عمان اليوم

نساء يحوّلن التحديات إلى مسارات مضيئة مع القرآن الكريم

05 يونيو 2026
كتبن من الألم والمعاناة أجمل القصص
05 يونيو 2026

تُسطر دارسات مدارس القرآن الكريم التابعة لمركز التعليم والإرشاد النسوي بإدارة الأوقاف والشؤون الدينية بمحافظة الظاهرة نماذج ملهمة في حفظ كتاب الله، بعدما وجدن في القرآن الكريم طريقًا للسكينة ومصدرًا للقوة في مواجهة المرض والإعاقة وكبر السن، في قصص تعكس أثر القرآن في حياة نساء عشن تجارب مختلفة، فكان الحفظ بالنسبة لهن مساحة للطمأنينة وتجديد الأمل والثقة. وفي هذا السياق، اقتربت "عُمان" من هذه التجارب الإنسانية والإيمانية، مستعرضة حكايات دارسات حوّلن التحديات إلى محطات مضيئة في رحلتهن مع كتاب الله، عبر بيئة تعليمية وإيمانية أسهمت في تعزيز الثبات، وفتحت أمامهن طريقًا جديدًا نحو الحفظ والمراجعة والارتباط بالقرآن الكريم.

القرآن ..ملاذ في رحلة المرض

بدأت سعاد بنت حمود الكلباني، إحدى الدارسات المصابات بمرض السرطان، رحلتها مع القرآن الكريم التي أحبّتها؛ إذ وجدت في الألم بداية تحول أعادتها إلى القرب من الله سبحانه وتعالى، مشيرة إلى أن حلم تعلم القرآن ظل حاضرًا لديها رغم ظروف المرض والمسافات ورحلة العلاج الطويلة وما صاحبها من تعب وإرهاق وتوقفات متكررة.

وتروي سعاد الكلباني أن عودتها إلى حلقات الحفظ كانت تمنحها قوة داخلية كلما أثقلها المرض، وأن القرآن الكريم كان بالنسبة لها طريق النجاة الذي تتمسك به وسط الابتلاءات، لافتة إلى أنها وجدت في سورة "يوسف" عزاءً وسكينة خلال مراحل دراستها الجامعية والحمل وفقدان الأجنة، واستمدت منها يقينًا بأن رحمة الله تأتي بعد الصبر.

نور البصيرة

وفي تجربة مختلفة، استطاعت الكفيفة موزة بنت مبارك الشكيلي، التي أكرمها الله بحفظ القرآن الكريم كاملًا رغم فقدان البصر، أن تجعل من السماع والتكرار طريقًا للحفظ، موضحة أن القرآن منحها نورًا في القلب حتى شعرت وكأنها لم تفقد بصرها. وقالت موزة الشكيلي: "إن الآيات كانت حاضرة معي حتى في أصعب مراحل الألم، عندما كنت أرقد في العناية المركزة إثر إصابتها بحروق شديدة، مبينة أن القرآن الكريم أصبح محفوظًا في صدري، وأن أثره انعكس على تفاصيل حياتي، وتحولت تجربتي إلى مصدر إلهام لأسرتي وأبنائي، ورسالة تؤكد أن الإعاقة لا تمنع صاحبة العزيمة من حفظ كتاب الله".

الحفظ لا يعرف عمرًا

ومن زاوية أخرى، بدأت نصراء بنت مبارك الشكيلي رحلتها مع القرآن الكريم في سن الخامسة والستين، متحدية فكرة ارتباط الأحلام بمرحلة عمرية معينة، ورغم أنها لا تقرأ ولا تكتب، استطاعت حفظ أربعة أجزاء ونصف الجزء عبر الاستماع والترديد. وقالت: "أن حياتي تبدلت بالكامل منذ أن بدأت الحفظ، فأصبح وقتي مباركًا، وامتلأت حياتي بالطمأنينة والرضا والفرح، وكنت أشعر بالفخر والانتصار مع كل سورة أتمّ حفظها، واعتبرت القرآن الكريم الرفيق والمؤنس والسند في حياتي".

من التردد إلى الثبات

أما سلامة بنت محمد السكيتي، فقد بدأت رحلتها مع الحفظ بخوف وتردد، قبل أن يمنحها القرآن الكريم الثقة والقوة لمواصلة الطريق بثبات، حتى تمكنت من حفظ أحد عشر جزءًا من كتاب الله. وتجسد تجربة سلامة السكيتي أثر البيئة التعليمية المشجعة في تحويل التردد إلى عزيمة، إذ أصبح الحفظ جزءًا من يومها وحياتها، ومصدرًا يعينها على ترتيب وقتها والارتباط المستمر بكلام الله.

وتحمل سلمى بنت عصام العميري تجربة أخرى في هذا المسار، إذ استطاعت حفظ ستة عشر جزءًا من القرآن الكريم، ووجدت في الحفظ أثرًا مباشرًا على تفاصيل حياتها اليومية. وتشير سلمى العميري إلى أن القرآن الكريم منحها انتظامًا في الوقت ومحافظة على الصلاة، مؤكدة أن أعظم ما تشعر به اليوم هو "لذة الحفظ" التي لا تضاهيها لذة أخرى، لما تمنحه من راحة داخلية وشعور بالإنجاز والقرب من الله سبحانه وتعالى.

طمأنينة وتفاؤل

وتروي صبحاء بنت خميس العامري، التي تحفظ ثلاثة أجزاء ونصف الجزء من القرآن الكريم، أن القرآن أصبح مصدرًا للقوة والسكينة في حياتها، وغيّر نظرتها إلى الحياة، ومنحها شعورًا دائمًا بالطمأنينة والتفاؤل. وتوضح صبحاء العامري أن حفظ كتاب الله بات حاضرًا في يومها وتفكيرها، وأن القرآن علّمها الصبر والثبات وجعلها أكثر قربًا من الله سبحانه وتعالى، مشيرة إلى أن أجمل اللحظات بالنسبة لها هي شعور الإنجاز بعد إتمام حفظ السور والآيات، وأن القرآن أصبح نورًا يرافقها في مختلف تفاصيل حياتها.

إصرار ومحبة لكتاب الله

وفي مشهد آخر من مشاهد التعلق بكتاب الله، تواصل فاطمة بنت سلوم الجابري رحلتها مع حفظ القرآن الكريم بإصرار ومحبة، في تجربة تعكس أثر القرآن في تهذيب النفس ومنح الطمأنينة والثقة. وتؤكد تجربتها أن حفظ القرآن لا يرتبط بظروف معينة أو قدرات محددة، وإنما بصدق الرغبة والتعلق بكلام الله، وبالبيئة الداعمة التي تمنح الحافظة الثقة للاستمرار والمضي في طريق الحفظ.

بيئة داعمة لذوي الإعاقة

وتبرز كذلك قصة هدى بنت عوض الشندودي، من ذوات متلازمة داون، التي وجدت في مدرسة "أقرأ" بيئة من الحب والدعم والتشجيع، لتبدأ رحلة مختلفة مع القرآن الكريم، حيث قالت: "إن سماع القرآن وحفظه يجعلاني أشعر بالراحة والسعادة"، وقد استطاعت هدى الشندودي حفظ جزء عمّ من خلال الاستماع والترديد المستمر خلف معلمتها. وأضافت: "أن التحاقي بالمدرسة ساعدها على تحسين نطق الحروف والكلمات بعد معاناة مع صعوبة النطق، كما انعكس القرآن على أخلاقي وثقتي بنفسي، وأصبح دعم أسرتي ومعلماتي دافعًا مهمًّا لمواصلة رحلتي مع كتاب الله".

إرادة لا ترتبط بالعمر

ومن بين النماذج التي تؤكد أن الحلم يمكن أن يبدأ في أي مرحلة من العمر، تؤمن راية بنت محمد الغريبي، التي تحفظ أحد عشر جزءًا من القرآن الكريم من سورة الفرقان إلى سورة الناس، بأن حفظ القرآن الكريم يتحقق متى ما وُجدت الإرادة الصادقة. وتذكر راية الغريبي أن حلم حفظ القرآن ظل يرافقها طويلًا، حتى بدأت رحلتها مستفيدة من الوسائل والتقنيات الحديثة، موضحة أن التكرار والمراجعة المستمرة وسماع القرآن الكريم كانت من أهم الوسائل التي ساعدتها على تجاوز صعوبات الحفظ. وتجد راية الغريبي في قوله تعالى: "فإن مع العسر يسرًا" من سورة الشرح مصدرًا دائمًا للصبر والقوة، مشيرة إلى أن أكثر اللحظات التي تمنحها الفخر هي حين تنجح في إتقان حفظ السور الطويلة بعد جهد ومثابرة. وتؤكد أن القرآن الكريم غيّر كثيرًا من تفاصيل حياتها، وأدخل الطمأنينة والسكينة إلى نفسها وبيتها، كما لمست أثر بركة القرآن في حياتها وأولادها، حتى أصبح القرآن رفيقًا دائمًا لها في السفر والإقامة ومختلف تفاصيل يومها. وترى راية الغريبي أن الظروف لا ينبغي أن تكون عذرًا لترك حفظ القرآن الكريم، موضحة أن وسائل التعلم أصبحت متاحة للجميع، وأن الصبر والاستمرار قادران على تحويل الأحلام إلى واقع ملموس.

علاقة يومية

وقالت نصراء بنت خميس العلوي: إن القرآن الكريم غيّر حياتها للأفضل، وزادها إيمانًا ويقينًا بالله سبحانه وتعالى، حتى أصبحت تشعر بأن القرآن يرافقها في كل تفاصيل حياتها. وتوضح نصراء العلوي أن "لذة الحفظ" من أعظم المشاعر التي تعيشها في رحلتها مع كتاب الله، مؤكدة أن علاقتها بالقرآن الكريم أصبحت علاقة يومية لا تنقطع، وأن حفظه منحها شعورًا بالطمأنينة والقرب من الله سبحانه وتعالى، حتى بات القرآن بالنسبة لها نورًا يرافقها في حياتها ويمنحها اليقين والصبر والسكينة.

رفيق الطريق

ومن النماذج الملهمة أيضًا عواطف الغافري، التي وجدت في القرآن الكريم ملاذًا دائمًا في مختلف محطات حياتها، إذ كانت تلجأ إلى القرآن كلما أصابها الخوف أو الحزن أو اشتد عليها المرض، فكانت آياته تبعث الطمأنينة في قلبها وتمنحها السكينة التي تبحث عنها. وتحكي عواطف الغافري: "رحلتي مع الحفظ بدأت مع بداية عملي، عندما كنت أقطع مسافات طويلة يوميًا بين منزلي ومقر عملي، فاستثمرت ساعات الطريق في الحفظ والمراجعة حتى أصبح القرآن رفيق رحلتي اليومية". وأشارت إلى أن رحلة الحفظ امتدت سنوات، وكان أكثر ما يسبب لها التوتر تكرار سؤال بعض المحيطين بها عن موعد إتمام الحفظ، غير أن معلمتها كانت مصدر دعم وتشجيع دائم، تؤمن بقدرتها على حفظ القرآن كاملًا، وتدفعها إلى مواصلة الطريق كلما شعرت بالتعب أو اليأس. وقالت عواطف الغافري: إن القرآن أصبح رفيقي الدائم، أحمله معي في السيارة أينما ذهبت، وأحرص على استثمار أوقاتي لإتمام وردها اليومي"، مؤكدة أنها حين تنظر اليوم إلى البدايات والصعوبات التي واجهتها تشعر بالفخر بما أنجزته. وأضافت: "أن إتمام حفظ القرآن الكريم غيّر نظرتي إلى المستحيل، وجعلني أكثر يقينًا بأن الإنسان قادر بتوفيق الله على بلوغ ما يظنه بعيدًا"، مشيرة إلى أنها بدأت مرحلة جديدة في رحلتها القرآنية تتمثل في السعي للحصول على الإجازة القرآنية.

وتجسد هذه النماذج النسائية قصصًا متجددة لدارسات وجدن في القرآن الكريم نورًا وسكينة وقوة، فمنهن من واجهت المرض، ومنهن من بدأت الحفظ في سن متقدمة، ومنهن من تجاوزت الإعاقة بالتكرار والسماع والإرادة الصادقة، ليبقى القرآن الكريم جامعًا لهذه القلوب التي وجدت فيه الطمأنينة والنجاة.

ولم تكن هذه التجارب مجرد حكايات حفظ، فهي رسائل حيّة تؤكد أن القرآن الكريم يغيّر حياة الإنسان، ويبعث فيه القوة والأمل، وأن من صدق مع الله أعانه وفتح له أبواب التيسير مهما عظمت التحديات.