facebook twitter instagram youtube whatsapp


Author

نوافذ: شيرين والصورة

14 مايو 2022

نقل الكاتب البريطاني ديفيد هيرست عن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي قوله في تبرير قتله بدم بارد الإعلامية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة: "إنها تصور وتعمل لصالح مؤسسة إعلامية وسط الفلسطينيين المسلحين، فهؤلاء مسلحون بالكاميرات". تكشف هذه العبارة التي أدلى بها هذا المتحدث لإذاعة الجيش الإسرائيلي عمق إيمان سلطات الاحتلال بأهمية الصورة في وسائل الإعلام ومدى خطورتها، إلى درجة اعتبارها سلاحا لا يقل في مَضائه عن الدبابة والمدفع، فصورة واحدة تغني عن ألف كلمة كما يقال. وهذا ما يفسر ليس فقط إقدام إسرائيل على تنفيذ عملية الإعدام الميداني لشيرين أبو عاقلة، بل أيضًا إقدامها على منع تعليق صور لشيرين في حارة النصارى بالقدس القديمة قُبيل تشييع جثمانها، ومنعها شبّانًا من تعليق ملصقات ولافتات لشيرين أمام كنيسة الروم الكاثوليك، بل واحتجازها هؤلاء الشبان. والمفارقة أن هذا الأمر وصلنا من خلال لقطات مصورة التقطها فلسطينيون، أي أن الصورة هي التي دافعتْ عن الصورة، أو بالأحرى انتقمتْ لها كما سنفصِّل بعد قليل.

في كتابه "الصورة" يقول الباحث الفرنسي جاك أومون: إن الصورة في ثقافتنا هي "نسخة عن مظهر من مظاهر العالم، تلتقطها رهافة إحساس، هي نوعًا ما، فردية، وعامة، ونموذجية في الوقت عينه، يتميّز بها الوسيط (الفنان، أو أيّ شخص آخر) ينقل إلينا معلومات ومشاعر، كما يخلق أخرى في داخلنا"، وفي حالتنا فإن هذا الوسيط الذي قضى أكثر من ربع قرن من حياته في نقل هذه الصورة إلينا هو شيرين أبو عاقلة، التي ظلت تصوّر برهافة إحساسها معاناة شعبها الفلسطيني، ولحظات صموده المهمة، ليس ابتداءً بانتفاضة الأقصى سنة 2000، ولا انتهاء بالعدوان على جنين قبل أيام، والذي كتب شهادة خلودها كصحفية شجاعة آمنت بأن "الصورة صِنْو العالم" إذا ما استخدمنا تعبير أومون، فكانت صورة شيرين تجذبنا و"تأسرُنا في سحر شيءٍ نراه بأم العين"، وخلال هذه المسيرة البطولية التي لم تنس فيها شيرين أن الموت كان على مسافة قريبة، كانت تتنقل بكاميرتها وتتنقل عبر الحواجز العسكرية الإسرائيلية والطرق الوعرة متغلبة في اللحظات الصعبة على الخوف، كانت تبيت أحيانًا في المستشفيات وأحيانا أخرى في بيوت فلسطينيين لا تعرفهم، لكنهم يعرفونها جيّدًا ويَعُدُّونها من أهل البيت، بعدما اعتادوا حضورها اليومي على شاشة الجزيرة.

ولأن الصورة تحبّ من يحبّها وتبادل من يخلص لها الإخلاص نفسه، فقد كان انتقامها مدوّيًا حتى قبل أن يوارى جثمان شيرين التراب. إذْ فضحتْ الصورة عملية الاغتيال للجميع، وفوّتتْ على دهاقنة الكذب والخداع في الكيان الإسرائيلي فرصة لَوْك نفس الأعذار السابقة التي اعتادت التشدق بها في اغتيالات سابقة لأبرياء ومدنيين، كالزعم أنهم قُتِلوا خلال الاشتباكات بين الإسرائيليين والفلسطينيين، أو أن رصاصة طائشة أصابتهم من مسلّح فلسطيني، وما إلى ذلك من تبريرات كاذبة كانت تنطلي على الإعلام العالمي في ظل غياب الصورة.

الصورة انتقمت أيضًا بتوثيقها الاعتداء على موكب تشييع الشهيدة في مدينة القدس المحتلة لدى انطلاقه من المستشفى الفرنسي، الأمر الذي أدى إلى إدانات واسعة ليس فقط من العرب، بل من الاتحاد الأوروبي وفرنسا والولايات المتحدة، ولافتة هي العبارة التي استخدمتها مندوبة أمريكا في الأمم المتحدة، التي لا نحتاج للتذكير أنها – أي أمريكا- الراعية الأولى لإرهاب إسرائيل في العالم. إذْ قالت المندوبة إنها "تشعر بألم شديد إزاء الصور التي ظهرت". كانت الصورة في موكب الجنازة تحارب من أجل صديقتها شيرين على جبهتين؛ جبهة الفضح لاعتداء الجنود على الموكب، وجبهة توثيق حرص الفلسطينيين المتعرضين للاعتداء على عدم سقوط الجثمان أرضًا رغم ما يتعرضون له من ضرب بالهراوات، كان على الجثمان أن يظّل صامدًا ومتوازنًا أمام العالم، مثلما كانت صاحبتُه في حياتها، تلك التي اختارت الصحافة كي تكون قريبة من الإنسان، كما قالت السنة الماضية في "برومو" لقناة الجزيرة بمناسبة يوبيلها الفضي. وها هي اليوم تودع عالمنا بشموخ الشهداء، ولسان حالها تلك العبارة المعبّرة في ذلك الـ"برومو": "ليس سهلًا ربما أن أغير الواقع، لكنني على الأقل كنتُ قادرة على إيصال ذلك الصوت إلى العالم".

أعمدة
No Image
غريب لا تعرفه ولن تلتقيه يومًا
شبّه محمد نظام حياته بصعود سُلَّم، يقف فيه طويلا في درجة واحدة في بعض الأحيان، وفي أحيان أخرى يقفز على درجات عديدة مرة واحدة، دون أن يعرف إن كان هذا القفز صعودا أم نزولا، وفي أيهما يكمن الرحيل. كان هذا الفنان التشكيلي العُماني العاشق للفنّ، المهجوس بتفكيك الأشياء إلى عناصرها...