facebook twitter instagram youtube whatsapp


مبارك الحمداني
مبارك الحمداني

إجهاد القرار والمعضلة الاجتماعية

14 مايو 2022

رغم أن ما يُعرف بـ "إجهاد القرار Decision fatigue" يعتبر أحد المعضلات الفردية المؤثرة على سلوك الأفراد واتجاهاتهم في صنع خياراتهم وتوجيه قراراتهم، إلا أن هذه المعضلة قد تتحول على المدى إلى معضلة اجتماعية، تسم المجتمعات وتؤثر في منظومة الإدراك المجتمعي العام وعلى المنظومات الكلية في صنع القرار، على مستوى الاقتصاد والإدارة والسياسة والإعلام وتسيير الشأن العام. تشير معضلة "إجهاد القرار" إلى الطريقة التي يؤثر فيها اضطرار الفرد إلى اتخاذ قرارات كثيرة في أمد زمني محدود على جودة القرارات التي يتخذها، مما يؤدي إلى وصوله إلى مرحلة الأعياء العقلي وفقدان القدرة على مد خط واصل ومنطقي بين المعلومات والأدلة والاستنادات المتاحة له في اتخاذ قرار ما وبين اتخاذ القرار ذاته. يستشهد على الدوام علماء السلوك في توضيح فكرة إجهاد القرار بما ذكره الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما لمجلة فانيتي فير في عام 2012: حين قال "سترى أنني أرتدي بدلات رمادية أو زرقاء فقط. أحاول تقليص القرارات. لا أريد اتخاذ قرارات بشأن ما آكله أو أرتديه، لأن لدي الكثير من القرارات الأخرى التي يجب اتخاذها"

تشير دراسة منشورة على Journal of Health Psychology بعنوان "Decision fatigue: A conceptual analysis" إلى أن الفرد البالغ الأمريكي يتخذ 35000 قرار في المتوسط يوميًا، مما يعني المزيد من الضغوطات على جودة اتخاذ القرار والتي تفضي في النهاية إلى إما اتخاذ قرارات غير عقلانية أو إلى الامتناع والمماطلة عن اتخاذ قرار في الأساس. ترتبط جودة صنع القرار عمومًا بعدة عوامل، منها القدرة التنظيمية لدى الفرد ومدى كفاءة المعلومات المتاحة وسياق الانتباه العام لديه ومدى توافر المعلومات بشأن السيناريوهات المحتملة الناتجة عن اتخاذ القرار، بالإضافة إلى مدى وجود المصادر البشرية المساندة والتي تدفع الفرد نحو استنارة أكبر في سبيل تأطير قرار جيد أو تخير الخيار الأنسب. ولكن ما الذي قد يجعل معضلة "إجهاد القرار" معضلة اجتماعية. ليس بمستجد القول أن الضغوطات والمعطيات التي تجعلنا تحت وطأة ضرورة اتخاذ قرارات ما تتضاعف يومًا بعد آخر ولكن ثمة عوامل مشتركة تجعل هذه المعضلة مهددًا للمنظومات العامة وأهم هذه العوامل في تقديرنا الآتي:

1- سرعة التدفق المعلوماتي: هناك معلومات تتفجر من حولنا عبر مختلف الوسائط والمصادر ونقاط المعرفة، قد تصل هذه المعلومات إلى حد التضارب وقد تكون محمولة في بعض الأحيان على تحيزات أو توجيهات محددة، وقد تكون قدرتنا أيضًا على استيعابها محدودة والأهم من ذلك مدى قدرتنا على الربط بين معطياتها وتحليلها في سياق نقدي.

2- مسرحة التجارب: غالب المحتوى الذي نتعرض له اليوم وخاصة عبر مواقع التواصل الاجتماعي هو عبارة عن مسرحة للتجارب، حيث شبكات لا حدود لها من الأفراد تنقل تجاربها اليومية من نوعية السيارات التي يستخدمونها إلى المطاعم التي يرتادونها إلى تجارب السفر التي يفضلونها وحتى طريقة اللباس التي يفضلونها إلى نوعية أماكن الترفيه والأنشطة التي يقضونها وقس على ذلك من التجارب في تفصيلاتها وتفضيلاتها، وهذا عبء آخر في طريق تنضيد التجربة الذاتية والقدرة على اتخاذ القرار وبناءه بشكل مستقل وفردي. هذا الأمر لا يتعلق بالتفضيلات فحسب وإنما يتجاوزه لخيارات اتخاذ قرارات الدراسة وفرص تأسيس المشروعات وبناء الاستقلالية المالية للفرد وسواها.

3- استدماج تطبيقات العلوم السلوكية كأحد أدوات بناء المنتجات والخدمات وتسويقها: حيث تنطوي عمليات التسويق في مختلف القطاعات اليوم على استخدام الحيل السلوكية التي تقتضي بالدرجة الأولى اللعب على وتر النموذج الوصفي للسلوك البشري، والذي يعني حسب Gustavo Barros أن البشر يستخدمون اختصارات ذهنية لإصدار الأحكام/ اتخاذ القرارات. ويتأسس على إمكانية الاستثمار في التحيزات المعرفية / والمغالطات المنطقية لتوجيه اتخاذ القرار أو توجيه السلوك الاستهلاكي والاقتصادي والمالي عمومًا.

إذن نحن أمام بيئة متعاظمة من العوامل والمؤثرات التي أصبحت تدفع الأفراد في مختلف المستويات إلى ما يعرف بـ "إجهاد القرار". حيث تقول عالمة نفس المستهلك، كاثلين فوهس أنه "يتعين على الأشخاص مراعاة تفضيلاتهم وكيفية ارتباطها بأهدافهم وقيمهم، ويلزمون أنفسهم بمسار عمل، وهناك خطوات تقييمية تشمل حسابات التكلفة والفوائد". ولكن يبقى السؤال كيف يتمكن (المجتمع) وهنا نركز على المجتمع عمومًا وليس الأفراد من التمكن من التغلب على "إجهاد القرار" وتقليص آثاره على المنظومة الاجتماعية العامة؟ في تقديرنا فإن اللحظة الراهنة تقتضي وجود حاجة ملحة إلى التثقيف السلوكي – إن صحت التسمية – وهو أن تتبنى مؤسسات التعليم والإعلام والتثقيف العمومي تنبيه الأفراد إلى معرفة طرائق تفكيرهم وموجهات سلوكهم، وإلى جملة الانحيازات المعرفية والمغالطات المنطقية التي تشوب الحياة اليومية وأنماط التفكير والتدبير فيها، وهذا الأمر ليس بأقل من أن تتناه مؤسسات التعليم في مستوياته المختلفة في مختلف مراحلها مضمنًا في المناهج الدراسية والأنشطة التعليمية وأن توسع له المؤسسات الإعلامية المساحة لبناء مواد إعلامية تهدف إلى تنشيط هذا التثقيف السلوكي. أما المتطلب الآخر وهو متطلب مؤسسي هيكلي حيث لا تكتفي اليوم المؤسسات بالاعتماد على المسوحات الجزئية والتجارب المقارنة والدراسات اللحظية في سبيل اتخاذ قرارتها وإنما يتطلب الأمر بناء نظام معلوماتي تتبعي في كل قطاع من القطاعات يستهدف بالدرجة الأولى فهم تطور السياق التاريخي والمعلوماتي للقرار الذي يجب اتخاذه وفهم تطوره وتدرجه لكي لا تقع المؤسسات في فخ ظرفية المعلومة أو الرقم أو البيان وبالتالي تجد نفسها نظير إلحاح الواقع وقلة كفاءة الأدلة تحت وطأة "إجهاد القرار" الأمر الذي قد ينجم عنه تشوهًا في اتخاذه.

أصبح بعض الباحثين اليوم أيضًا ينادي بضرورة أن يكون حقل "إجهاد القرار" حقل بحثي مستقل، لما له من قيمة وأهمية ومراكمة أبحاث وتطبيقات جرت للكشف عنه. وأصبحت الاعتبارات المعرفية التي يتأسس عليها تساعد في تصميم أنظمة العمل وبيئاته وخاصة في حقل الطب وعمل المستشفيات. ولكن ما هو أشد خطرًا من اتخاذ قرارات غير ذات جودة هو المماطلة في اتخاذ القرار أو رمي الكرة للأمام حيث يقول داستن موسكوفيتز أن عدم اتخاذ القرارات يترتب عليه عدد من النتائج السلبية:

- إنه يخلق عبئًا معرفيًا لصانع.

- ينتج عنه ظاهرة مفارقة الاختيار.

- إنه يخلق القلق والارتباك داخل الفريق.

أعمدة
No Image
غريب لا تعرفه ولن تلتقيه يومًا
شبّه محمد نظام حياته بصعود سُلَّم، يقف فيه طويلا في درجة واحدة في بعض الأحيان، وفي أحيان أخرى يقفز على درجات عديدة مرة واحدة، دون أن يعرف إن كان هذا القفز صعودا أم نزولا، وفي أيهما يكمن الرحيل. كان هذا الفنان التشكيلي العُماني العاشق للفنّ، المهجوس بتفكيك الأشياء إلى عناصرها...