facebook twitter instagram youtube whatsapp


Author

صباح شِيرين...

14 مايو 2022

(1)

الذي اعتاد على الكذب والتلفيق والقتل بدم بارد لا يخجل من النظر إلى عينيك بوقاحة ليقول لك: إنه آسف لما حدث معكِ/ أو معكَ/ أو معكم جميعًا. هذا ما يمكن أن يتبادر إلى قلب وعقل ذوي المقتول وإلى أصدقائه ومحبيه جميعهم. أيّها القتلة أنتم لستم آسفون، لأنكم لا تشعرون بما يَشعر به الإنسان السوي. إنكم خارج الأغنيات والأحلام، وإن دسستم أنفسكم في حكاياتنا.

يَكتب وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لابيد بذلك الدم على حائط صفحته هذه الكلمات: «نطالب الفلسطينيين بعرض تحقيق مرضي مشترك عقب مقتل الصحفية شيرين أبو عاقلة. يجب حماية الصحفيين في ساحات القتال، وعلينا واجب الوصول إلى الحقيقة. ستواصل قوات الأمن الإسرائيلية عملها في كلِّ مكان لمنع الإرهاب وقتل الإسرائيليين».

بدت عبارته الكاذبة والشامتة محض سخف لا أكثر من ذلك، فهو حتما لا يأبه بمقتل شِيرين، إنما يهتم بمنع الإرهاب وقتل الإسرائيليين! فمن يَقتلهم غير ذهنية المحتل الذي لا يستطيع أن يعيش إلا على الدم! إن هذه العقلية المتطرّفة تخرج من ذهنية واحدة أعلنها عضو الكنيست إيتمار بن غفير بكل صدق قائلا: «عندما يطلق الإرهابيون النار على جنودنا، عليهم أن يردوا بإطلاق النار بكامل قوتهم حتى لو كان هناك صحفيون من قناة الجزيرة». وهكذا، صارت شيرين أبو عاقلة هي الخبر.

(2)

استيقظنا في صباح 11 مايو 2022م على خبر مقتل واستشهاد الإعلامية الفلسطينية مراسلة قناة الجزيرة شيرين أبو عاقلة وهي تؤدي عملها لتغطية اقتحام جيش الاحتلال الإسرائيلي في مخيم جنين بالضفة الغربية. لَم يُمهلها القنّاص فرصة لتواصل مقولتها الاعتيادية: «سأوافيكم بتفاصيل الخبر بعد قليل...»، فكانت الطلقة الغادرة الموجهة إلى رأسها، فينكأ مقتلها أوجاعنا، وانكساراتنا وهزائمنا. لا يختار الإنسان تاريخ ميلاده ولا يوم وفاته، لكنه يختار أن يكوّن الإرادة التي يوّدها، أو الإمكانية التي يريد أن يكون عليها بتعبير القديس أُوغسطينوس. والناظر إلى حياة شيرين البالغة من العمر (51) عامًا، فإنّ عملها لتغطية أحداث الصراع الفلسطيني مع الإسرائيليين، كان بوابة دخولها إلى قلوبنا وعواطفنا، وأفكارنا وبيوتنا، فاحتلت شيرين منزلتها في كلّ بيت فصارت واحدة منّا، فلم يكن يومنا عاديًّا، فقتلها غدرًا آلم الذين شعروا بها في صدق محاولاتها نقل الأوضاع في فلسطين، ومن تسنى له مشاهدة تغطياتها يشعر معها في صوتها الذي ألفناه وجملها التي كانت تُنهي بها تقاريرها الإخبارية، سيعرف إنّ ما فعلته بنا ببساطة هو ما يفعله معنا الحبّ.

كان في اختيار شيرين العمل كمراسلة قدرًا مُهيبًا. تقول في خضمّ عملها الشجاع: «لم نكن نرى بيوتنا، كنّا نحمل الكاميرات ونتنقل عبر الحواجز العسكرية والطرق الوعرة، كنّا نبيتُ في المستشفيات، وعند أناس لم نعرفهم، ورغم الخطر كنا نُصرّ على مواصلة العمل. كان ذلك خلال عام 2002م، حين تعرّضت الضفة الغربية لاجتياح لم تعهده منذ احتلال عام 67م، في اللحظات الصّعبة تغلّبتُ على الخوف. فقد اخترتُ الصحافة كي أكون قريبةً من الإنسان. ليس سهلًا -رُبَّمَا- أن أغيّر الواقع، لكنني على الأقل، كنتُ قادرةً على إيصال ذلك الصوت إلى العالم».

منذ أعوام خلت، حينما كانت شيرين أبو عاقلة، تُطلُّ علينا لتغطي خبرًا من داخل فلسطين، كنتُ أُحار في هذه الإنسانة. أعرف وأدرك صعوبة ما تقوم به، وفي خوفي عليها كنت أسأل نفسي: هل تُدرك شيرين أنها تعمل في حقل للألغام؟ وأن العدو الصهيوني بكل عُدته العسكرية وما يملك من دبابات ووقاحة وخوف وجُبن سيوجه إليها في يوم ما قذائفه؟ ما معنى أن يعيش المرء في خطر دائم؟ كنتُ أسمع وجيف قلبي عندما أشاهدها عبر قناة الجزيرة في أثناء أحد التغطيات الإخبارية وحولها ينتشر دخان القذائف أو أزيز الرصاص، أو يقع أحد الأهالي على الأرض أو تحاول تقديم المساعدة لأحد كبار السّن... إلخ، فكانت صدقًا إنسانة وصحفية شجاعة، ولهذا السبب كان لوقع كلماتها السابقة تأثير في الروح: «التغلّب على الخوّف»؛ فالهدف والرسالة يسيران في طريق واضح بالنسبة إليها: «إيصال صوت الواقع الفلسطيني إلى العالم» وقد وصل الصوت يا شيرين.

(3)

عندما أطلق (كارل ماركس 1818-1883م) مقولته الخالدة حول وظيفة الفلسفة ودور الفلاسفة قائلا: «لم يفعل الفلاسفة شيئًا سوى تفسير العالم بطرائق شتى، لكنّ الأهمّ هو تغييره»، لم يكن يظن أن شيرين أبو عاقلة 3 يناير 1971-2022م ستكون مُدركة حتى لحظة استشهادها أن تغيير العالم مسألة سهلة في المطلق: «ليس سهلًا -رُبَّمَا- أن أغيّر الواقع»، كان واقع فلسطين هو المسكون في داخلها، ولذا تمنح لفظة «رُبَّمَا» في صوتها بعض الاحتمالية أو التشكّك في القدرة على التغيير، فهل حقًا يقدر الصحفي أو مهنة الإعلام على أن يُغيّر القبح في هذا العالم! قرأت مرة إن العالم لا يُغيّره إلا الحالمون الكبار، فهم وحدهم يستطيعون أن ينشروا الإيمان بقوة الكلمات والأمل والتفاؤل والدفع بالإرادة إلى العمل بإيجابية وعطاء، وحالهم كحال الشعراء والأدباء والفنانين.

فجّر مقتل شيرين أبو عاقلة كل الألم الذي في داخلنا، وأعادنا إلى منطقة الحلم والأمل بتحرير فلسطين؛ ذلك الحلم الذي طال واستطال بلا بوصلة سياسية واضحة، إلا بحبل من الله عزّ وجلّ. وفي مقتلها تأكيد على قتلنا الشخصيِّ بدرجات مختلفة. عاد إلى ذاكرتي أغنية «يا نبضّ الضفة» لأحمد قعبور، وكم تطابقت صورة الشهيد أحمد الدرّة مع مقتل شيرين، كما تطابقت لقطة شاشة شبكة الجزيرة وهي تُظهر مكان استهدافها بعد لحظات من إصابتها ممددة على الأرض على بطنها من غير حراك مع المقطع الغنائي: «لينا كانت طفلة تصنع غدها.. لينا سقطت، لكن دمها كان يُغني»، لأول وهلة لم أستوعب ماذا حدث؟ لكن الذاكرة بعد أن تسترجع المواقف، تُدرك أن سيناريو الاحتلال القذر سيتكرر، وأن الشهداء سيرتقون، وأن هذا الصراع هو صراع وجود، وكما كتبت يمامة وهي تسألني: هل تستطيع عيناك أن تُغمضان الليلة؟ قلت: «لا والله» فكتبت: «... وتيقنتُ كيف وجودكَ ينتهي بلمح البرق. تُعطِل طاقتك وقوتك الدافعة. فجأة كلّ شيء ينتهي قبل أن يبدأ. تيقنتُ بأنّ قلق العالم وطمعهِ وتناقضاتهِ كلّها في تلك البقعة التي أحمل أثرها في دمي أينما انتهيت». ويقينًا يا صديقتي أن الأشياء التي ابتدأت تاريخيًّا أو سياسيًّا منذ اندلاع انتفاضات فلسطين الأولى انتفاضة الحجارة في 8 ديسمبر 1987م في جباليا بقطاع غزة، وانتفاضة الأقصى الثانية التي اندلعت في 8 فبراير 2005م، ثم انتفاضة السكاكين في العامين 2015-2016م، وتليها أحداث حي الشيخ جرّاح 2021م، ليس مقدرًا لها أن تتوقف أو أن تنتهي إلا بنصر الفلسطينيين وتطهيرها من المجرمين ومن كلّ أنواع اليهود وأذنابهم. لأسرتك يا شيرين أبو عاقلة، ولكلّ من عرفك وأحبّ صوت الحقيقة أحرّ التعازي، فلا نامت أعين الجبناء، وتبّت يد الاحتلال.

أعمدة
No Image
غريب لا تعرفه ولن تلتقيه يومًا
شبّه محمد نظام حياته بصعود سُلَّم، يقف فيه طويلا في درجة واحدة في بعض الأحيان، وفي أحيان أخرى يقفز على درجات عديدة مرة واحدة، دون أن يعرف إن كان هذا القفز صعودا أم نزولا، وفي أيهما يكمن الرحيل. كان هذا الفنان التشكيلي العُماني العاشق للفنّ، المهجوس بتفكيك الأشياء إلى عناصرها...