facebook twitter instagram youtube whatsapp


أوليج كاربوفيتش
أوليج كاربوفيتش

أساليب واشنطن القديمة.. الهيمنة عبر الفاشية

14 مايو 2022

الترجمة عن الروسية: يوسف نبيل -

منذ خمس وخمسين عامًا بالضبط، في أبريل 1967 وقع واحد من أكثر الأحداث دراماتيكية ومصيرية في تاريخ اليونان المعاصر. استطاع ما يُسمى بـ«العقداء السود»(1) بالاستيلاء على السلطة في اليونان عبر انقلاب عسكري. طوال سبع سنوات انغمس الشعب اليوناني في أجواء من الخوف والتعسف. وصلت عمليات القمع الجماعي إلى مستوى غير مسبوق. استطاع المجلس العسكري عبر تدمير المعارضة اليسارية والديمقراطية، وعبر الرقابة في كل مكان وخنق الحريات اليومية العادية أن يكتنف كل مجالات الحياة الاجتماعية والسياسية بالفاشية.

في البداية، وبعد الانتصار على الفاشية في الحرب العالمية الثانية، تراجعت أوروبا خطوة كبيرة في هذا الصدد حيث كانت قد استسلمت بالفعل للديكتاتورية الممتدة التي ورثت أيديولوجيا مماثلة في إسبانيا والبرتغال.

مثّلت حكومة «العقداء السود» بديلا للأحلام الساذجة بالديمقراطية والمصالحة بعد الحرب، وذلك عبر شكل من أشكال الإدارة السياسية المؤسسة على القوة الغاشمة والعسف وأيديولوجية الكراهية. الأمر الوحيد الذي أثار الرأي العام هو الموقف النشط لطلاب جامعة العلوم التطبيقية في أثينا الذين نظموا انتفاضة في عام 1973، وكان الثمن هو أرواح هؤلاء النشطاء. أدّى فشل محاولة انقلاب مماثل في قبرص، والذي أدّى إلى تقسيم الجزيرة حتى يومنا هذا إلى جزأين، إلى إنهاء هذه المرحلة المؤسفة. اليوم يمحو كثيرون من اليونانيين بكل سرور هذه المرحلة من ذاكرتهم.

لكن بالنسبة لنا لا شك أن لهذه المرحلة أهمية كبيرة. بمرور عقود على ما حدث يمكننا أن نؤكد بجرأة على أن اليونان قد صارت بمثابة ساحة رماية يُختبر فيها الصراع ضد التأثير السوفييتي (أو في الواقع ضد تأثير المعارضة) في القارة الأوروبية. حتى هذه المرحلة ظلت الولايات المتحدة تدعم الأنظمة اليمينية المتطرفة في أمريكا اللاتينية، ولم تردعها علاقاتها السابقة بالرايخ الثالث، بل إنها تعاونت مع المجرمين النازيين الهاربين، ومارست ممارسات فاشية علنية في السياسة الداخلية. في الواقع صار هذا النهج «أهون الشرّين» بالنسبة لواشنطن، بل وصار بمثابة عتلة قوية للغاية في إطار حربها من أجل الهيمنة على العالم. وإذا كانت السلطات الأمريكية، مسترشدة بمبدأ «مونرو» بأي ثمن ممكن عبر ازدراء جميع المبادئ والأخلاق، قد وضعت نصف الكرة الغربي بين فكيها طوال عقود، فإنها قد جعلت اليونان وتركيا منطقة لنفوذها الخاص، مسترشدة بمبدأ «ترومان» الذي تم تفعيله بحكم الأمر الواقع، وبدأت تدريجيا في مسار مماثل في الشرق.

في الوقت ذاته، وبأقصى قدر من السخرية، تدين الولايات المتحدة «المظاهر المناهضة للديمقراطية» لكنها في الواقع تدعم عبر قنواتها السرية أكثر القوى بغضة في معاداتها للشيوعية مثل حركة «العقداء السود». مجرد وجود سعي في أوروبا إلى مناهضة هذه الطموحات الديكتاتورية من قِبل الجناح الأيسر جعل من الممكن إبطاء هذه العملية؛ وهنا أقول إبطاؤها وليس توقيفها. بنهاية الحرب الباردة بالفعل، ومن خلال التعاون مع ورثة الفاشيين من جميع الأطياف، بداية من منظمة أوستاشا الكرواتية(2) مرورًا بـ«إخوة الغابة»(3) في منطقة البلطيق، عادت الولايات المتحدة إلى استخدام أدواتها التي استخدمتها في الماضي القريب. من هذا المنطلق تبيّن أن انقلاب كييف في عام 2014، والذي تلته أعمال قمع وإبادة جماعية لسكان دونيتسك ولوجانسك، والقضاء على حرية التعبير، كان مجرد حلقة من سلسلة طويلة الأمد من إكراه شعوب «الدرجة الثانية» على الإذعان لها.

في الواقع سعت سياسة إعادة توطين النازية في أوكرانيا إلى هدف واضح؛ ألا وهو إعادة بناء الحمض النووي الأيديولوجي، وتشكيل أمة برمز ثقافي جديد بما يتضمنه ذلك من مناهضة الشيوعية، (وكيف يمكن للمرء هنا ألا يتذكر ما حدث في اليونان؟!) وتوطين الفوبيا من كل ما هو روسي وتأسيس نظرية عن الدونية العرقية لسكان إقليم دونباس، (وكيف يمكن للمرء هنا ألا يتذكر النظرية الفاشية عن البشر الدونيين؟!). استطاع هؤلاء الأوصياء الخارجيون أن يتموا إعادة هيكلة للوعي شبيهة لفرع من فروع الشعب الروسي يعرف قدره جيدا، وقد فعلوها بطريقة مختبرة جيدا، وإن كانوا قد حدّثوها بعض الشيء؛ من خلال ديكتاتورية أوكرانية مماثلة لديكتاتورية حركة العقداء السود؛ عبر مجموعة من الأوليجارشية المتواطئة معهم ممن شكلوا «كتائب الموت» على طريقة ألمع النماذج اللاتينية.

تمثّل الاختلاف الوحيد عما حدث في اليونان في أمر واحد؛ منذ 55 عامًا مضت كان المجلس العسكري يسلك بطريقة خرقاء ومباشرة، أما الآن فقد لجأوا إلى أكثر التقنيات والأساليب السياسية تعقيدًا في الإكراه المعلوماتي.

في الواقع، لهذا السبب تحديدًا فشل الأوكران «المستقلون»(4) في التعرُّف على الوجه الحقيقي للنظام الجديد، ومن رفعوا رؤوسهم منهم وضعوهم في المكان الملائم فورًا، ودفعوهم إلى تحت الأرض بسبب الأحداث المأساوية في أوديسا في مايو 2014 والعدوان على دونباس.

لا تتمثل اليوم مهمة العملية الروسية العسكرية الخاصة على وجه التحديد في تحرير الإقليم بقدر ما تتمثل في تحرير وعي الناس القاطنة في هذا الإقليم؛ الوعي الذي يخدرونه بالوسائل الدعائية السيئة التي يضخونها في عقول الأوكرانيين بصورة مستمرة.

على مدار نصف القرن الماضي، أو ربما أكثر، تغيّر العالم تغيرا جذريا، ولم يعد مقسما إلى مناطق نفوذ يمارس فيها القوي قوته، بل صارت بعض البلدان بمثابة مستعمرات من قِبل الغرب بصورة جمعية، وقد لجأوا في تحقيق ذلك إلى أبشع الوسائل. أي محاولة للعودة إلى نموذج حل المسائل المختلفة على طريقة «العقداء السود» محكوم عليها بمواجهة معارضة شديدة لا هوادة فيها، ومن ثم يجب أن تُشكّل الخطوات التي تتخذها روسيا في أوكرانيا تحذيرًا واضحًا وضوحًا لا لبس فيه للولايات المتحدة وحلفائها، ونحن ندرك جيدًا ما هي القواعد التي يجب أن تستند إليها السياسة العالمية التي يتحدثون عنها باستمرار. الأمر هذه المرة مختلف عما حدث في أواخر الستينيات، فهم لا يعتزمون التصالح مع منطق التعددية القطبية الحقيقية في الشؤون الدولية.

1- الإشارة إلى المجلس العسكري اليوناني الذي استولى على الحكم، وسُمّيت هذه الفترة أيضًا: فترة حكم العقداء.

2- منظمة فاشية وإرهابية كرواتية نشطت في الفترة ما بين عامي 1929 و1945. قتل أعضاؤها الآلاف من الصرب واليهود والغجر والمعارضين السياسيين في المسرح اليوغوسلافي للحرب العالمية الثانية.

3-جموعات بارتيزان إستونية ولاتفية ولتوانية انخرطت في حرب عصابات ضد الوجود السوفييتي إبان احتلال الاتحاد السوفييتي لدول البلطيق الثلاث أثناء وعقب الحرب العالمية الثانية.

4-لفظة أوكرانية معناها الحرفي: المستقلون، لكنها تُستخدم بدلالة ساخرة من قِبل الوطنيين الروس.

أوليج كاربوفيتش نائب رئيس مكتب البحوث الدبلوماسية بوزارة الخارجية الروسية

المقال مترجم عن الروسية من موقع Aif.ru

أعمدة
No Image
غريب لا تعرفه ولن تلتقيه يومًا
شبّه محمد نظام حياته بصعود سُلَّم، يقف فيه طويلا في درجة واحدة في بعض الأحيان، وفي أحيان أخرى يقفز على درجات عديدة مرة واحدة، دون أن يعرف إن كان هذا القفز صعودا أم نزولا، وفي أيهما يكمن الرحيل. كان هذا الفنان التشكيلي العُماني العاشق للفنّ، المهجوس بتفكيك الأشياء إلى عناصرها...