خميس المقيمي
خميس المقيمي
ثقافة

«شيء من الهواء المنعش»: رحلة ساخرة بين الحنين والبحث عن الهوية

08 أبريل 2023
رحلة بين دفتين
08 أبريل 2023

رواية «شيء من الهواء المنعش» أو كما جاءت في ترجمة أخرى «الصعود إلى الهواء» هي إحدى روايات الأديب البريطاني الأشهر جورج أورويل التي وعلى الرغم من كثافة محتواها أحيانا وسخريتها اللاذعة في أحايين أخرى أو السوداوية التي فرضها وقت كتابتها حيث كُتبت بين عامي 1938-1939، قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية مباشرة، إلا إنها رواية تمردت روح الكاتب فيها على خط أعماله الأكثر شهرة «مزرعة الحيوان» و«1984» المعروفة بتعليقاتها السياسية الصارخة، فقد ركزت هذه الرواية في المقابل على كفاح رجل في منتصف العمر يسعى إلى إعادة النظر في ماضيه، والعثور على إحساس بالهوية في عالم سريع التغير.

تتتبّع الرواية رحلة جورج بولينج وهو موظف تأمين في منتصف العمر، يعيش في لندن في أواخر الثلاثينيات ويكافح من أجل التكيف مع التغييرات في حياته والعالم من حوله، ويشعر بالاختناق بسبب رتابة حياته في المدينة فيقرر أخذ استراحة من وظيفته وعائلته، والسفر إلى مسقط رأسه في لور بينفيلد، وهي قرية صغيرة في مقاطعة بيركشاير بالريف الإنجليزي على أمل استعادة الشعور بالحنين والبراءة التي عاشها في صباه، ليكتشف مدى تغير العالم، وكيف تم تشويه ذكرياته عن الماضي بمرور الوقت.

أسلوب كتابة أورويل الذكي وروح الدعابة العالية التي يمتلكها، وشخصياته البشرية العميقة بكل عيوبها، وتناقضاتها شكلت بوصلة للرواية، حيث جورج بولينج الرجل العادي، الذي ليس بطلا ولا شريرا، إنما مجرد رجل يحاول التصالح مع فنائه، وفكرة عدم ثبات كل شيء على حاله مع هوسه بالماضي، الذي ليس سوى انعكاسا لخوفه من المستقبل، وعدم قدرته على التكيف مع التغييرات، التي تحدث من حوله.

تتكون الرواية من مسارين سرديين متشابكين، يتبع المسار الأول محاولات بطل الرواية للهروب من حياته المملة في المدينة، والعودة إلى مرابع الطفولة في قريته الوادعة في الريف الانجليزي، حيث يأمل أن يجد إحساسا بالسلام والانتماء، بينما يتناول المسار الثاني ذكرياته عن صباه - التي أثارتها رحلته إلى القرية - حيث يصبح مهووسا بفكرة العثور على بركة معينة يتذكرها منذ طفولته كاستعاره لمحاولاته المستميتة لاستعادة الماضي وإيجاد إحساس أعمق بالهوية، هذه الذكريات تأتي مشوبة بالحنين والندم لإدراكه بأن الماضي الذي يتوق إليه لم يعد موجودا.

تتناول الرواية موضوع التأثير السلبي للحداثة والتصنيع على البيئة والأشخاص الذين يعيشون فيها على حد سواء، وتسلط الضوء في الوقت نفسه على الآثار اللا إنسانية للتكنولوجيا الحديثة، وفقدان الاتصال البشري وتفكك المجتمع، حيث يصور العالم على أنه مكان يتم فيه اختزال الناس إلى مجرد تروس في آلة، ويتم تحويل العلاقات الإنسانية إلى سلعة، يتسيد السعي وراء الربح فيها، فوق كل شيء آخر، أسرة بولينج مجزأة، ويشعر بالعزلة والانفصال عن جيرانه وزملائه، في توظيف يعكس القضايا الاجتماعية الأوسع في ذلك الوقت والحاجة الملحة إلى نهج أكثر استدامة وإنسانية للتحديث.

من أبرز سمات الرواية تصويرها للمناظر الطبيعية في إنجلترا في ثلاثينيات القرن الماضي، حيث استخدم أورويل صورا حية ولغة غنائية لاستحضار المشاهد والأصوات والروائح في البيئات الحضرية والريفية التي يصادفها بولينج في رحلته، من خلال ملاحظات بولينج، نرى آثار التصنيع والتحديث على الريف، وكذلك الاغتراب والاضطراب الذي أحدثته هذه التغييرات في حياة الناس العاديين.

تكونت الرواية أيضا من ثيمتين رئيسيتين وهما ثيمة الحنين إلى الماضي وثيمة الهوية، في الأولى نجد بولينج مهووس بذكريات طفولته في الريف الذي يعتبره أبسط وأكثر شاعرية من المدينة، ليكتشف أن الواقع بعيد كل البعد عن ذكرياته الرومانسية، تم استبدال القرية القديمة ببلدة صناعية حديثة، فيما مات الشخوص الذين عرفهم من قبل، ورحل الباقين عن منازلهم. تعد ثيمة الحنين هذه مهمة لأنها تعكس الرغبة المستمرة للإنسان في الهروب من تعقيدات وشكوك الحاضر والبحث عن الراحة في الماضي.

الثيمة الثانية هي البحث عن الهوية، حيث يكافح بولينج لتحديد هويته كرجل في منتصف العمر في عالم سريع التغير، لم يعد هو ذاك الشاب الذي اعتاد أن يكون، لكنه أيضا ليس مستعدا لتحمل مسؤوليات منتصف العمر، يشعر أنه محاصر بسبب وظيفته وعائلته ووضعه الاجتماعي، ويتوق إلى شيء أكثر أهمية، هذه الثيمة مهمة لأنها تعكس حاجة الإنسان لاكتشاف الذات والبحث عن الهدف والوفاء له.

هناك ثيمة ثالثة أخرى رافقت السرد الروائي بشكل أو بآخر وهي ثيمة القلق وعدم الارتياح، حيث كان أورويل يكتب في وقت كانت توترات الحرب فيه تتصاعد بين بريطانيا وألمانيا النازية، وكانت تحذيرات أورويل للصراع الوشيك واضحة في جميع أجزاء الرواية. تجسيدا للشعور بعدم الارتياح والقلق الذي كان سائدا في إنجلترا في ذلك الوقت، حيث كان الناس على دراية بتهديد الحرب التي تلوح في الأفق ولكنهم عاجزون عن إيقافها.

استخدم أورويل أسلوبا ساخرا لإبراز سخافات الحياة العصرية وأوهام الشخصيات، وكما هي عادته يستخدم السخرية والفكاهة والمبالغة لفضح عيوب الشخصيات ونقاط ضعفها، وتحدي افتراضات القارئ حول المجتمع. على سبيل المثال، صوّر أورويل شخصية السيد رافيلستون - المفكر الاشتراكي - على أنه منافق يعيش حياة برجوازية مريحة بينما يبشِّر بفضائل الاشتراكية، هذا الأسلوب الساخر أحد أساليب أورويل في فضح تناقضات ونفاق السلوك البشري أو سلوك المؤسسات، هذا الأسلوب الناقد للذات هو نقطة مرحب بها، لإيجاد نوع من التوازن مع الجوانب الأكثر قتامة في الرواية وكأنما يستخدم أورويل الفكاهة للتأكيد على سخافة الحياة وعبثية البحث عن الأصالة في عالم متغير باستمرار.

كُتبت الرواية بأسلوب نثري مميز يتسم بالوضوح والدقة كعادة كتابات أورويل، التي تأتي دائما بلغة واضحة وجمل مباشرة بسيطة وفعالة في نقل أفكار الشخصيات وعواطفها، فضلا عن فعاليتها في نقل السياق الاجتماعي والثقافي إلى متن منتجه الإبداعي، هذا الأسلوب يعكس التزام أورويل بانتهاج خط كتابي يمكن لجميع القراء الوصول إليه، بغض النظر عن مستويات تعليمهم أو خلفياتهم الثقافية.

في الختام، كتابات أورويل حادة وذات بصيرة، وشخصيات رواياته قابلة للتواصل وإنسانية لحد مفرط، حيث تجد في هذه الرواية تحديدا شهادة على سطوة الذاكرة وأهمية الارتباط بالجذور، مع تحذير من مخاطر الاستسلام للتقدم والحداثة، وفي نظري هي رواية يجب أن يقرأها كل محب للأدب الكلاسيكي ويبحث عن ملاذ من ضغوط الحياة العصرية، حيث إنها تحمل تذكيرا قويا بأهمية أن نبقى صادقين مع أنفسنا في عالم يبدو غالبا أنه مصمم على تجريدنا من إنسانيتنا، بالإضافة إلى أنها – وكعادة روايات أورويل في استشراف المستقبل وتنبؤاته التي تحققت - تعالج القضايا ذاتها التي نعيشها اليوم، حيث لا تزال الموضوعات والأحداث التي تم استكشافها في الرواية ذات صلة بالموضوعات والأحداث ذاتها، التي نعيشها اليوم وتعكس الكفاح البشري الخالد للتصالح مع الماضي والحاضر والمستقبل في وقت يسود فيه التشظي نتيجة التقنية.

رواية «شيء من الهواء المنعش» وهو في رأيي أقرب ترجمة لعنوان الرواية الأصلي (Coming Up for Air)- هي تأمل في طبيعة الذاكرة والبحث عن الذات في عالم يزداد تعقيدا وتفتتا وتعلو فيه وتيرة التوتر بين الحنين إلى الماضي الضائع والحاجة إلى مواجهة الحقائق القاسية للحاضر، من خلال رحلة بطل الرواية بولينج، الذي رأى أنه لا يمكن استعادة الماضي، وأن البحث عن الأصالة ليست سوى عملية محفوفة بالمخاطر ومؤلمة في كثير من الأحيان.