No Image
عمان اليوم

"الباعية".. حرفة تقليدية لصيد الأسماك في أودية دماء والطائيين

05 يونيو 2026
05 يونيو 2026

تُشكّل حرفة «الباعية» إحدى الموروثات التراثية القديمة التي ما زالت حاضرة في ذاكرة الأهالي بولاية دماء والطائيين بمحافظة شمال الشرقية، وتعكس عمق ارتباط الإنسان العُماني ببيئته، خاصة في مواسم هطول الأمطار وجريان الأودية.

وتُعد «الباعية» من الأساليب التقليدية القديمة لصيد الأسماك في مجاري الأودية، حيث ارتبطت بحياة الأهالي في المناطق الجبلية والوادية، وبما تمتلكه هذه البيئات من موارد طبيعية أسهمت في تشكيل أنماط معيشية متوارثة، اعتمدت على الخبرة والملاحظة ومعرفة تفاصيل المكان.

وقال خلفان بن مسعود العلوي، أحد الحرفيين المتمسكين بهذه الحرفة في وادي خبة بولاية دماء والطائيين، إن «الباعية» من الحرف التي امتهنها منذ نعومة أظافره وتوارثها عن الآباء والأجداد، مشيرًا إلى أنها تمثل جزءًا أصيلًا من الموروث الشعبي المرتبط بمواسم الأمطار وجريان الأودية.

وأوضح أن «الباعية» ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمواسم هطول الأمطار الغزيرة وجريان الأودية، حيث يتجه الممارسون لهذه الحرفة إلى مجاري الأودية لإعداد ما يُعرف بـ«الجلبة»، وهي موضع يُنشأ بعناية في مواقع مختارة داخل الوادي، استنادًا إلى خبرات ومعارف متوارثة عبر الأجيال.

وأضاف أن إعداد «الجلبة» يهدف إلى توجيه الأسماك الصغيرة وتجميعها في مساحة محددة يسهل احتواؤها، قبل اصطيادها باستخدام «العنكدية»، وهي أداة تقليدية اشتهرت بها المنطقة وتُستخدم في عمليات الصيد.

وبيّن أن «الباعية» لا تقتصر على كونها وسيلة تقليدية للصيد فحسب، وإنما تمثل جزءًا من الموروث الثقافي لولاية دماء والطائيين، وتجسد علاقة الإنسان العُماني ببيئته وقدرته على استثمار مواردها وما توفره من فرص للعيش.

وذكر العلوي أن هذه الممارسة تعكس رحلة البحث عن الرزق وما صاحبها من صبر ومثابرة، وتصور قدرة الأجداد على التكيف مع متغيرات الطبيعة ومواكبة متطلبات الحياة، مستندين إلى خبرات تراكمت عبر السنين ومعارف توارثتها الأجيال، لتبقى «الباعية» شاهدًا على جانب من كفاح الإنسان وإرثه الاجتماعي والثقافي في المحافظة.

وأشار إلى أن عملية الصيد تبدأ عادة من الساعة الرابعة مساءً، حيث تُترك «الباعية» في مكانها حتى الساعة الحادية عشرة ليلًا، ثم تُرفع لاستخراج ما علق بها من الأسماك، التي يُطلق عليها محليًّا اسم «الصد»، وهي من أسماك المياه العذبة الصغيرة التي تعيش وتتكاثر في الأودية والبرك المائية، وغالبًا ما تكون من نوع «الربض» وفق التسمية المتوارثة لدى الأهالي.

ولفت إلى أن طرق إعداد الصيد لا تقل أصالة عن طريقة صيده، إذ تُلف الأسماك بخوص النخيل وتُشوى على النار أو تُقلى بالزيت، في ممارسات تعكس بساطة الحياة وثراء الموروث الغذائي العُماني وما يرتبط به من عادات اجتماعية متوارثة.

وأفاد بأن من العادات المرتبطة بهذه الحرفة توزيع جزء من الصيد على الجيران في الصباح الباكر بعد أخذ نصيب الأسرة، في صورة تجسد قيم التكافل الاجتماعي والترابط بين أبناء المجتمع.

وأكد العلوي أنه يمارس هذه الحرفة منذ عام 1965م، مبينًا أنها رغم بساطتها تتطلب خبرة ودراية بطبيعة جريان المياه وسلوك الأسماك، إلى جانب معرفة دقيقة بالمواقع المناسبة لإعداد «الجلبة» وتثبيت أدوات الصيد.

وأعرب في ختام حديثه عن أمله في استمرار هذا الموروث ونقله إلى الأجيال القادمة، باعتباره جزءًا من الهوية الثقافية العُمانية التي تستحق التوثيق والحفاظ، لما تحمله من دلالات إنسانية وبيئية واجتماعية مرتبطة بحياة الإنسان في الأودية والقرى الجبلية.