منوعات

فيلم "دراكولا، قصة حب": رحلة مصاص الدماء عبر الزمن في معالجة غرائبية

04 يناير 2026
04 يناير 2026

تحتفي الشاشات بالعديد من الشخصيات التي بقيت راسخة وموضع اهتمام لدى الجمهور العريض، وهي ميزة نعيد من خلالها التأكيد على أهمية الشخصية الدرامية الفاعلة والمؤثرة القادرة على صناعة الأحداث وتغيير المواقف، وأن تكون ذات تأثير في تأسيس عناصر حبكات ثانية إضافية، فضلا عن تطوير فكرة الصراع.

من هنا يمكننا النظر إلى الدراما الفيلمية في تنوعها بارتكازها على شخصيات متجددة وفاعلة، وتمتلك أسبابا وصفات تجعلها قابلة للتأثير، وبالتالي تحولها موضوعا للعديد من المعالجات السينمائية التي تظهرها في كل مرة وفق منظور مختلف، وهي مسألة تتعلق بعنصر المصداقية والحفاظ على طبيعة الأحداث، خاصة في الأعمال السينمائية المأخوذة عن روايات، وهي إشكالية كتب عنها الكثير ضمن ما يعرف بمنهجيات الإعداد والاقتباس.

هذه المعطيات جميعها تنطبق على هذا الفيلم لكاتب السيناريو والمخرج الفرنسي صاحب التجارب المتنوعة والغزيرة لوك بيسون، وهو يتصدى لرواية دراكولا للكاتب برام ستوكر، والتي تنتمي إلى روايات الرعب في العصر القوطي، والتي تعود إلى العام 1897، وسبق وتحولت إلى الشاشة من خلال عشرات الأفلام طيلة القرن الماضي وحتى هذه الساعة.

ها هو المخرج بيسون (1959)، والذي أخرج حتى هذا الفيلم عشرين فيلما روائيا طويلا، نال كثير منها جوائز وحظي باهتمام كبير ونجاحات مشهودة، وهو مخرج معروف بالتنوع في اختيار موضوعات أفلامه من القصص الاجتماعية إلى المغامرات إلى الخيال العلمي وصولا إلى هذا الفيلم.

دراكولا هنا، ولا سيما بعد الفيلم الأكثر أهمية من الأفلام التي قُدمت عن هذه الشخصية، وهو فيلم المخرج فرانسيس فورد كوبولا (1992)، نجده يتجه إلى عمق التاريخ، وذلك من خلال تقديم دراكولا -يقوم بالدور الممثل كاليب لاندري جونز- أميرا محاربا شجاعا يواجه الجيوش العثمانية الغازية، وحفاظا على زوجته وحبيبته فإنه يرسلها بصحبة بعض الحراس إلى إحدى القلاع، وهي في طريقها إلى هناك يتعقبها محاربون أتراك فتُقتل وتلفظ أنفاسها وهي بين يدي دراكولا، مما يدفعه للانتقام من الكنيسة وازدراء أحد القساوسة وصولا إلى قتله بدعوى أنها لم تمتلك القوة لتحمي زوجته. ومن شدة وله دراكولا وعشقه الجنوني لإليزابيث حبيبته، فإنه يبقى هائما على وجهه، ممتلكا طاقة هائلة تعود إلى الأشخاص الذين يقوم بامتصاص دمائهم، فهو عابر للزمن، وها هو في قلعة جبلية نائية وفي قصر موحش يعتاش على ذكرى حبيبته الراحلة.

ننتقل زمنيا 400 عام إلى فرنسا؛ حيث يقوم فريق يشمل طبيبا وقسّا متنورا برحلة البحث عن شخصية غامضة قامت بتلك الفظائع ونقلت الوباء إلى فتاة شابة احتجزوها بحثا عن صاحب النابين المغروسين في رقبتها.

هنا سوف نجد في معالجة بيسون الدرامية تماهيا مع فيلمين مهمين هما فيلم فرانسيس كوبولا وفيلم «العطر» للمخرج توم ويتكير (2006)، مع أن بيسون يذهب بعيدا في جماليات الأزياء والديكور، وخاصة مشاهد الحفلات الأرستقراطية في عصر لويس الرابع عشر بكل ما تعنيه من فخامة وتنوع وتسريحات شعر غرائبية، ثم ما نلبث أن ننتقل إلى عالم دراكولا بكل غرائبيته من خلال شخصية سمسار العقارات -يقوم بالدور الممثل إيوينز عابد- الذي يدخل قلعة دراكولا ليجد نفسه وسط ذلك العالم العجيب.

دراكولا بقدراته العجيبة في تحريك الأشياء وإشعال النار وإطفائها، وصولا إلى إبقاء السمسار في المنزل على أن لا يتحرك من الغرفة التي سوف ينام فيها، لكنه وبدافع الفضول يكتشف عجائب أخرى، أن دراكولا ينام في تابوت مغلق، وأن حراسه هم كائنات قزمية ممسوخة ذات أجنحة تشبه أجنحة الخفافيش، وصولا إلى قراره الإبقاء على حياة السمسار في مقابل ملاحقة خطيبته، لأنه صُدم بأنها تشبه حبيبته التي ما فتئ يبحث عنها ويفترض عودتها إليه بعد 400 عام.

بالطبع إن الفيلم حظي باهتمام العديد من النقاد والقراءات النقدية، ومنها ما كتبه الناقد السينمائي جيسون بيردسكي في موقع «براغ ريبورتر»: «إن كل شيء في هذا الفيلم يبدو متقنا؛ فهو فيلم تاريخي رائع الإنتاج، يتميّز بديكورات وأزياء وتصوير سينمائي مذهل من كولين واندرسمان، الذي يُجسّد باريس والمناظر الريفية الفنلندية على حدّ سواء. أما موسيقى داني إلفمان الرائعة فهي من أفضل أعماله في السنوات الأخيرة. إنه فيلم جذاب للغاية بفضل براعة الكاتب والمخرج لوك بيسون في تقديم أحداث غير متوقعة. في الوقت ذاته هنالك الكثير مما لا علاقة له برواية ستوكر، ومنها إصابة دراكولا بلعنة في شكل قوة خارقة منحته إمكانية عبور الزمن والخلود وامتلاك قوى مصاصي الدماء الخارقة».

أما الناقد السينمائي كيري أوشيا فإنه يرصد في مقال له في موقع «رابد بيرسبيكتيف» التغييرات التي أحدثها المخرج لوك بيسون على الرواية الحقيقية وعلى النسخ الفيلمية التي اقتبست عنها، فيقول: «إن المخرج كان مولعا بتغيير العديد من العناصر، وبما في ذلك تعديل الحبكة، لينضم بذلك إلى صفوف صانعي الأفلام الذين يعمدون إلى تقديم دراكولا لكنهم يريدون تغيير الشخصيات الرئيسية وما إلى ذلك. ومع ذلك يتمتع هذا الفيلم بسحر بصري خالص؛ لا شك أن هناك العديد من المشاهد البصرية المصنوعة بعناية، ولا شك أيضا أن هناك أفكارا تم استحداثها في السيناريو مثيرة للاهتمام. من جانب آخر، لا بد من الإشارة إلى أن الماضي عالم غريب، وغالبا ما يتعرض صناع الأفلام للنقد عندما يحاولون مزج الخيال بالواقع، ربما بشيء من التحريف والمبالغة؛ ولذلك، فإن تقديم الفيلم شخصية الأمير دراكولا بهذا الشكل، مع مراعاة التواريخ ومشاهد المعارك، تبدو متكلفة بعض الشيء ومبالغا فيها، مع أن تأثيرها كان محدودا».

وإذا عدنا إلى أصل رواية ستوكر، فإن عملية الإعداد والاقتباس قد اتجهت نحو نوع من الرومانسية التاريخية، فهو في الواقع مزيج ما بين «دراكولا» كوبولا وما سبقها من نسخ، والفيلم المأخوذ عن رواية «كبرياء وهوى»، والفيلم المأخوذ عن رواية «العطر». وخلال ذلك أوجد المخرج سلسلة من الأحداث المعقدة لم يرد من خلالها أن تنتحر إليزابيتا حبيبة دراكولا وزوجته كما فعلت في فيلم كوبولا، كما أن هناك معالجات وأفكارا لا علاقة لها بأصل رواية ستوكر، ومنها رواية الصراع مع الكنيسة وقتل القس والإصابة باللعنة، واكتساب صفة الخلود وقوى مصاصي الدماء الخارقة، وقضاء الأربعمائة عام التالية في البحث عن تجسيد إليزابيتا.

.......................

سيناريو وإخراج/ لوك بيسون

عن رواية برام ستوكر

تمثيل: كاليب لاندري جونز في دور دراكولا، كريستوف والتز في دور القس، زوي بيلو في دور مينا موراي، إيوينز عابد في دور السمسار العقاري جوناثان، غيوم دونكيديك في دور الطبيب دومون.

مدير التصوير/ كولن واندرسمان

مونتاج/ لوكاس فابين

موسيقى/ داني إلفمان

التقييمات/ آي إم دي بي: 7 من 10، ليتر بوكسد 4 من 5، روتن توميتوز 94 من 100

Image