facebook twitter instagram youtube whatsapp


الله وسؤال الحيران
الله وسؤال الحيران
ثقافة

توفيق الحكيم «حكواتيًّا»!

06 أغسطس 2022
مرفأ قراءة..

-1-

الكتابة للأطفال من أصعب المهام التي يمكن لكاتب أن يتصدى لها؛ على عكس ما يتصور الكثيرون أو يستهل البعض، وفي ثقافتنا العربية ثمة نصوص ثمينة ونادرة كتبها للأطفال خصيصًا كبار الكتاب من رواد النهضة وأعلام الفكر والثقافة؛ نصوص ما زالت حتى اللحظة تحمل -فضلًا على قيمتها الفنية والإبداعية- قيمة تاريخية وتوثيقية؛ ذلك أنها تمثل إنجازًا خاصا ومضافًا في سياق الإنجاز الكلي لهذا الكاتب أو ذاك.

فعلى سبيل المثال، سنجد ما كتبه الشاعر الراحل الكبير صلاح عبدالصبور للأطفال في كتابه النادر (حي بن يقظان) ورسوم مصطفى حسين، وصدر عن دار الشروق قبل سنوات طويلة (وسنخصه بمقال وافٍ هنا في مرفأ قراءة الأسابيع القادمة)، وما كتبه فؤاد حداد من معالجات ونصوص شعرية ومسرحية نشرت ضمن أعماله الكاملة الباذخة، ويدخل أيضًا في هذا الإطار كتابات الرائع صلاح جاهين من مسرحيات وأوبريتات وأغانٍ، ومن قبلهم جميعًا ترك أمير الشعراء أحمد شوقي ديوانًا شعريًّا كاملًا للأطفال، أجراه كله على لسان الطير والحيوان على غرار حكايات لافونتين في الأدب العالمي (وسنخصه بحديث مفصل أيضًا لقيمته الفنية والتربوية في الحلقات القادمة من مرفأ قراءة).

ومن بين أهم وأندر هذه النصوص الموجهة للأطفال، بقلم واحدٍ من أكبر كتّابنا في العصر الحديث؛ كتاب «حكايات توفيق الحكيم للصبيان والبنات» الذي صدرت آخر طبعاته عن دار الشروق قبل عدة سنوات؛ وهي طبعتها الثانية من هذا الكتاب بعد أن صدرت طبعته الأولى عنها في عام 2005، لكننا سنعرف أن تاريخ صدور هذا الكتاب يعود إلى ما قبل ذلك بقرابة ثلاثين عامًا!

-2-

الصدفة وحدها هي التي قادتني إلى ما اعتبرته اكتشافًا حقيقيا في تراث توفيق الحكيم الهائل والزاخر! فلمدة خمس سنوات كاملة عملت على مشروع ضخم لإعادة إصدار أعماله الكاملة (المسرحية، والروائية، والقصصية، والمقالية) في طبعات محررة منقحة جديدة، بالإضافة إلى تحرير كلمات الظهر التعريفية بها، وكانت تجربة رائعة أتاحت لي قراءة أعمال الحكيم وتراثه الإبداعي كله مرة أخرى، وأن أقرأه مجددا بعين فاحصة مدققة، بعد سنوات وسنوات، من قراءتي الأولى له أثناء الجامعة أو قبلها بقليل.

وأثناء إعداد القائمة الكاملة لأعماله التي تجاوزت السبعين، فاجأني عنوان غريب ضمن كتبه كأنني أطالعه للمرة الأولى، كان الكتاب بعنوان «حكايات توفيق الحكيم للصبيان والبنات»!

بالبحث والتقصي اكتشفت أن هذا الكتاب صدر عن دار المعارف بين عامي 1977 و1979 ثم زاد الأمر تشويقًا حينما اكتشفت أيضًا أنه صدرت منه طبعتان أخريان عن الهيئة المصرية العام للكتاب بين عامي 1984 و1987! إذن فهذا الكتاب معروف ومتداول ومشهور للحكيم طبع في حياته ثلاث مرات!

وبمراجعة الأبحاث والدراسات التي قدمت في مؤتمر (توفيق الحكيم حضور متجدد) والذي نظمه المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة عام 1998 بمناسبة الاحتفال بمئوية الحكيم، فوجئت ببحث كتبه المرحوم عبد التواب يوسف عنوانه «توفيق الحكيم كاتبا للأطفال»! إذن فقد كتب الحكيم للأطفال فعلا وترك نصوصا تمثل مادة تكون موضوعًا لبحث معتبر نشر ضمن أبحاث عدة رصينة تناولت جوانب إبداع الحكيم المتنوعة والمتعددة!

هذا الأمر يعد اكتشافا بكل المقاييس، فحينما يكتب علم كبير وفنان قدير ومثقف معدود من مثقفي النهضة والازدهار في الثقافة المصرية والعربية للأطفال، فإن هذا يعد اكتشافا مهما ويستحق العناية والاهتمام.

-3-

في بحثه المشار إليه، يفجر كاتب الأطفال والباحث في أدبه عبدالتواب يوسف، أن توفيق الحكيم قد اقتحم مجال الكتابة للطفل وأدب الأطفال، لا كاتبًا فحسب، بل وراويًا لما كتب أيضا بمعنى أنه لعب دور «الحكواتي» كما عرفناه في تراثنا العربي يروي القصص والحكايات والحواديت لمن هم في المرحلة العمرية بين العاشرة والثانية عشرة، وتعد هذه تجربة فريدة غير مسبوقة.

وأشار في هذا الصدد إلى ثلاثة كتب لتوفيق الحكيم للأطفال فوق سن العاشرة، ومعها كذلك شرائط كاسيت بصوت الحكيم بين عامي 1978 و1980، وهذه الكتب الثلاثة هي: «الأميرة البيضاء» و«حكايات توفيق الحكيم»، و«أهل الكهف».

وكان هذا وحده كافيا كي أعكف لأسابيع على البحث عن هذه النصوص، والعمل على إتاحتها مجددا وكتابة مقدمة تفصيلية لهذا الاكتشاف، وكان حصاد هذا الجهد ظهور الطبعة الجديدة من أحد نصوص توفيق الحكيم للأطفال؛ بعنوان «حكايات توفيق الحكيم للصبيان والبنات» الذي صدر عن دار الشروق في طبعة مزينة بالرسومات والألوان بريشة الفنان القدير حلمي التوني، ويضم ثلاث قصص؛ هي: العصفور والإنسان، المؤمن والشيطان، الله وسؤال الحيران.

أما الكنز الصوتي المصاحب لهذه النصوص فكان تسجيلًا بصوت الحكيم، يقوم فيه بدور «الراوي» لهذه الحكايات، «الحكواتي» الذي يقدم يقدم حواديته بصوته لأطفاله وأحفاده، يستهل الحكيم أداءه الصوتي للحكايات هكذا:

«يا أطفالي الصغار، أحب أن أحكي لكم حكاية أرجو أن تعجبكم.. فاستمعوا لها: إنها عن مخلوقات صغيرة تحبونها كلكم هي العصافير، هذه العصافير الموجودة في كل مكان في الدنيا، وكلها تزقزق في وقتٍ واحد، في وقت الصبح، وتخرج من أعشاشها في لحظة واحدة، لأنها كلها تلقت نداء خفيا من داخل نفسها كي تصحو من النوم».

-4-

تاريخ الكتاب، وتاريخ ظهوره لأول مرة يعودان إلى أبعد من ذلك التاريخ بحوالي ثمانية وعشرين عامًا؛ بالتحديد إلى عام 1977 حينما صدرت الطبعة الأولى من الكتاب بعنوان (حكايات توفيق الحكيم) وبدون كلمتي للصبيان والبنات عن دار المعارف بالقاهرة؛ وكان كتابا مصورًا مزدانًا بالرسوم واللوحات، وكان يضم القصص الثلاث التي كتبها توفيق الحكيم خصيصًا لأحفاده؛ بل زاد عليها أنه سجلها بصوته على شريط كاسيت -في مفاجأة كبيرة جدًا- ليوزع مع الكتاب.

ويزيد أيضًا أن الحكيم قدم للكتاب بمقدمة؛ يكشف فيها هدفه من تأليفه هذه القصص، وإلى من يتوجه بها إليه، وغايته منها... كل ذلك بسؤال استهلالي وجهه الحكيم لنفسه: لماذا أكتب للأطفال؟ ليجيب عملاق الفكر والأدب عن السؤال قائلًا:

«إن الفكرة عندي ليست أن أكتب لهم ما يخلب عقولهم، ولكن أن أجعلهم يدركون ما في عقلي.. فلقد خاطبت بحكاياتي الكبار، وأخاطب بها اليوم الصغار.. فإذا تم ذلك فهم لنا إذن أنداد»..

وأما لماذا قرر أن يلعب دور «الراوي/ الحكواتي» بنفسه، ويروي هذه الحكايات بصوته على شريط كاسيت (كان هذا في عام 1977)؛ ويخاطبهم بصوته؛ فذلك ما يوضحه الحكيم بقوله:

«المقصد عندي هو أن أتيح لهم الاحتفاظ بوثيقة أدبية تجعلهم يقولون في القرن القادم وقد بلغوا الثلاثين (أي سنة 2007): نحن نحتفظ بصوت كاتب كان معروفًا في القرن الماضي.. ولو كان التسجيل مألوفًا أيام شوقي وحافظ والمنفلوطي، فأي قيمة كنا نخص بها هذا الكاسيت الذي يسمعنا أصواتهم وهم يلقون بأنفسهم شعرهم ونثرهم؟..»، ثم يضيف الحكيم: «ولقد حرصت على النطق السليم في اللغة، فتضاف فائدة إلى فائدة».

واختتم الحكيم مقدمته التاريخية بـ«وكل أملي أن تنجح هذه المقاصد، وأن يحتفظ أطفال اليوم بصوتي المسجل ليعيدوا سماعه وهم كبار، وقد صرت أنا ترابا، ويقول بعضهم لبعض: هذا صوت رجل من عصر مضى حكى لنا وأحبنا». وكم أتمنى العثور على نصيه الآخرين اللذين كتبهما للأطفال وهما «الأميرة البيضاء»، و«أهل الكهف» ومن الواضح أنها نص ميسر ومبسط للأطفال مأخوذ عن رائعته المسرحية «أهل الكهف».

وما أبدع ما ترك الحكيم للكبار وللصغار على السواء!

(وللحديث بقية)...

أعمدة
No Image
اقتصاد العربة
hamdahus@yahoo.com قررت أن آخذ جهاز الحاسوب المحمول وكتابا مستغلة موعد عمل كنت قد حددته في أحد مقاهي مدينة مسقط الجميلة، اخترت لي مقهى جميلا هادئا يديره شباب عمانيون، يمنحني التعامل مع الشباب العماني طاقة وبهجة، وأشعر بأريحية أكثر لتلك الطاقة التي تبعث في المكان، أحب أن أتلقى التحية العمانية...