إنعام كجه جي: لا أجيد الكتابة إلا عمّا عرفت وأعجز عن سرد المستقبل المجهول
"السخرية هي آخر سلاح للعاجز وهو يواجه الخوف"
"سيرتي آتية حين يتيسّر الوقت"
"حين أكتب لا أفكر في أنني امرأة"
"التكثيف حاضر في كل كتاباتي. وهو غنيمتي من الصحافة"
***********************************************************
التقيت بإنعام كجه جي للمرة الأولى في الظهران في مايو الماضي، وكنا سنُجري حوارنا في الدقائق التي تسبق جلسة أدونيس في مبنى إثراء، لكن الحوار مع أدونيس قد بدأ، والوقت في هذه المدينة الباردة -التي فاجأني انخفاض حرارتها- يمضي سريعا، فمن مقعد في المسرح حيث أدونيس يتحدث، إلى مقعد في القاعة المفتوحة حيث إنعام كجه جي تحكي أسرار رحلتها في الكتابة، نفدت النسخ من (بلاد الطاخ طاخ) التي كنت أمنّي نفسي بالحصول عليها، كما نفد كل الوقت لإجراء حوار، فكانت المراسلة فضاءً لحوارنا هذا.
**********************************************************
• نبدأ من العنوان، وهو عنوان له صوت، لماذا (بلاد الطاخ طاخ) تحديدا؟
نعم هو عنوان يدلّ على صوت، ربما هو أقرب ما جال في بالي لوصف البلاد التي يقلق سكانها صوت الرصاص والتفجيرات والقنابل.
• فعلا، ولكنه ملمح يعيدنا إلى الهمّ المقيم الذي يلازم الكاتب حتى وإن انتقل للعيش خارج وطنه، حتى بدا أن هذه الأصوات قد ارتحلت مع إنعام كجه جي إلى حيث تقيم الآن، ليصبح السؤال: إلى أيّ حد تختلف الكتابة بين المكانين (الكتابة من داخل الوطن والكتابة من خارج الوطن)؟
هي تختلف بالتأكيد. ومن تكون يده في النار ليس كمن يده في الماء. لكن الكاتب ليس مقطوعا من شجرة. إنه يقلق ويعاني ويشعر بما يمرّ به أهله ومواطنوه.
• الناس تقول إن هذه القصص سيرة ذاتية وربما يوميات، ماذا تقولين أنت؟
وهل لي أن أخالف الناس؟ هم يقولون ما يجدونه في موضوعات القصص، وأنا أقول إنني لا أجيد الكتابة إلا عمّا عرفت واختبرت وعشت، قد أعجز عن سرد المستقبل المجهول، لكنني غير قادرة على منع نفسي من أن تهجس به. وبهذا فإنها قصص رأيتها حولي وتعرفت على بعض فصولها في هذه المرحلة أو تلك من حياتي، وقد أكون تدخلتُ فيها وتورطتُ في مشكلاتها، لكنها بالتأكيد ليست سيرة ذاتية. سيرتي آتية حين يتيسر الوقت.
• هذا مشوق جدا ويجعلنا ننتظر، ولكن لماذا باعتقادك يظن الناس أو القراء أن القصص واقعية وحدثت للكاتب بالنفس عندما يستخدم الكاتب ضمير المتكلم؟! وهل تظنين أن على الكاتب أن ينفي أو يثبت ذلك؟
ولماذا عليه أن ينفي أو يثبت؟ هي لعبة بيني وبين قارئي، إذا صدّقني أكون قد فزت فيها. هل أكشف شيئاً من أسرار اللعبة إذا قلتُ إنني أنصب الفخاخ لكي تبدو الحكاية واقعية؟
• ليس عليه أن يفعل حتما، ولكني أسأل عن الحالات التي يكون فيها القارئ متربصا يفتش عن الكاتب في شخصياته، حتى يكاد يجزم أن الكاتب هو الشخصية الفلانية تحديدا بكل نقائصها وأخطائها وعيوبها، أو أنه قد تعرض شخصيا لما يحكي عنه، ولربما كانت الكاتبة المرأة أكثر تعرضا لهذه الفكرة من الكاتب الرجل؟
حين أكتب لا أفكر في أنني امرأة، أعني أن الأفكار الإنسانية منزوعة الجنس، أما القارئ المتربص فأُقصِيه عن بالي وإلا ما كانت هناك كتابة، وأظن أنني بلغت من العمر ما يجعلني أتجاوز ذلك النوع من التوجّس.
• عُرفت روائية ثم فاجأت قُرّاءك بمجموعة قصصية، أيهما أقرب إليك؟
بدأت كتابة القصص منذ فترة مبكرة، نشرت أول قصة لي في مجلة "الفباء" البغدادية وأنا طالبة في المدرسة المتوسطة، بعد ذلك ظهرت لي قصص في مجلات قاهرية مثل "الهلال" و"أدب ونقد" و"إبداع" و"القاهرة"، لكن الصحافة كانت ميداني لحين بلوغي السن التي لمست فيها نضوج أدواتي. عندها جازفت بكتابة الرواية.
• وهل يفقد الكاتب حقا شيئا من مهاراته بين النفس الطويل في الكتابة وبين التكثيف؟
التكثيف حاضر في كل كتاباتي، وهو غنيمتي من الصحافة، القضية ليست في عدد صفحات بل في الأسلوب، الثرثرة لا تستهويني والاستطراد مضجر.
• يدهشني أن يكون التكثيف وليد عملك الصحفي (أو غنيمته حسب تعبيرك)، وهذا ربما يعيد شيئا من الاطمئنان لمن يتوجس من أن الصحافة قد تفسد لغة الأدب، فهل تعتقدين أن الصحافة هي التي قدمتك للمشهد الأدبي بما أنك بدأت قاصة تنشرين في الصحف؟
نعم. الصحافة هي ميداني ولا تزال، وإذا كان لي من قراء فهم قد تعرفوا عليّ من خلال عملي الصحفي أولا، خصوصا في العراق.
• "إلى كل اللواتي يتعرفن على أنفسهن وكل الذين يتعرفون على أنفسهم في هذه القصص....إلخ" كيف برأيك قد تجعل هذه المجموعة القراء يتعرفون على أنفسهم؟
واضح أنك قرأت نسخة إلكترونية مقرصنة من المجموعة لأن الناشر حذف هذا الإهداء. بسيطة. لأن مشكلاتنا متشابهة في وطننا الكبير، والعنوان هو الاشتياق للحرية.
• هذا صحيح، فعندما التقيتك أول مرة في الدمام في أواخر مايو الماضي، رغبت بشدة أن أقرأ لك هذه المجموعة، وكعادتنا نهرع إلى ما يوصلنا إلى مبتغانا أسرع، فوجدتها بنسخة إلكترونية، ولكن تثير فضولي الآن أسباب حذف هذا الإهداء من الناشر، فقد كان - من وجهة نظري على الأقل - عتبة مهمة لقراءة قصص المجموعة.
من حسن الحظ أن دار النشر كانت كريمة معي والتزمت بالشكل الذي أردته للكتاب وبالعنوان وصورة الغلاف، أما غياب الإهداء فليس بمشكلة.
• هل تنجح الرمزية دائما في جعل السرد مؤثرا وجذابا ومثيرا للانتباه؟ وما معايير نجاحها برأيك؟
اعذريني لأنني لا أفهم الأسئلة ذات المنحى التنظيري، أي رمزية بعد كل ما حكيت عنه من حقائق ودقائق وتفاصيل في قصصي؟
• قد لا تكون الرمزية مناقضة للتفاصيل والحقائق، ولكني أجدها حاضرة في كتاباتك، لأنها ليست ذات بعد واحد، وهذا ما يجعل تلقيها يختلف من قارئ لآخر. دعيني أضرب مثالا من هذه المجموعة: قصة مسدس من ذهب، التي تبدو مباشرة ومليئة بالتفاصيل التي يعرفها الجميع، غير أن المسدس (الذي من ذهب) حمّال أوجه، وأظن أن هذا ما يجعل القصة ذات طابع مميز وتغري بقراءتها أكثر من مرة. ألا توافقيني الرأي؟
لم أخترع شيئاً. جرت العادة في العراق أن يهدي الرئيس مسدسات ذهبية، هي مفارقة بين نوع الهدية وبين الشخص المُهدى إليه باعتباره شاعرا بعيدا عن أدوات القتل.
• النهايات غير المتوقعة هل هي نتاج تخطيط سابق أو وليدة لحظة الكتابة؟
وليدة.
• هذه الإجابة القصيرة جدا تثير سؤالا آخر عن البذرة الأولى للقصة: كيف تنبثق؟ وما المراحل التي تمر بها قبل كتابتها؟ وهل حدث أن كتبتِ قصة ثم شعرتِ أنها مشروع رواية؟ فأنت على الرغم من أنك كتبتِ القصة أولا في الصحافة، ولكنك أصدرت مجموعتك القصصية في كتاب بعد عدد من الروايات.
ليتني أملك الوقت والصحة لتحويل القصص إلى روايات، وأظن أن كل كاتب قصص سيقول لك إن البذرة تنبثق من حدث معين أو مشهد يصادفه، أما كيف تتطور فهذا يجري وفق خبرة كل كاتب.
• هل نستطيع القول إن الخوف هو البطل في هذه المجموعة؟
الخوف كلمة مجردة ذات حروف قلائل، وهو يستعرض علينا عضلاته حين يكشف عن وجوهه المتعددة، فهو رعب وخشية وتوجس وحيطة وارتعاد وارتياع وجزع وفزع ورهبة ووجل وذعر ومخافة وهلع وشكوك. ما أثرى لغتنا في التعبير عن مواصفات هذا البطل!
• ثمة ملمح ساخر في هذه القصص، هل لجأتِ إليها للتخفيف من الأوجاع والآلام التي اكتنزت بها المجموعة؟
السخرية هي آخر سلاح للعاجز وهو يواجه الخوف.
