facebook twitter instagram youtube whatsapp
احمد الفلاحي
احمد الفلاحي

الإطار الاجتماعي .. وسيناريوهات التغير والبقاء

18 يوليو 2021

تمثل الأطر المعرفية أهم الأدوات التي يمكن أن يقاس عليها مجموعة التفاعلات التي تحدث بين جوانبها المختلفة، فحالات التفاعل التي تتم في المركز، تكون تأثيراتها غالبا متموضعة بالقرب منه، ولها القدرة على إعادة الإنتاج بما لا يخرج كثيرا عمّا هو مألوف، وما يصل إلى الأطراف من تأثيرات تكون ضعيفة وباهتة، ولكن عندما يتجاوز هذا الضعيف والباهت هذه الأطر هنا يستلزم الأمر شيئا من الاستنفار، لأنه خروج عن المألوف، ولذلك أتصور أن النظر إلى هذه الأطر – ولأننا نتحدث عن التغير الاجتماعي – يبقى أهم وسيلة لمعرفة مستويات هذا التغير الحاصلة في بؤرة المركز، ومعرفة سيناريوهات التغير والبقاء على حد سواء، فالمحتوى الفسيفسائي في العلاقات واحتمالات النزوع والخروج في أي مجتمع يظل حالة قائمة على امتداد الحياة الإنسانية، وهو أمر مقبول، ولكن تجب مراقبته عندما تحدث نتوءات تخل بالصورة العامة لتماسك الأطر الضابطة أو الحاكمة.

نجزم ومن خلال معايشة مباشرة أن بقاء واستمرار الإطار الاجتماعي قائم على حالة من السكون والهدوء، وبالتالي فهذا البقاء مرهون بهذا السكون، حتى يأتي عامل فاعل فيقوض هدوءه وسكونه، وعندها يمكن أن يحدث التغير، والتغيير في آن واحد، ولذلك تسعى التوجهات الذاهبة إلى تغيير الإطارات الاجتماعية إلى ضرب هذه الهدوء من خلال إثارة القلاقل، وإحداث مجموعة من التقاطعات في المجتمع الواحد، سواء تقاطعات ثقافية، أو دينية، أو عنصرية «عرقية» ومن هنا تظهر أهمية أن يحكم الأطر الاجتماعية في أي تجمع «جيوإنساني» مجموعة من القوانين والأنظمة الحاكمة والضابطة والتي تنظم مختلف العلاقات بين أفراده، وإلا أصبح هذا التجمع ضعيفا قابلا للكسر، ومغردا مع أي سرب يمر عبر مجاله الجوي، ولعلنا نرقب، ونعيش مثل هذه الضربات الخاطفة لدى شعوب تئن من تقوّض حالة السكون الاجتماعي التي كانت تعيشها قبل الغزو الذي تتعرض له، ومن جميل ما قرأت الأسبوع الماضي، حيث تناولته وسائل التواصل الاجتماعي «الواتس أب» المثال التالي: « إذا أخذت 100 نملة سوداء و 100 نملة حمراء ووضعتها في وعاء زجاجي فلن يحدث شيء، لكن إذا أخذت الوعاء وهززته بعنف وتركته على الطاولة، سيبدأ النمل في قتل بعضهم البعض، يعتقد النمل الأحمر أن الأسود هو العدو بينما يعتقد النمل الأسود أن الأحمر هو العدو بينما العدو الحقيقي هو الشخص الذي هز الوعاء، نفس الشيء صحيح في المجتمع، قبل أن نختلف ونتخاصم يجب أن نسأل أنفسنا: من هز الوعاء؟ لأن هناك عائلات تفرقت وأصبحوا أعداء، هناك أصدقاء تفارقوا، هناك أزواج تطلقوا، وهناك أخوة نفروا وتباعدوا عن بعض، كل هذا بسبب شخص هز الوعاء بالغيبة والنميمة سواء لمصلحة شخصية تخصه، أو سواء لكبت في قلبه، أو مرض نفسي يتملكه» – انتهى النص -.

يقيم مستوى العلاقة بين الـ «الجيوسياسي» والـ «لجيوإنساني» على مجموعة من العلاقات التنظيمية القادرة على إيجاد أرضية مشتركة للتنوع الفسيفسائي للمكون الجغرافي المشترك، ويقينا، أن هذه الأرضية المشتركة ليس يسيرا وجودها، والبقاء على استمراريتها إن لم تكن هناك مجموعة من الأدوات الضابطة لهذا البقاء والاستمرار، ويأتي في مقدمتها حالة الاستقرار السياسي، والاقتصادي، والتنوع الثقافي، وفي تقديري الشخصي، إن الاستقرار السياسي يأتي في مقدمة كل هذه المقومات الرئيسية في حياة أي شعب، مهما وصلت به اللحمة الاجتماعية إلى أوج قوتها وتماسكها، ولعلنا نستحضر في هذه المناسبة ما يروى عن متانة سور الصين الذي يوصف بالعظمة، عندما هاجمته الجيوش الغازية، وسجلت فشلها في تجاوزه لأكثر من مرة، كان التوجه البديل هو ضرب قيم الأمانة عند حراس البوابات، وعندما تحققت هذه الغاية، استطاعت هذه الجيوش دخول الصين، والعبث بمقدراتها الاجتماعية من التعاضد، والتكاتف، ومعروف عن هذا الشعب، إلى أزمان متأخرة، على أنه من الشعوب الحريصة مطلقا على تمسكها القيم الاجتماعية إلى حد التماهي في مكوناته الخاصة جدا، من عادات وتقاليد، حتى امتزجت اليوم إلى حد ما في برامج العولمة، وما جرته هذه العولمة من مآسٍ على كل شعوب العالم، بلا استثناء، من خلال أذرعها القوية الممثلة في شركات تعدد الجنسيات، التي تتبناها منظمة التجارة العالمية –وهي حسب تعريف موقع ويكيبيديا الموسوعة الحرة –«منظمة عالمية مقرها مدينة جنيف في سويسرا، مهمتها الأساسية هي ضمان انسياب التجارة بأكبر قدر من السلاسة واليسر والحرية، وهي المنظمة العالمية الوحيدة المختصة بالقوانين الدولية المعنية بالتجارة ما بين الدول، تضم منظمة التجارة العالمية 164 دولة عضو إضافةً إلى 20 دولة مراقبة »، (تاريخ زيارة الموقع؛ الأربعاء 14/7/2021م) ويمكن هنا أيضا طرح التساؤل التالي: إلى أي حد عمقت الهويات الإطار «الجيوانساني» أو خدمته في ظل هذا النزاع الكبير الذاهب إلى التغيير في كل شيء، كما هو واقع الحال؟ والجواب، أنه حتى هذه الهويات لم تسلم من التغريب، والتصدع، في ظل هذه العولمة، ولذلك ذابت الحدود، وتلاشت المحددات، واختلط «الحابل بالنابل» ولم تعد هناك هويات بالمعنى التقليدي، إلا ما هو مدون في كتب التاريخ.

يستدعي تقييم الموقف النظر إلى مجموعة من السيناريوهات المحتملة في مسألة الإطار الاجتماعي، ويأتي في مقدمتها سيناريوهات التغير بفعل الفطرة البشرية الذاهبة دوما إلى السعي إلى التغيير، فهي لا تقف عند مستوى معين، بفعل الفطرة من ناحية؛ وبفعل مجموعة الظروف «الناعمة» المحفزة للتغيير من ناحية ثانية، كما تأتي سيناريوهات التغيير بفعل الضغوط القاهرة التي تمليها قوى مختلفة، إما مستعمرة بصورة مباشرة «احتلال» أو بصورة غير مباشرة من خلال تنفيذ أجندات «على شكل اتفاقيات؛ وتفاهمات ثنائية» تفرضها غالبا القوى المستعمرة على الأطراف الضعيفة والمغلوبة على أمرها في ظل توسيع رقعة مفهوم الانفتاح العالمي تحت المظلة الكونية الواحدة «العولمة» وتسارع وتيرة وسائل التواصل الاجتماعي على امتداد الكرة الأرضية، فتعمل هذه الإحاطات كلها على احتواء الأطر الاجتماعية لدى الشعوب كافة، ومن ثم تبدأ في تفكيك مجموعة الحزم الضابطة لهذه الأطر، من قيم، وعادات، وتقاليد، وقناعات، وموروثات، ويقابلها في الوقت نفسه أنفس متشوقة لمثل هذه التغيرات، خاصة من الأجيال المتتابعة، التي لا تحرص كثيرا على استمرار الموروث، لأنها لا ترى فيه نفسها، وإنما تبدأ في صنع واقع مختلف لها بأدوات هي من يصنعها، حتى وإن كلفها ذلك شيئا من التغريب عن واقعها الحقيقي، بمعنى آخر، أن سيناريوهات التغيير متعددة، وتلقى حضورا مرحبا، أكثر منه سيناريوهات البقاء والمحافظة، والتي لا تتعدى أكثر من عاملين رئيسيين؛ الأول: عامل القيم، وهو الأهم، في تقييم البعض، لأنه يعتمد كثيرا على تأصيل القناعات والأكثر تأثيرا في تصويب مسارات إطار التغير الاجتماعي، وإن كانت هناك إشكالية أخرى تصاحب هذا الجانب، وهي تموضع الصور النمطية مثل تنامي العنصرية، وتأجيج الأعراق، وتسيُّد الجندرة، بصورة واضحة، فقناعات أفراد المجتمع ليس يسيرا تغييرها في كثير من مناخاتها الاجتماعية، والثاني: عامل التشريع «مجموعة القوانين والأنظمة» وهي الخاتمة دائما بالإلزام، حيث تتمثل في تطبيق القانون.

ينظر إلى المحدد الثقافي على أنه الأقوى والأسرع في بلورة إطارات جديدة ومختلفة ومتنوعة لإطار التغير الاجتماعي، ولذلك يتحتم النظر في هذا المحدد بالكثير من الاهتمام وإيلائه العناية القصوى في ظل ثقافة عالمية تجتاح كل بلدان الدنيا بشمولية لا مثيل لها، وإن ظل استيعابها نسبيا بناء على قدرة الشعوب على هضمها واستيعابها، وتفنيد الجيد من الرديء فيها، وإن حدثت هناك مقاومة في هذا الاتجاه، فإن هذه المقاومة لن تلبث طويلا، فمشروعات التغير واسعة وشمولية، وممنهجة، وتتبناها منظمات عالمية تحت أجندات كثيرة، أغلبها سياسية، أو عنصرية، أو دينية، والملاحظ في هذا الاتجاه أن هناك تقصدا لإقصاء الجانب الاجتماعي في منظومته المحلية التقليدية، والحرص؛ كثيرا؛ على نقله من حالة اليسر التي يعيش فيها، طوال سنوات تحققه في تموضعه الجغرافي، إلى حالة العسر في التوجه إلى إلزامه بتبني مسارات أخرى أكثر حداثة لقلب موازينه، وقيمه، وتقاليده، فيصبح مشوها لا مرجعية له، وهنا مكمن الخطورة.

أعمدة
No Image
موسوعة الأثر البعيد
محمود الرحبي - من يقرأ "موسوعة عمان في التراث العربي" التي تكفل بجمعها الدكتور هلال الحجري في ثلاث مجلدات، يقف على حضور متنوع لعمان في المدونة العربية القديمة، حضور يشمل الأدب والتاريخ والأنساب والجغرافيا والرحلات، إلى جانب التفسير واللغة والفقه والطب. يكفي مثلا أن نستحضر "أبا الحسن العماني" هو البطل...