ثقافة

أحمد عبد اللطيف: طموحي كتابة رواية ابنة الثقافة العربية وممهورة بخيالها وأسئلتها

03 أبريل 2026
03 أبريل 2026

في رواية "أصل الأنواع" التي وصلت إلى القائمة القصيرة للبوكر 2026 يمزج الكاتب المصري أحمد عبد اللطيف بين العالمين الواقعي والفانتازي، حيث تجد نفسك في القاهرة بأحيائها المعروفة مثل حي المنيل، لكنها قاهرة غريبة يفقد فيها الناس أعضاءهم، وينهض فيها الأموات ويسيرون جنباً إلى جنب مع الأحياء.

يتحدث صاحب "صانع المفاتيح" و"عالم المندل"، و"كتاب النحات"، و"إلياس"، و"حصن التراب" و"سيقان تعرف وحدها طريق الخروج" و"عصور دانيال" و"مملكة مارك زوكربيرج وطيوره الخرافية" في هذا الحوار عن فلسفته في الرواية ويجيب عن أسئلة تتعلق بالقاهرة التي أعاد رسم جغرافيتها ومصائر شخصياته ويبوح بطموحه لأي رواية يكتبها.

ما دلالة استيقاظ الأموات وسيرهم في شوارع المدينة؟

- أحب أن تكون دلالات الرواية مفتوحة لتأويل القارئ؛ لأني أظن أن اللغة أكبر من مستخدمها، ولأني أظن كذلك أن الدلالة المفتوحة واحدة من ألعاب هذا النوع من النصوص.

لقد حدث في أعمال سابقة أن أدهشني القراء بقراءات متعددة التأويلات لمشاهد أو فصول، ولعل ذلك ما يسعى إليه المجاز في وظيفته البلاغية.

أتذكر مكالمة طويلة من الناقد الراحل د. جابر عصفور سألني فيها عن البطل في رواية "صانع المفاتيح"، وإلى مَن يُرَد، والحقيقة أني فضّلت عدم الإفصاح لسبب يبدو لي وجيهًا: أن غموض الشخصية أو الحدث، ها النوع من الغموض الذي يحيل إلى الواقع، أحد العناصر الرئيسة في العمل الأدبي.

لماذا اخترت حي المنيل ليكون المسرح الصغير الذي تتشابك فيه مصائر الأبطال الثلاثة رام ويحيى وبتشان؟

- أولًا لموقعه الجغرافي، قربه من القاهرة الإسلامية وانتماؤه لها من ناحية، والقاهرة الخديوية من ناحية أخرى؛ كذلك لأنه يجمع ما بين الحي الراقي والشعبي، ما يجعل تداخل الطبقات فيه واردًا دون فواصل. وأنت في حي المنيل تشعر بروح القاهرة المحاطة بالنهر والمقابر، بالحياة والموت، بهذه الصلة الوطيدة بالمدينة ونزهاتها ومطاعمها وبائعيها، وتلمس تحولاتها عن قرب. ولا تنسَ أن المنيل حي إسلامي، أسس فيه المسلمون الأوائل مقياس النيل وحملت شوارعه أسماء إسلامية.

ثمة سبب آخر شخصي، وهو أن عائلة أمي من الحي نفسه، وأنا عشت فيه لسنوات، ورغم أنه تغيَّر وصار أكثر ازدحامًا إلا أنه لا يزال في ذاكرتي كحي مثالي للعيش.

هل تعكس التحولات الجسدية المخيفة في كتاباتك فقداناً للهوية أم أنها عقاب جماعي للمدينة؟

- لا يخطر ببالي -عادةً- أثناء الكتابة ولا بعدها، أن أعاقب شخصياتي، لكني نعم أرصد تحولاتهم، أفكّر فيهم كأفراد بائسين عليهم أن يصارعوا وحشًا يسمى الحياة والواقع، بالقدر نفسه أتأمل المدينة، وكيف يمكن أن تكون كائنًا حيًا، فتغدو العلاقة بينها وبين ساكنها علاقة الرحم بالجنين. بذلك يمثل هذا الفقد أزمة هوية، هوية تبدأ فردية ثم تستحيل جماعية

شخصية رام مهندس يشرف على هدم المقابر ثم يفقد جثمان حبيبته.. هل يمثل رام الصراع بين الواجب الوظيفي والتمزق الإنساني أمام ضياع الأحباء ونبش رفاتهم؟

- رام يمثل عدة صراعات، منها صراعه ما بين القديم والحديث، الوظيفة والواجب في مواجهة الذكرى والتاريخ، لكنه في سياق آخر يمثِّل الحب الأبدي والحب السائل، بتعبير ياومن، ويمثل الرجل الشرقي بحيرته أمام ما يعتنقه فكرًا وما يستطيع تجاوزه على أرض الواقع. غير أن رام يمثل شيئًا آخر: إنه مسيح القرن 21. مسيح بلا رسالة ولا دعم إلهي ولا نية لتكوين دين وجماعة وحواريين. مسيح فردي يعلم أنه أمام آلة قاتلة تشبه الأمبراطورية الرومانية، ويقرر أن يواجهها بمفرده، مع علمه أن الثمن حياته ذاتها. لكنه في كل ذلك، لا يدعي قدسية ولا يسعى لثورة، أراد فحسب أن يقول كلمته ويرحل. بذلك، هو نفسه يمثّل تحولات المدينة، في انتقاله من الحب الراسخ للحب العابر، وفي كمال الجسد ثم انهياره، وفي الصَلب ثم التلاشي والبقاء كأسطورة تُستدعى.

في الرواية وباء يصيب العاديين ويستثني الأسياد.. هل هي إشارة إلى أن التهميش يجعل الأجساد أكثر عرضة للتآكل والتحلل؟

- التهميش يفعل ذلك، إذ يضرب الهوية في مقتل. لكن الأسياد، بالإضافة لذلك، يعرفون كيف يتجنبون الخسائر، شأنهم شأن الجنرالات في الحروب يجلسون في غرف القيادة المحمية فيما يواجه الجنود الرصاص بصدور مفتوحة. وفي "أصل الأنواع" فقدان شيء في مكان يعني نموه في مكان آخر، وهي أيضًا نظرية فيزيائية، فالأشياء لا تختفي بل تتحول. وفي مقابل فقدان إصبع هنا، تتضخم أصابع هناك. كأن المادة في الكون محدودة، إن زاد ثراء الأثرياء زاد فقر الفقراء، وكلما كبرنا وهرمنا زاد أبناؤنا شبابًا. هكذا فالتوازن ما يضمن للحياة أبديتها ويضمن للدول بقاءها. لاحظ هنا أن المدينة القديمة تلفظ أنفاسها الأخيرة، ما يعني أن سكانها يودِّعون ماضيهم ويغادرون تاريخهم إلى مستقبل لا يعرفونه. وربما هذا التخلي التام ما قد يسمح بحياة جديدة حتى لو كانت حياة مختلفة عما نعرفها.

يحيى الحافي هو الوحيد الذي أبدى ردة فعل إيجابية بافتتاح محل أحذية.. هل ترى في "التكيف" مع الوباء نوعًا من المقاومة أم هو استسلام للواقع الجديد؟

- الحقيقة أن الشعوب القديمة ذات الإرث الحضاري الطويل تتميز -دون وعي ربما- بالقدرة على التكيف وتبديل الجلد، بهذه المرونة التي تسمح لهم بالتفاوض مع الواقع. يأتي ذلك من تجربة طويلة مفادها أن الحياة لا تنتهي عند شيء ولا أحد، حتى لو كان الشيء فقد جزءٍ من أجسادنا. لذلك، فالشخصيات هنا لا تصعقها الكوارث بقدر ما تثير سخريتهم وضحكهم، كما في حالة بتشان، أو تدفعهم لحلول عملية، مثل الحافي وفاتن. في مصر، كم مرة غرقت البلاد بفيضانات، كم سنة وقعت تحت احتلال وواجهت بنادق، كم حربًا خاضت وكم هزيمة، كم مجاعة. مع ذلك، كانت الكوارث دافعًا للتمسك بالحياة والتلوُّن. إنه نوع من الدهاء، معرفة حجم الموجة ومدة الاختباء بداخلها.

لماذا غابت علامات الترقيم تماماً عن الرواية؟ وهل كنت تخشى أن تقيد هذه العلامات تدفق الطوفان اللغوي الذي اعتمدته؟

- كانت فكرة الرواية بالأساس العودة إلى أصل كل شيء، بما في ذلك العودة إلى أصل اللغة العربية الخالية من علامات الترقيم؛ وفي الوقت نفسه التعامل مع هذه العلامات باعتبارها أطرافاً تفقدها اللغة بالتماهي مع الأطراف التي يفقدها الأبطال. ربما فكرتي عن فن الرواية هو ذاك بالتحديد: أن يقول الشكل ما يكفي عن المضمون، وعدم التعامل مع الشكل باعتباره حلية جمالية فحسب. أعترف لك أن طموحي الروائي كتابة رواية عربية، ابنة هذه الثقافة، نابتة من أرضها، ممهورة بخيالها وأسئلتها ومخاوفها، بتراثها السردي ومستقبلها الغائم، بأحلامها ورؤاها وسحر واقعها وغرابته، بل وبتناقضها وثنائياتها. ولعل اللغة أحد عناصر تحقق هذا الطموح.

بدأت حذف علامات الترقيم في أعمال سابقة.. كيف تحقق بهذا الأسلوب الإمتاع الأدبي وفي نفس الوقت لا تزعج القارئ؟

- ربما علامات الترقيم ما لفت انتباه القارئ أكثر، لكن بالإضافة إليها تخليت عن أدوات الوصل، وفي كثير من الأحيان استخدمت المنكّر واستبعدت المعرَّف، واستخدمت التكرار اللفظي كحيلة أسلوبية. لو اتفقت معك في أن القارئ وجد متعة في القراءة، فأظن أن السبب متعتي أنا أثناء الكتابة، والحقيقة أني أرى أن الأدب يجب أن يكون ممتعًا، وأن جودة العمل ومتعته لا يتناقضان بل يتكاملان.

هل ترى أن القارئ بحاجة إلى نَفَس طويل أو مهارات خاصة لكي يواكب سرعة السرد التي لا تسمح بالتوقف أو التأمل؟

- لا يحتاج القارئ إلى مهارات خاصة ولا، بالطبع، إلى نفس طويل. يحتاج فحسب إلى الاستسلام لطبيعة النص والارتحال معه، يحتاج إلى الدخول إليه دون توقع مسبق والتفاعل مع إيقاعه. وهذا بالتحديد ما سمعته من الكثير من القراء، أنهم استغربوا اللغة وإيقاعها في البداية ثم تذوقوا النص بما يمليه عليهم إيقاعه.

ما الدلالة الرمزية لصلب رام في نهاية العمل؟ وهل التحرر الذي ناله الأبطال كان حقيقياً أم مجرد وهم وسط مدينة من الأموات؟

- رام، يتناصّ مع المسيح في جزء من حياته. وهذا الصلب يعني، في الزمن الحديث، مجرد التضحية فحسب دفاعًا عن مبدأ حتى لو كانت التضحية بلا أثر ولا أتباع ولا أسطورة. الأبطال هنا يتحررون بالفعل، لكنه ليس التحرر المؤدي لصلاح الحال، بل الاستعداد لطور جديد من الحياة، كأنهم يتخلون عن إرثهم الثقافي والمعرفي ليدخلوا العالم الجديد بسجيتهم الأولى.

كيف ترى استقبال النقاد والأدباء للعمل وماذا يمنحه وصولها إلى القائمة القصيرة للبوكر؟

- ساهم وصول الرواية إلى القائمة الطويلة ثم القصيرة في التفات قراء بعيدين إليها، ولعل ذلك أفضل ما تقدمه جائزة. والحقيقة أن تلقي القراء والنقاد لها كان حسنًا فوق توقعي، إذ ثمة لحظة ندفع فيها العمل إلى الناشر، تليها لحظة ندم لا نتجاوزها إلا بسماع آراء القراء. على أي حال، الرواية الآن تواجه مصيرها وأنا أتابعها كمغرم سابق لا يملك إلا التتبع.

Image