أطفال الحرب .. ماذا تبقى لهم من أحلام المستقبل ؟
في وقت الحروب، الأطفال هم أكثر الكائنات الحية تأثرًا بما يحدث من حولهم، فما أبشع الجريمة التي تُرتكب بحقهم حين يتحول همهم في الحياة من اللعب في الشوارع إلى البحث عن عائلاتهم التي أُبيدت بنيران الحرب الضروس!
تأثير الحرب على الأطفال ليس محصورًا في حالة الهلع التي تصيبهم عندما يستيقظون مفزوعين من النوم، خائفين من أصوات الانفجارات، أو من انهيار المباني على رؤوسهم، أو صرخات المحاصرين تحت الأنقاض، ولا حتى من اختناقهم بدخان الحرائق المشتعلة في مزارعهم، أو نحيب الثكالى.
إنما يمتد خوفهم إلى استهداف مستقبلهم وحقهم في الحياة، فيصبحون مجرد ذكرى في قائمة القتلى بلا رحمة.
حرفيًا، تتحول براءة الأطفال وضحكتهم في ثوانٍ معدودة إلى "كابوس مرعب وواقع لا يرحم براءتهم"! الأطفال في مناطق النزاعات والصراعات المسلحة لا يجدون فرصهم الطبيعية في الحياة؛ فلا وقت لديهم للعب، ولا فسحة للشعور بالأمان والطمأنينة كما يتمتع بها أطفال العالم.
في وقت الحرب، تتمزق الأحلام، وتشرد العائلات، ويعيش الكثير منهم في أماكن الإيواء بين خيام بالية وخدمات متقطعة وظروف غير إنسانية. لهذا يقال دائمًا إن الحرب ظالمة؛ إذ تجبر ملايين الأطفال على مغادرة منازلهم والعيش في خيام أو ملاجئ غير آمنة، مما يخلق أزمة حقيقية: "طفولة بلا مأوى".
بين مخيمات اللاجئين، ينام الأطفال ويستيقظون على الخوف والقلق في أعماقهم، وكأن الموت المحقق محيط بهم من كل جانب. وفي قراهم المدمرة تُقفل المدارس أبوابها وتُدمر كل مرافقها، حتى سبل الترفيه القديمة من ألعاب ومتنزهات ومباهج الحياة تختفي وسط الركام، وينتزع الحزن كل أماكن الفرح في قلوب الأطفال الخائفين، فلا يرى العالم سوى دموع ساخنة تغمر وجوه الأبرياء الصغار. وهذا يعني أنهم يواكبون مرحلة الحروب، سواء وُلدوا تحت نيران القصف، أو شهدوا تداعيات الاعتداءات عليهم، حاملين أثقالًا كالجبال على أكتافهم.
لذا، لا تستغرب إذا شاهدت كثيرًا من هؤلاء الأطفال وهم يعانون من فقدان الأمان وغياب الأهل، والتشرد الذي يجبرهم على الترحال بين ملاجئ مؤقتة، والجوع الذي ينهش أجسادهم الصغيرة، والإصابات الجسدية والنفسية التي تلاحقهم طيلة سنوات طفولتهم، فتثقل كاهلهم بأعباء لا يطيقها غير الكبار، وتحرمهم من براءة لا تُعوّض وفرص الحياة التي يستحقونها.
يقول الروائي الفلسطيني غسان كنفاني:
"ليت الأطفال لا يموتون؛ ليتهم يُرفعون إلى السماء مؤقتًا ريثما تنتهي الحرب، ثم يعودون إلى بيوتهم آمنين!.. وحين يسألهم الأهل محتارين: أين كنتم؟ يقولون فرحين: كنا نلعب مع النجوم".
وعندما تضع النزاعات المسلحة أوزارها، وتتوقف رحى الحرب عن الدوران، تظهر انعكاسات الواقع الجديد في حياة الأطفال البؤساء.
الواقع أن الأطفال يواجهون تحديات جسيمة في مرحلة ما بعد الحرب؛ فبعضهم يحتاج إلى سنوات طويلة من إعادة التأهيل والدعم النفسي والاجتماعي العميق، بينما يحتاج الجميع إلى تبني رؤية جديدة للحياة، تنأى بهم عن سواد الماضي ومرارة الواقع. صفحة جديدة تتفتح أمامهم لتزرع في قلوبهم الأمل، وتخفف عنهم وطأة ملاحم الوجع، ونحيب الفقد، وبقايا الحزن الذي طالما رافق طفولتهم.
لذلك، هم بحاجة إلى تعليم جيد يمكّنهم من بناء أنفسهم، ليصبحوا فاعلين في مجتمعهم ومفيدين لأسرهم. ويحتاجون إلى بعض المعجزات لتتغير كل الصور القبيحة التي رسمتها الحروب في أذهانهم. فالمدرسة في عيونهم ليست مجرد مبانٍ أو مقاعد وصفوف، بل مساحة للمعنى ونافذة للحياة التي حاولت الحرب كسرها في قلوبهم.
تقول الكاتبة جنى ياسين:
"جيل بلا طفولة هو جيل مهدد بفقدان الأمل، لكن مع الدعم الحقيقي يمكننا أن نعيد له أحلامه، ونمنحه فرصة لبداية جديدة".
لقد أثبتت الدراسات التربوية أن أغلب الأطفال الذين يمرون بسنوات الحرب في أوطانهم يصبحون مسؤولين قبل الأوان عن أمور تتجاوز أعمارهم بكثير، وهنا تكمن المأساة الحقيقية التي انتبهت إليها المنظمات الأممية المعنية بالطفولة. فقد رأت أن الحرب تسرق منهم طفولتهم البريئة، وتجبرهم على النضوج بسرعة في عالم لا يعترف إلا بالقوي ويقضي على الضعيف، حتى لو كان طفلاً لا ذنب له سوى أنه وُلد ليشهد مأساة الحرب في وطنه. وما أصعب المصير الذي ينتظرهم!.
