ثقافة

أحمد قعبور مكتمل البدايات

02 أبريل 2026
02 أبريل 2026

لم يكن قد أكمل عشرين ربيعا حين لحّن وغنّى إحدى روائع الغناء العربي، التي ألهبت الجماهير من المحيط إلى الخليج، فكان أن لبّت الأمة بمشاعرها ذلك النّداء، الذي امتزج فيه الفنان اللبناني أحمد قعبور بالشاعر الفلسطيني توفيق زيّاد. 

لحّن أحمد قعبور قصيدة «أناديكم» عام 1975 بعمق البساطة، من داخل النفس الإنسانية الوطنية، فما لبثت أن انتشرت كالضياء، فلا تكاد تتمشى في شوارع بلادنا، إلا وتصاحبك الأغنية، من بيت إلى بيت، ومن متجر إلى آخر، ومن مقهى إلى ساحة ومدرسة وجامعة، فها هو يبدأ بلحن النداء: 

أناديكم وأشدّ على أياديكم.. 

وأبوس الأرض تحت نعالكم 

وأقول: أفديكم 

ثم لنشعر بالحنان والحب في اللحن البسيط العميق وهو يحنّ على من يناديهم هناك في الوطن: 

وأهديكم ضيا عيني ودفء القلب أعطيكم 

فمأساتي التي أحيا نصيبي من مآسيكم. 

ويكاد الغناء يكون سردا مونولوجيا جميلا، 

فغنّى بما يشبه النداء الداخليّ في النفس: 

أنا ما هنت في وطني ولا صغرت أكتافي 

وقفت بوجه ظلّامي يتيما، عاريا، حافي 

حملت دمي على كفي وما نكست أعلامي 

وصنت العشب الأخضر فوق قبور أسلافي 

في ظل ذلك يرتفع الصوت بما يشبه التحدي: 

وقفت بوجه ظلامي يتيما، عاريا، حافي 

تساءل كثيرون، كيف استطاع تلحين هذه القصيدة من الشعر الحرّ وهو في أول حياته الفنية؟ 

تلك عبقريّته! 

هذا جواب مقترح على السؤال؛ فليست هناك إجابة مهنيّة، بل إجابة إبداعيّة، وهي إجابة محتملة، تأتي في سياق إبداع عدد من الفنانين من رسامين وشعراء وملحنين وأدباء، فهكذا كان الراحل بليغ حمدي وتوفيق الحكيم وجبران خليل جبران، حين أبدعوا وهم دون العشرين، وآخرون. 

كان أحمد قعبور ابن 9 سنوات حين كتب محمود درويش عام 1964 «سجّل أنا عربي»، و10 سنوات حين كتب سميح القاسم «لن أساوم» عام 1965، أما عندما كتب توفيق زيّاد «قصيدة أناديكم» عام 1966 فكان أحمد ابن 11 عاما، فلم يكن يدر بخلد الطفل بأنّ حياته سترتبط بهذه القصيدة وفلسطين القضية الأكثر نبلا، ولا درى توفيق زيّاد بأن قصيدته ستصير على لسان الملايين، شعارا ثوريّا وسلوكا مقاوما. 

وتتجلى العبقرية في الشعر كما التلحين، ولعلنا نختار أغنية «يا رايح صوب بلادي» التي غناها وكتبها عام 1982: 

يا رايح صوب بلادي دخلك وصلي السلام 

بلغ أهلي وولادي مشتقلن رف الحمام 

سلي أمي يا منادي، بعدا ممنوعة الأحلام 

وقلها أياما ببالي، والله بتعزّ الأيام 

بدأ القصيدة الغنائية بنداء للذي يتجه نحو الوطن المحتل في جنوب لبنان وفلسطين، بتبليغ سلامه للأهل الذين يعانون من حريّة الحلم، مؤكدا أنّ الابن، بما يمثّله من الجيل الجديد، وفيّ لذلك الوطن الذي يسكن الأمّ ويسكننا جميعا في الأرض المحتلة والمنفى. 

ثم يتابع أحمد قعبور الشاعر الغنائيّ هنا، مركّزا المناداة على من هم في محيط نهر الليطاني والنبطية والخيام، وهنا لربما يتجلّى الخطاب- النداء، بشكل حميميّ، للأهل في القرى اللبنانية الحدودية، المطلة على فلسطين، والتي يوجد بها اللاجئون الفلسطينيون، فكأنه يكتب رسالة يبلغ فيها السلام للأهل. وهو هنا بكلّ بساطة وعفوية يذكر الحاج محمد المشتاق للأهل والرفاق، والذي لا ينام شوقه للبلاد ولمّ الشّمل: 

ويا رايح صوب الليطاني دخلك وصلي السلام 

صبح أهالي النبطية وطل شوية ع الخيام 

وقلا أنه الحج محمد مشتاق لأهله ورفقاته 

بحي السلم ما اتهنوا، اشتاقت عينه لتراباته 

قلها عيونه نامت لكن صاحي قلبه ما بينام 

ويتابع هذا الحنين الشجن، في مناداة الذاهب نحو «كفر متى»، متتبعا أماكن متفرقة من لبنان، رابطا تبليغ السلام «لغيمات كفر متى»، وإعلام تلك الغيوم عن الفتاة الصغيرة التائهة عن الأهل، والتي تحتاج الحنان والأمان: 

ويا رايح صوب كفر متا دخلك وصلي السلام 

وبلغ غيمات كفر متى واصلها رف الحمام 

وقلها عندي بنت صغيرة ع التلة نسيت شالا 

عن أهلها سألتها وعن بيتها، بتحكي وما بتعرف حالها 

يابا ضاعت وصلت لكفر متى غنولها شوية تتنام 

ويختتم قعبور بالطّلب من المتجه نحو «المنارة»، 

حيث يختتم هنا بالحنين لملاعب الطفولة والأمل بالبقاء المتجلي رمزا في شجرة رمان يوصيهم بحنان بإروائها: 

ويا رايح صوب المنارة فتشلي عن حرش العيد 

وبالعالي طير طيارة وقلي وين صار القرميد 

إيه ونادي كان في عندنا ساحة نلعب فيها من زمان 

ونادي كانت حول بيوتن حلوة أشجار الرمان 

قطعوها وبقيت واحدة، اسقوها شوية حرام 

حملت أغاني أحمد قعبور سيرة حياة فلسطين، وهكذا فإنّه قدّم لنا رائعة «يا نبض الضفة»، وهي من شعر حسن ظاهر، التي صارت نشيدنا، منذ عام 1976، والتي خلّد من خلالها استشهاد الطالبة لينا النابلسيّ في نابلس، التي أطلق عليها محتلّ الرصاص بدم بارد من مسافة صفر. 

تميّز قعبور بشعورين ظهرا في ألحانه وصوته، وهما الرقّة والحنان، والقوة الثائرة، حيث تبادلا الظهور في الغناء، فهو يحنو حين يكون هناك الشعب، وهو يقسو على الاحتلال. كانت الأغاني آهات وطلقات صادحة، ظهر ذلك في أغانيه، ومنها «ارحل» و«لاجئ». 

لقد افتتح الفنان الكبير «أبو عرب» من الجليل الغناء للعروبة ولفلسطين منذ الخمسينيات، ثمّ الشيخ إمام بمصر، ثم لينضم في السبعينيات الفنان اللبناني مارسيل خليفة، والسوري سميح شقير المنتمي للجيل نفسه الذي ظهر في السبعينيات مثل أحمد قعبور، ومبدعو فرقة صابرين في القدس المحتلة، بقيادة الفنان سعيد مراد، والفنانة كاميليا جبران. 

تحسين يقين كاتب وناقد مقدسي، يهتم بالأدب والفن والحقول المعرفية