من التعرض للأفكار والتجارب المتنوعة التي تساهم في لفت انتباه الفرد لأمور قد يغفل عنها، وتحرمهم من أن يضعوا فهمهم تحت التحدي.
التعلم الذاتي -بتركيزه على استخدام التقنية- يُهمل تجربة الجسد في العالم. أو دور الجسد، والتعامل المادي مع أشياء العالم في التذكر والفهم. أساس هذه الفكرة هو إعلاء شأن الدماغ في الثقافة الحديثة، وإهمال دور باقي الأعضاء لأداء وظائف الوعي والإدراك (أمر كتبت عنه سابقًا). وباختصار فإن الإحساس، والتفكير، والوعي ليست شأنًا دماغيًا. التذكر، واتخاذ القرار، والحدس يحدث عبر الجسد. والجسد يعي العالم على نحو عصي على الوصف بالكلمات وحدها.
تستعرض لنا جويل رينستروم Joelle Renstrom مجموعة من الدراسات (يمكن الرجوع إلى مقالها المعنون بـ«And their eyes glazed over» على مجلة إيون aeon) التي تستعرض ما نخسره عبر التعلم الذاتي المعتمد على التقنية. إحدى الدراسات تُشير إلى أن البشر يُعالجون المعلومات على نحو أفضل حين يُدونون الملاحظات باليد. الأمر الذي يعني كفاءة أكبر في فهم المواد واستدعائها. وبالمثل يستوعبون ما يقرؤن على الورق أكثر من القراءة عبر الشاشة؛ حيث وجدت دراسات أخرى أن الذين يقرؤن عبر «كيندل» أو النسخ الإلكترونية للنصوص يصعب عليهم تذكر التفاصيل بفهم مقارنة بمن يقرؤن من كتاب. وتعزو الكاتبة ذلك إلى مساهمة التجربة الجسدية لتقليب الصفحات في التذكر.
والتذكر والحفظ أمر آخر تُهمل أهميته. فالمدافعون عن التعلم الذاتي ينظرون بدونية للحفظ، فلماذا نشغل الدماغ بحفظ المعلومات بينما يُمكننا استدعاؤها متى شئنا عبر الهاتف أو الكمبيوتر؟ وهذا النهج لا يزيد اعتماديتنا على الآلة فحسب، بل ينال من قدرتنا على ربط الأمور، واستكشاف العلاقات، والتوصل إلى استنتاجات عبر المعرفة المحفوظة في الذاكر.
في علم النفس، يُفرق بين عمليتين إدراكيتين: المماثلة Assimilation والإيواء Accommodation. تُشير المماثلة إلى إضافة معلومة أو عنصر جديد إلى نموذج ذهني قائم يمكنه استيعابها (يمكن لأنواع القطط وإن كانت من سلالات نادرة -كأن تكون قصيرة الذيل أو بلا شعر يغطيها - أن تُستوعب ضمن تصنيف القطط). بينما يُشير الإيواء إلى تعديل النموذج الذهني ليُلائم المعلومة أو العنصر الجديد الذي يتحدى النموذج القائم (معرفة أن البطريق طائر تغير فكرتنا عن تصنيف الطيور، بحيث لا تجعل الطيران شرطًا). يحتاج الإنسان إلى الاحتفاظ في ذهنه بالكثير من المعلومات لأجل بناء الأنماط، وبالتالي تعزيز أو تقويض النماذج الذهنية القائمة. وبالتالي فما يُحفظ من معلومات جزء مؤثر في عملية التفكير. وجودة التفكير تعتمد على ما نعرف ونتذكر بقدر ما تعتمد على قدراتنا على المعالجة المنطقية والناقدة.
عودة لهوكس التي ترى أن التعليم يجب أن يُثري ويسعى لتحسين حياة الفرد، وأن يُقدم معرفة ذات معنى، وأن يكون تحرريًا، ويتجاوز، ويُحوّل. يعني هذا أن مسؤولية المعلم تُحتم عليه أن لا يقدم المعرفة بدون توضيح ما تعنيه في سياق التجربة الحياتية. وذلك في عملية ينخرط فيها الطلبة، ويتفاعلون عبر جلب تجاربهم الذاتية إلى الصف، عوضًا عن اعتمادهم على الإرشاد. تقع عليه وعليها مسؤولية صناعة «مجتمع» للتعلم، عبر تقدير قيمة كل صوت فردي ضمن المجموعة. أمر نادرًا ما يكون ممكنًا في القاعات الكبرى التي يؤدي فيها الطلبة وظيفة استقبال المعرفة دون التفاعل الناقد أو الشخصي معها.
في غرفة الصف يُطرح نمط وحيد للتفكير باعتباره النمط النموذجي، ونُشجّع على تبنّيه كنمط كوني صالح للجميع. ويُشاع نوع من الخوف لتحدّيه: ثمة إجابة صحيحة، وعليك أن تعرفها. فيها يُصنّف عمل الطلبة بسلطوية، بين متفوق يسترعي الانتباه، وعمل هزيل لا يستحقه. وهذا يُفرز بيئة نرجسية، ينغمس أفرادها في إثبات تفوقهم.
بالطبع يحق للقارئ أن يُشكك في أن هذه الرؤية يُمكن أن تنطبق على كل المعارف. فبينما يسهل تخيل نمط تعليمي من هذا النوع في صفوف العلوم الإنسانية، كيف يكون له أي مكان في صفوف الكيمياء والرياضيات؟
والواقع أن هذا القصور في تخيل صفوف العلوم الطبيعية، وهذا الإصرار على أن المعادلات والأرقام والممارسة المختبرية شأن موضوعي وبعيد عن الحياة، وهو ما أسهم في تطوير معارف علمية وتقنيات، تنتهك حقوق البشر، جالبة للهلاك.
لنتخيل أننا في غرفة الصف. وأن الموضوع المطروح أمامنا هو التعديل الجيني للقمح. تعد التقنيات الجديدة بمضاعفة الإنتاج، وبتطوير قمح مقاوم للجفاف والعفن والسرطان (وليست هذه مبالغة - فقد أُعلن مؤخرًا عن إنتاج قمح معدل وراثيًا يقلل خطر الإصابة بمرض السرطان في الأطعمة المطبوخ).
لكن هذه التعديلات الجينية تؤدي لانقراض الأنواع الأصيلة، وإحلال سلالات معدلة، وعقيمة، تُنتج في المختبرات. ولو توقفت المعامل عن إنتاجها فسنُحرم الخبزة؛ إذ لن يكون بإمكاننا إنتاج أي قمح على نحو طبيعي. كما أن القمح اليوم قد عُدل على نحو جعله لا يُشبه ما كان يتناوله أجدادنا. تسببت هذه التعديلات بمشاكل صحية سواء لتدني قيمتها الغذائية أو تسببها بمشاكل هضمية، مثل حساسية الجلوتين (يحوي القمح الهجين وكذلك الشعير والشوفان سلالات جديدة من الجلوتين لا تتعرف عليها أجسامنا ولا تستطيع هضمها).
لكننا إذا ما تذكرنا عودة المزارعين لاستخدام البذور الأصيلة بدل المهجنة سواء بهدف حفظ الموروث الجيني، أو لأنها تثبت قدرة أفضل في مقاومة شح المياه والحشرات. وربطناه بسياسة الشركات الكبرى التي تضيق عليهم، وتجبرهم على شراء البذور كل عام وإلا عُدّ ذلك خرقًا لحقوق الملكية الفكرية - هذه المعرفة عن العالم، تجعلنا علماء أفضل. تجعلنا نُشكك في وعود الكفاءة، ونجلب إلى المختبر حلولا أكثر استدامة (الكلمة التي تُستخدم مع كل تقنية جديدة، إلا أنها قليلًا ما تصدق).
الواقع أنه يُنظر إلى جلب معرفتنا عن العالم، وتجاربنا الشخصية، ومواقفنا السياسية والأخلاقية باعتباره مضيعة للوقت، باعتباره معرقلًا للتعلم الكفؤ، التعلم الذي لم يعد يعني إلا الإعداد الفني والتدريب على الممارسة التقنية التطبيقية للمعرفة المقدمة كما هي. هذا الفصل بين التعليم والسياسة، التعليم والتاريخانية، التعليم والأخلاق هو ما يجب مراجعته إن كنا نأمل بتغيير العالم.
في النهاية لابد من التشديد على أن هذا الموقف ليس رفضًا أعمى للمناهج العلمية، أو كما يقول پاولو فريري «للمعرفة تاريخانيتها» لكن ذلك «لا يقلل من إمكانية المعرفة بطرق منهجية صارمة، تؤدي إلى رفع مستوى دقة النتائج».
نوف السعيدي كاتبة وباحثة عمانية في مجال فلسفة العلوم
