facebook twitter instagram youtube whatsapp
No Image
ثقافة

دفترُ المُعَلّم حميد بن سالم البوسعيدي .. مدونةٌ ثقافية بصفته شاهد عيان وناسخا عاش تحولات النصف الثاني من القرن العشرين

14 سبتمبر 2021
كتابات عُمانية مُبكرة (41)

- الدفترُ حَوَى قصائدَ مُوَثِّقة لأحداثٍ اجتماعية وتجارب شعرية

- رصد المعلم ُواقعَهُ ونقلَ من رواته الثقاة، ومن مجالس الشعر و(برزات) القضاة إنتاجًا فكريًّا ومعرفيًّا مغمورا

- قصيدة (البغيُ سيفُ القاتل) للقاضي خالد البطاشي تمثل أهم ما في دفتره

- تدينُ الأجيالَ الاجتماعية في ولاية إبراء للمعلم حقِّ التلمذة والتنشئة والتكوين العلميُّ ونقش الكلمات بماء الذهب.

في الثالث من مارس من عام 2016م جمعني لقاءٌّ استثنائيٌّ فريدٌ بالمُعلم مربّي الأجيال ومرصّع الحروف والكلمات في أفئدة وأنامل تلاميذه الفاضل الوقور حميد بن سالم بن خميس البوسعيدي (1927- 2016)، وذلك في منزلة بحلة (السيّاح) بعلاية إبراء.. كان الرجلُ وقتها في قرابة التسعين من عمره رجلٌ على فراش المرض الأخير، مفعمٌ بالتفاؤل والحبّ والاعتزاز بمن عرفهم وعاش بين ظهرانيهم، فلم يتمالك من ترديد هَمْهَمة الافتخار بهم، ودموعُ عينيه تسيلُ حسرةً على فراقهم، فقد انقضى عهده بهم وبقي لسان حاله يردد البيت الشهير:

ثمَّ انقضتْ تلك السنونُ وأهلُها

فكأنَّها وكأنَّهم أعلامُ

حملَ لقائي بالمعلم شجنّا ما بعدهُ شجن وأثَّر في نفسي وبقي تأثيره حتى هذه اللحظة لم تمحه السنون، ولم يفارق مخيلتي، فالرجلٌ بقية من بقايا السلّف الصالح وذخيرة من ذخائرهم.. يمضي أيامه الأخيرة جسده النحيف، شبه مشلول، لا حراك له إلا من صوتٍ خفيف خافت مبحوحٍ تخرج منه الكلمات بصعوبة فلا تكاد تسمعها أو تفنّدها ومع ذلك كان صبور علينا متفائل معنوياته عالية رحّب بنا ترحيبًا غير عادي، وأنزلنا منازلنا من التقدير والاحترام عندما عَلم بمقدمنا وبأنَّ غايتنا العلم وهدفنا المعرفة...

أمَّا عقله ـ وقت لقائي به ـ فما زال حاضرًا يمتلأ علمًا وفكرًا وأدعية وتراتيل لسور من الكتاب العزيز، إضافة إلى ذاكرة (فلاذية) محملة بعبق السنين والتاريخ وذكرى الأمس الغابر حين كان هو في محيطه (الإبرائي) الكاتبُ والقارئ والناسخ والمعلم ومقيم الصلوات الذي يملأ المجتمع ضجيجًا محمودًا وإشراقًا مقبولاً.. تحجُّ إليه الناس لترتوي من فيض علمه، وجودة فنه، وجمال خطّه... وأدعيته التي يصبغها على جلاسه.

رغم ذلك الحال الذي وجدته عليه في ذلك اللقاء الثقافي، فقد كانت الجلسة ممتعة؛ لأننا أمام رجلٍ يمثل ذاكرة مرحلة والحديث فيها ذو شجون تكسب راحة وتنفيسا، فهو بمثابة البوح الأخير الذي استفاض فيه، فأخذ يتلوه بغمغمة مستذكرا شجون الأمس حينما كان حيويًّا ونشيطًا، ويقطع دروب القرى مشيًا على رجليه ليصل إلى مدرسته، أخذ يتلو علينا ذكرياته بحسرةٍ وتأس ورضى بقدر الله، وكانت أولى كلماته عن شخصيات عرفها وعاش في كنفها واستظل بظلالها وكان الشيخ هاشل بن راشد المسكري والشيخ ناصر بن سالم المسكري والشيخ علي بن سليمان الإسماعيلي والشيخ ناصر بن علي المغيري وقبلهم الشيخ سيف بن علي بن عامر المسكري أولى الشخصيات التي أخذ يعصف بفكره عنها ويكشف عن مسارات حيواتها عصفا ودموع العين تفيض على وجنتيه.

منذ خمسينات القرن العشرين، ومدرسة المعلم حميد تخرج أفواجًا من الطلاب تتوالى على قرى ولاية إبراء وأحوازها، ولاسيَّما قريتي العلاية والنصيب والحزم، أفواجٌ حملت على عاتقها مشعل التنوير والإصلاح الاجتماعي، فأثَّرت بمقدار ما تحصَّلت عليه من علمٍ ومعرفةٍ، وكانت محصلتها حراكًا علميًّا نافعًا دخلت بفعله معترك الحياة بكلّ اقتدار وتجلّ، وكان شعارها تأكيد المبادئ والقيم والأعراف أولا قبل تلقي العلم، كما كان همّها غرس العادات الكريمة، والمُثل الأصيلة والتربية وترسيخ الأخلاق في نفوس الناشئة، كيف لا وهي التي عملت بمقولة المجتمع الرائجة التي يرددها ولي الأمر للمعلم: "اقلع للتلميذ عينه، وأبقي لي عينه الأخرى" ولكن المعلم حميد لم يكن قالعًا لأعين الصبية؛ بل مفتحًا لأبصارهم، لذا اضطلع بمهمة التعليم الهادئ المرن مثله مثل أقرانه المستنيرين في المجتمع، مقيمًا مدرسته التي ورثها عن أبيه المعلم سالم بن خميس البوسعيدي، وتعلّم على يديه رجالات علاية إبراء الأوائل من أمثال: عامر بن محمد بن سليمان المسكري، وعبدالله بن زهران بن زاهر المسكري، وعبدالله بن محمد بن حميد المسكري، وسعيد بن زهران المسكري، وأيضًا بعض رجالات قرية النصيب من مثل: ناصر بن سعيد بن سيف الإسماعيلي، وسعيد بن محمد بن جمعة الكندي، وحمد بن حبيب المسكري وعلي بن سالم المسكري وغيرهم الكثير.

إن هذه الكوكبة من الطلبة الأوائل أصبحت أسماءً متحققة ومعروفة في المجتمع، وكان لها الدور الفعال في الحراك الاجتماعي، لذا يمكن القول: إن توارد مدرستي الأب والابن معًا في وقتٍ واحد أو قل متقارب- كان مبعثاً للأمل الوطيد لانتشال المجتمع من ما ران فيه من أشكال الأمية والتخلف والجهل، رغم أن طريقة التعليم التي انتهجها الوالد والابن معًا كانت بسيطة ولا تتعدى تلقين الصبية آيات مُحكمات تعينهم على أداء فرائض الصلوات و فك الخط ، وكتابة الرسائل وحفظ قصار السور، والتثقف بأبجديات الشعر العربي وقراءة قصائده الرنانة التي كانت تبهج النفوس في المجالس العامة، وفي حفلات استقبال عِلْيَة القوم ووجهاء السياسة والحكم آنذاك.

اكتسب المعلم حميد مهارة فائقة في كتابة الخط والتعليم من والده، ومن شقيقه الكاتب سليم بن سالم بن خميس البوسعيدي، الذي وصفه لنا بأنه "أديبٌ وقارٍ مجوّد"، وقد وجدنا نقش قلمه لقصائد خطّها في دفتر الشيخ هاشل بن راشد المسكري، وهي لشيخ البيان أبي نذير ابن شيخان السّالمي وقد نَصَّ في مقدمتها بلازمة "اسمه سليم"؛ منها: "خليلي ما للنفس هاج غرامها ..." و"لا يزال الحق فينا مذهبا" و"في نور طلعته أو نار وجنته.." و"ما القلب إلا من تقلب داؤه" و "طلعة شمس أم مبادئ جماله" و"ربَّ جانب السَّفح أوطار وأوطار" و"حبّ الغواني عن البلدان أغناني" ويبدو أنه في نسخه للقصيدة الأخيرة قد حرّف كلمة الغلمان فحولها إلى (البلدان) مراعاة للقيم التي تنبذ الغزل بالمذكر وتحرمه، فورد البيت إثرها بالصيغة التالية:

حبّ الغواني عن (البلدان) أغناني

وذكرهن جميع الناس إنساني

ونحن إذ نرد ذلك لا ندري من أيّ مصدر متحها واستمدها، فكلّ قصائد ديوان ابن شيخان تردها بأصلها "الغلمان"، ولعله في ذلك تصرّفٌ حَسَنْ منه، أو أنه وجدها في أصل إحدى القصائد المنسوخة، فأثبتها على حالها دون تغيير.

البيئة الاجتماعية والعلمية

تتجلَّى البيئة التعليمية في المنطقة التي عاش فيها المعلم بخصوبتها فهي حُبْلَى بالعلم ومدارس التعليم، فولاية إبراء حاضرة علمية في منطقة شمال الشرقية، وفيها من المعلمين الأكفاء ما يبعثُ على القول إنها بيئة خصبة للعلم والمتعلمين، وكان قطبي الرَّحى يدور في قريتيها (العلاية) و(السفالة) حيث الجوامع والمساجد والمعلمون الذي يفدون عرصاتها، فتشبعهم علماً وتنقش في عقولهم وعيا وإدراكًا؛ لهذا كانت هذه البيئة مبعثًا لقيامه بمزاولة التعليم في ذلك الزمن البعيد الذي عزّ فيه المعلم، إذ يحكي لنا أن مدرسته تأسست أولاً في علاية إبراء بعد والده بسنوات، ثم نقلها إلى (النصيب) بمبادرة من أهلها، وقد استمرت لأربع عشرة سنة دون توقف، وكانت محصلتها تلاميذ كُثر يصعبُ علينا الآن تعداد أسمائهم فكلّ أجيال تلك القرية تتلمذوا عليه خاصة خلال الفترة الواقعة من أواسط الخمسينات حتى منتصف السبعينات من القرن العشرين، وها هو المعلم حميد بن سالم اليوم ينحني إجلالا لمهنته بمثل انحنائه لحياته الطويلة التي قدر لها أن تطول وإن كابدها المرض والمعاناة،- ووهج لسانه يلهج بتفاصيل تلك المدرسة، الممتد مكانها بين مسجد (الخشبة) في علاية إبراء، و(بيت خلفان بن حاكم) في قرية النصيب، وبينهما بون واسع، وذكريات عامرة بتفاصيل الأحداث الواقع، يحدثك عنها المعلم بصوته المبحوح الذي عركته السنين، وجعلته مجردَ جسمٍ ضئيل ناحف وصوتا ثاويا لا تكاد تسمعه، ويقول لك: إن مدرستي دَرَسَ فيها فلان وفلان وكانت كذا وكذا وكذا، وحَدَث فيها الحدث الفلاني وساعدنا الشيخ فلان، ويكاد لا يمل من ذكر التفاصيل تلو التفاصيل.

يعضدُ الدورَ التربوي للمعلم حميد كأي معلم تقليدي – دورٌ تثقيفي آخر، تجلى في نسخ مقتطفات من الكتب الفقهية، وقصائد الشعر ونتفٍ من القصص والحكم التي جمعها من مصادر التراث العربي، ومن أفواه الرواة والحَفَظة، لهذا حصلنا على دفاتر كتبها المعلم حميد البوسعيدي للشيخ هاشل بن راشد وللشيخ علي بن سالم المسكري ولغيرهما، دفاتر تحمل هذه الموضوعات، ومن المعجب فيها حُسنُ خطّه وجودة سبكه، ودقة ربطه، وإحكام جمله، ونحن نعدّه بذلك من أفضل النسَّاخ المحليين على الأقل وقته وفي محيطه، فلم نكد نجد من يضاهيه في هذا الشأن. أضف إلى ذلك قيامه بكتابة الرسائل والرد على المخاطبات الواردة إلى جماعته في ولاية إبراء، فهو يمثل بذلك في تقديرنا؛ مثقفُ المجتمع ورائد للنسخ والمعرفة بعد غياب الأوائل لا ينافسه في جودة الخطّ إلا بنو شيبان الذين تعاقبوا على الكتابة المجتمعية فعرف من بينهم الشيخ هلال بن زاهر الشيباني والشيخ عامر بن قيس وآباؤهم وأبناء عمومتهم.

إنتاجه ومدونات.. دفاتره ونسخه

يحضرُ لدينا المعلمُ حميد في هذا المقال المختصر بإنتاج علمي يتجلّى في دفتره، فقد عثرنا عليه في خزانة الشيخ علي بن سالم المسكري، ويكاد هذا الدفتر الوحيد الباقي من دفاتره الكثيرة التي خطَّ فيها قصائد وقيّد في أغلفتها أحداثًا ووقائع، ويبدو أنه محصلةٌ من محصلات جهده وتميزه فلولاه لما استطعنا أن نحبر عنه أسطرًا، وهو – على كلِّ حال - صورة كاشفة لمستواه التعليمي الذي حمله، ويمكن النظر إليه من النواحي التالية:

أولا: شكله وإطاره: هو دفتر بحالة جيدة متماسكُ الأوراق مجلد تجليد سميك مُقوّى من القطع الصغير، كُتب بلونين أسود وأحمر قانٍ، غير محبّر الأوراق فصفحاته المحبرة بلغت مائة صفحة فقط، والباقي صفحات بيضاء.

لا يحمل دفتر المعلم حميد أي تميز عن سواه من حيث الإطار المادي، فقد كتب ليقرأ في المحافل المجتمعية حين كان الدفتر عماد الثقافة، ووسيلة من وسائل البث والحفظ وتدوين أحداثها ووعاء للوقائع وتقييد ما يلم بالمجتمع فرحًا وترحًا.

يفتتحُ المعلم دفتره بمقدمةٍ ضافية على عكس كثير من الدفاتر، مقدمةٌ وجدانية بدأها بالحمد والشكر والثناء، وأشار إلى قيمة الأدب ومنزلة الأدباء، ومكانة الشعر والشعراء، والخطب والخطباء ثم بعد ذلك يشير إلى تاريخ نسخه له قائلا: "وقد ابتدأت في نسخه يوم رابع عشر من شهر ربيع الثاني سنة 1383 هـ ".

ثانيًا محتواه: جُلُّ ما في الدفتر قصائد منتقاة نقلها المعلم من ديوان الشعر العُماني، ومن المدونة العامة للشعر العربي، وفيه تحضر الأمثلة الآتية:

1 – قصيدة الشاعر الإسلامي حسّان بن ثابت:

أنسيمُ ريقكِ أختِ آل العنّبرِ

هذا أم استنشاقهُ من مَجْمَرِ؟

2- قصيدة المُسمّاة "الحلوانية" للشيخ محمد بن سعيد الحميري وهي قصيدة طويلة استغرقت من الدفتر زهاء خمسين صفحة، وطالعها يقول:

ألا حَيّ جار الحيّ من بطنِ حُلواني وحيٌ مراعيهمْ من بأكنافِ مرانِ

3 – قصيدة مُخَمّسة للشيخ محمد بن سالم الرقيشي:

سلامٌ سلامٌ كلما هبّت الصّبا

سلامٌ على من فؤادي أطنيا

سلامٌ وفي طيِّ السَّلام لهم نبا

سلامٌ على عَهدِ الشبيبة والصِّبا

وأهلا وسهلا بالمشيب ومرحبا

4 – قصيدة نشوان بن سعيد الحميري في الوعظ والإرشاد والنَّصح:

الأمر جد وهو غير مزاح

فاعمل لنفسك صالحا يا صاح

5- قصيدة ابن النظر وقد نقلها من الجزء الخامس من كتاب "الدعائم":

آمنتُ باللهِ الوهوب المُفَضّلِ

الواحُد الفردُ القديمُ الأزل

5- خطبة أبي حمزة المختار بن عوف مع الابتداء بمناسبتها، وقد ابتدأها بقوله: "أخبرنا الهيثم بن عدي الطائي قال.. دخل أبو حمزة المدينة في أصحابه وعليه قميص كرابيس وكسي مصبوغ صوف وهو معمم بعمامة بيضاء وسيف عريض حمائله الليف: قال ولم أر هيبة قط أحسن من هيبته ...".

6-قصيدة تراثية تنسب إلى أحمد بن نيّر بعد أن تلقى هديةً من أحد أشراف الشيعة، وفيها وصفٌ لفتاة تُسَمَّى (تتَرْ)، والقصيدة تتكون من ثلاثة وستين بيتا وطالعها:

عَذّبتِ قلبي يا تَتَرْ

واطرت نومي بالفِكرْ

بالمَشعَرين وبالصَّفا

والبيت اقسم والحجَرْ

وبمَنْ سَعى فيه وطا

فَ به ولبّا واعتَمَرْ

7 – قصيدة (البغيُ سيفُ القاتل) للقاضي خالد بن مهنا البطاشي وهي أهم ما في الدفتر، وقد نظمها سنة 1374 / 1954 م وقد صُدِّرتْ بالمقدمةِ التالية: "وهذه قصيدةٌ نظمَها الشيخ القاضي خالد بن مهنا البطاشي في وقعةِ الوادي الغَربيِّ..، وذلك لما كان نائب الإمام بسمائل ويعني (قاضيا عليها) "، وكان زمن حدوثها في ربيع عام (شغفص) أي عام 1374 هـ، تقول أبياتها:

البغيُ سيفٌ قاتلِ..

والظلمُ موتٌ عاجلُ

والجودُ أفخم َموردٍ

ولو امتراهُ النَّاهلُ

روضُ الجَهالةِ بائدٌ

لو طابَ فيه الجاهلُ

وإذا القضا حانَ انقضاه

حارَ فيه العاقلُ

8- قصيدة نادرة يوردها الناسخ لشاعرٍ مجهول، ثم يعقّب عليها آخر لعله أحد قراء الدفتر بأنها " لرجل من أهل إبراء كتب متشوقًا إليها بعد سفره من زنجبار، وهذه القصيدة مهمة جداً وذات قيمة تاريخية فيما يسمّى بوصف المدن والفخر بها وذلك إذا سلمنا بما جاء في مقدمتها، وأن المكونات الوصفية تؤول إلى ذات الاسم المكاني " ولاية إبراء، وهي تقع أبياتها في ثمانية وثلاثين بيتاً بعضها انتابته ضرورات الوزن والقافية وهنات نحوية، ونقسمها منهجيًّا إلى ما يلي:

أ‌- مقدمة استهلالية غزلية على سنن الشعر العربي: يتكون (1- 7):

بتُّ ساهي الطرفِ والليلُ اعتكرْ

وبياضُ الصّبحِ أغرى وسَفَرْ

يا عذولي لا تلمني فالهوى

سَلَبَ العقل وسمعي والبَصَرْ

رامَني ريمٌ بسهميّه رَمَى

ودعاني هائمًا بين البَشَرْ

ج – تحديد الوجهة والقصد ووصف الوجد الرومانسي (13- 14)

وجهةٌ نحو عُمانَ في السُّرى

كي تصدفْ من يلاقي بخَبَرْ

عن أُولي المجدِ أربابَ العُلى

والمَعالي والعوالي والأثرْ

د- مكونات للمكان وأهله الأبيات تأطير واقعي لمبعث القصيد (15 - 20)

جئتُ إبرا مَعْدنَ الضيفِ متى

طرقَ الرَّكبُ إذا الليلُ اعتكرْ

مــركزُ العزِّ تعالى مَجدُها

وتناهى فضلُها بحراً وبَرْ

هـ - الوصف المحدد للوجد الرومانسي والفخر على سنن القدماء (21- 29)

وأتتْ خيلي وطافتْ حولَهُ

في مقامٍ زانه نور الشجَرْ

في قصورٍ عالياتٍ سُمِّكتْ

حولها نخلٌ وتينٌ ونهَرْ

ج- الوعظ والتفكر والإرشاد (30- 33)

إيه يا نفسُ ارجعي عمّا مضى

من غرور في شبابي والصِّغرْ

واعبدي ربّ السَّماوات العُلا

فعسى تحظين منه بالظفرْ

ما تقولينَ إذا حلّ البِلى

وسطَ قبري بينَ هاتيكَ الحُفْر

وإذا ما صِرتُ في الحشرِ بدا

سوءُ ما تطوينَ من خيْرٍ وشرْ

د- الخاتمة وتتضمن الدعاء والصلاة على النبي (34- 38)

خالقي رفقًا بحالي إنني

نائبٌ مما مَضَى جهرًا وسِرْ

فانزوى حالي وعتا

جسميَ البالي وأوهاني الكِبَرْ

واقبلن معذرتي يا خالقي

إنَّني عَبْدٌ مُسِيءٌ منزجرْ

وصلاةُ الله ربّي دائمًا

لرسولِ الله ما نجمٌ زهرْ

وكذا الآل جميعًا ما تلا

آية السَّيفِ مطيعٌ مؤتمرْ

ثالثًا: خصائص محتوى الدفتر وسماته:

تتحد سمات دفتر المعلم وخصائصه بشكله ولونه ومقاسه وخطه ومحتواه رغم كونه لا يتسم بشيء مميز عن غيره من الدفاتر التي حصلنا عليها سوى تقديمه لقصائد جديدة، فهو دفتر سميك مقاسة 30 سم طولا و25 سم عرضًا، وأوراقه متماسكة، وكونه من النوادر الفريدة التي وجدناها في ولاية إبراء محيط المعلم وبيئته، وهو بما قدمه يشيُ بما يلي:

1- وعي المعلم بقيمة الشعر والشعراء ففي دفتره إشارة إلى مكانة الشعر والأدب وفي ذلك يقول: "أقدّم في كتابي هذا من حكم العلماء النجباء والخطباء الفصحاء من حكمهم وأخبارهم ومفاخرهم؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: إن من الشعر لحكمه".

2- جميع منتقيات الدفتر تراثية تحضرُ فيها منتخبات من ديوان شعر العرب غير المشهور، وتقلُّ فيه المعلقات وأبيات الغزل، وفي المقابل تكثر فيه المواعظ والحكم وما يؤول إلى الإرشاد والصلاح.

3- ترد في الدفتر قصائد الشاعر الستالي والشيخ محمد بن سالم الرقيشي وسيف بن حمد الأغبري في منتخبات متوالية، وهي قصائد معروفة ومتداولة ليس فيها جديدٌ يذكر سوى إحاطتها بالذوق العام وما ألفه المجتمع، وترجمتها بوهج شعر الوعظ والإرشاد والحكم فقصيدة الأغبري انتقى المعلم منها اثني عشر بيتًا تقع في هذا الغرض:

أخيّ استفق فالعمرُ أمرٌ مؤجل

فليس بذي الدنيا خلودٌ مؤمل

فسارع إلى المعروف وإن كنت تعقل

لعمرك ما أدري وإني لأوجل

وثابر على الإنصاف في الحق لا تمل

فليس سواه عالم والذي جهل

4- تردُ في الدفتر مقطعاتٌ في الحكم المأثورات الوعظية والحكمية، وهي منتخبة من مدونة الشعر العربي القديم بعضها للمتنبي ولابن مشرّف أخريات لمجهول، وتقع جلها في باب المواقف الفكرية والعلاقات الإنسانية وبعض النزعات الفنية، ولا تزيد أبياتها عن خمسة أبيات، وهذا دليل على أن الموضوع الشعري هو المحرك الأسمى للمعلم بعيدًا عن قائله.

وأخيرًا نشير إلى أن المعلم حميد بن سالم بن خميس البوسعيدي ولد بتاريخ 30 سبتمبر من عام 1927م وعاش عصر الوجهات القبلية، والتجاذبات، وعرف أقدم رجال المجتمع وأنقاهم، وتفاعل معهم وارتبط ببعضهم بعلاقات اجتماعية متينة، كان أهم مظاهره نسخه للنخب المثقفة كتبًا ومجاميع ذات جودة عالية، وكانت علاقته بالشيخ خالد بن مهنا البطاشي والشيخ هاشل بن راشد المسكري والشيخ القاضي سالم بن حمد الحارثي، والشيخ سعود بن سليمان بن محمد الكندي والشيخ مالك بن محمد بن حمد العبري وغيرهم مميزة في ذلك الزمن المفصلي الفارق من تاريخ ولاية إبراء.

توفي المعلم حميد بن سالم في علاية إبراء بتاريخ 21 ديسمبر من عام 2016 ودفن فيها، وما زال وهج حياته باقيًّا لدى من عرفه وتعلّم على يديه. بل لدى من قرأ شعره الشعبي أيضًا وبعض محاولاته المنظومة التي احتفظ بطرفٍ منها ابنه الصديق سالم بن حميد البوسعيدي.

أعمدة
No Image
بشفافية: نثق بمنجزاتنا
كمية كبيرة من السلبية تحيط بنا، مصحوبة بحالة من التذمر والنقد والامتعاض تغلف جدار أي حدث أو حديث أو تصريح أو مشروع، غياب للثقة في عدد من الجوانب، وتنامي الروح السلبية أكثر من الإيجابية، خاصة إذا ما زار أي أحد فضاء العالم الإلكتروني، هناك تدور رحى معركة من الانهزامية وسط...