مقال: لنساعد أنور سونيا

27 سبتمبر 2021
27 سبتمبر 2021

الفنان الأصيل أنور سونيا يمر بمرحلة صحية حرجة وظروفه المادية تقف حائلا دون مواصلة علاجه في الهند التي ينوي السفر إليها. كما أن حالته الصحية غير مستقرة حسب ما توصلت به من أخبار متقطعة، لكن أكثر ما أتمناه الالتفات إلى هذا الفنان الذي يشكل ذخيرة فنية نادرة، بل يعتبر سونيا في الحقيقة جد الفن في عمان، كما أنه خدم بفنه جوانب كثيرة (رسمية وغير رسمية) ولم يكن منعزلا أو مترفعا حين أعد ورشا تعليمية عديدة في كليات المعلمين وغيرها، كنت شاهدا على العديد منها. إلى جانب أنه فنان متمكن بإجماع أقرانه ومتذوقي فنه، فنان لا غنى عنه، يمكن أن يشكل لوحده متحفا (إن صح التفكير) إضافة إلى تعليمه لأجيال من ممارسي الفن التشكيلي في السلطنة. إلى جانب كل ذلك، وبالاقتراب من طبعه وجانبه الإنساني، نجده في قمة الخلق والدماثة والبساطة والتواضع والعطاء بلا حساب أو هدف ربحي. رغم مرضه من فترة سنوات إلا أنه مازال يتعالج وآخر مراحل علاجه هو ما راج عن نيته الذهاب للهند، لذلك فإن أمر مساعدته في تجاوز محنته يجب أن يؤخذ في عين الاعتبار.. غير متأكد كليا من طبيعة وضعه الصحي، وهذه المعلومات التي أوردها لا ألزم بها أحدا، ولكني عرفت من أصدقاء أن وضعه في غاية الحرج ويحتاج إلى عناية ومساعدة ربما هو لم يطلبها مباشرة ولكن من الواجب على الفنانين والمهتمين أن يبادروا في الحديث بلسانه ومعاونته طالما أن مطلبه يتحدد في العلاج ومواجهة مارد الألم وأوجاعه. لا تجمعني علاقة مباشرة بأنور سونيا، باستثناء لقاءات متقطعة جدا تفرضها مناسبات ثقافية أو في سياق إقامته لورش طلابية في كليات التربية التي كنت أخصائيا ومشرفا ثقافيا على أنشطتها في بداية التحاقي بالعمل في منتصف التسعينيات، كان سونيا المتحمس دائما تراه أمام فرشاته وقتا طويلا واقفا بملابس أشبه بلوحة تجريدية رسمتها ريشة الزمن دون منطق أو موضوع، وهناك من يشير في دعابة إلى اللوحة التجريدية الوحيدة التي عليها بنطاله وقميصه، فيضحك أنور سونيا لأنه ليس من ممارسي التجريد بقدر ما تعبر لوحاته عن حياة واضحة الملامح تعيد الزمن الجميل الغابر وتحفل بالمرأة وزينتها والفن وأنواعه. حيث لا ترى في لوحاته إلا الأعراس والأفراح والليالي الملاح. بارع في رسم معظم فنون الغناء العماني من رزحة وزفاف واحتفالات، بريشة مائية وألوان كأنها تجري تحت النهر بسبب شفافيتها.

أتذكر في فترة كورونا حين سمعت عن مرضه، طلبت من الفنانة بدور الريامي رقمه، وحين اتصلت به قلت له أريد أن أزورك، فقال لي "أنا تو في مسقط وما يستوي تزورني لأنه ممنوع بسبب كورونا". كان صوته الطيب عميقا وكأنه يتحدث من قارة بعيدة رغم أننا كلنا نتحدث من نفس المدينة، وإن كان هو في طرفها البحري وأنا في وسطها. بصراحة لا أعرف إن كان الفنانون قد تحركوا في مساعدته في تجاوز محنته أم لا، خاصة وأنه على وشك السفر إلى الهند للعلاج، وأنا أعرف ماذا يكلف العلاج هناك، حيث سبق وأن رافقت والدي رحمه الله إلى مدراس. ولا أعرف أي مكان في الهند سيذهب إليه أنور سونيا الفنان الحساس والجميل. ولكن أكثر ما أعرفه أنه مريض جدا ويحتاج منا إلى وقفة حقيقية لكي يتجاوز أزمته. ربما صوته لم يصل جهات داعمة، أو بسبب خجله وكبريائه استنكف من طلب يد العون، ولكن سمعت أنه لا يملك مالا للعلاج، لذلك سيذهب إلى الهند بمال قليل لا يكفي لعلاج جيد. ونحن نعلم أن علاج مثل مرضه، يكلف مبالغ باهضة. تمنياتي القلبية أن يجد فنان الذاكرة والطفولة والأفراح العناية اللائقة به، وهو الذي قدم دون حساب كل ما لديه، وما زال في أوج عطائه لولا المرض الذي نتمنى أن يكون مجرد سحابة سوداء عابرة تعقبها إشراقة ونور في الألوان والحياة، كما عودتنا لوحاته التي تنطق بالأصوات والأفراح وتكشف الغمة والأغطية عن كنوز الذاكرة الشعبية و ثراء وغنى وتنوع الفلوكلور العماني وتوثقه في لوحات فنية نابضة وحية قل نظريها في بلده، وذلك لأن بصمة أنور سونيا متميزة ويمكن تفريقها بسهولة بسبب خصوصيتها من بين جميع اللوحات بزيتها ومائها. شفا الله الفنان أنور سونيا وأعاده إلينا سالما معافى.