مستشفى خولة يدشن برنامج دعم الحياة لحديثي الولادة الخدّج
دشّن مستشفى خولة برنامج دعم الحياة لحديثي الولادة الخدّج (NRP) في خطوة تعكس التزامه المتواصل بتعزيز جودة الرعاية الصحية المقدمة لحديثي الولادة، ورفع كفاءة الكوادر الطبية والتمريضية في التعامل مع الحالات الحرجة.
ويهدف البرنامج إلى تزويد المشاركين بالمهارات والمعارف الأساسية اللازمة لإنعاش حديثي الولادة، وفق أحدث البروتوكولات والمعايير العالمية، بما يسهم في تحسين فرص النجاة وتقليل المضاعفات الصحية لدى الأطفال الخدّج.
وشهد البرنامج مشاركة واسعة من الكوادر الصحية بمختلف تخصصاتها، وتضمن تدريبًا عمليًا ونظريًا على أساليب الإنعاش الحديثة، والتعامل مع الحالات الطارئة في غرف الولادة ووحدات العناية المركزة لحديثي الولادة.
وتأتي هذه المبادرة ضمن جهود المستشفى المستمرة لتطوير الكفاءات الطبية وتعزيز جاهزية الفرق الصحية، بما ينعكس إيجابًا على جودة الخدمات وسلامة المرضى.
ويُعد برنامج (NRP) من البرامج التدريبية المعتمدة عالميًا في مجال إنعاش حديثي الولادة، حيث يسهم في توحيد الممارسات الطبية ورفع مستوى الاستجابة للحالات الحرجة منذ اللحظات الأولى للولادة.
وقال الدكتور محمد بن حمد اليحمدي، استشاري أول عناية مركزة أطفال حديثي الولادة بمستشفى خولة: إن الهدف الأساسي للبرنامج هو ضمان حياة صحية وآمنة لكل مولود، مشيرًا إلى أن معدل وفيات حديثي الولادة يُعد من أهم المؤشرات الدولية في قياس كفاءة الأنظمة الصحية.
وأوضح أن سلطنة عُمان تُعد من الدول المتقدمة في هذا المجال، حيث سجلت معدلات منخفضة مقارنة بدول المنطقة، لافتًا إلى التطور الملحوظ الذي شهدته وحدات العناية المركزة لحديثي الولادة خلال السنوات الأخيرة تحت قيادة الكوادر الوطنية.
وبيّن أن وحدة العناية المركزة لحديثي الولادة في مستشفى خولة تُعد الأولى من نوعها في السلطنة، وهي من أكبر الوحدات المتخصصة، حيث تضطلع بدور محوري في تقديم رعاية متقدمة، إضافة إلى دعم الأقسام الجراحية المختلفة، والمساهمة في تدريب وتأهيل الكوادر الصحية على مستوى السلطنة.
وأضاف: إن المستشفى يشارك في البرامج الوطنية لتأهيل الكوادر من مختلف المحافظات، بما يضمن توافقها مع المعايير والاعتمادات الدولية، من خلال اختيار وتأهيل المدربين وفق التوصيات العالمية، مؤكدًا أن هذا المشروع يأتي نتاج تعاون بين مختلف المؤسسات الصحية بهدف الارتقاء بجودة الخدمات المقدمة للمرضى.
ويُوضّح الدكتور أن برنامج إنعاش حديثي الولادة يُعد حجر الزاوية في الرعاية المقدمة للمواليد الجدد، إذ يهدف إلى تزويد الكوادر الطبية بالمهارات والمعرفة اللازمة للتعامل الفعّال مع حالات ضيق التنفس أو توقف القلب عند الولادة.
وأشار إلى أن البرنامج تأسس عام 1987م بالتعاون بين الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال وجمعية القلب الأمريكية، وجاء استجابة لحاجة ملحة لتوحيد وتطوير أساليب إنعاش المواليد، بما يضمن وجود مقدم رعاية مدرّب عند كل ولادة.
وبيّن أنه قبل ظهور البرنامج كانت ممارسات إنعاش حديثي الولادة تفتقر إلى التوحيد العلمي، وتعتمد في كثير من الحالات على أساليب غير مثبتة، ومع بداية انتشار وحدات العناية المركزة لحديثي الولادة في الدول الغربية منتصف السبعينيات، برزت الحاجة إلى تحسين الرعاية الأولية داخل غرف الولادة.
وأضاف: إن الإحصاءات العالمية تشير إلى أن نحو 10% من المواليد يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة التنفسية عند الولادة، بينما يحتاج أقل من 1% إلى إنعاش مكثف، وهو ما يؤكد أهمية وجود بروتوكول موحد وفعّال يسهم في إنقاذ حياة هذه الفئة من المواليد.
ويؤكد استشاري أول عناية مركزة أطفال حديثي الولادة أن برنامج إنعاش حديثي الولادة ليس مجرد دورة تدريبية، بل هو نظام متكامل لإنقاذ الأرواح وتوحيد معايير الرعاية الصحية على المستويين المحلي والعالمي، مشددًا على أن التزام الكوادر الطبية بالتحديث المستمر يمثل الضمان الحقيقي لصحة أجيال المستقبل، وأن التطور العلمي والتكنولوجي في البرنامج يهدف دائمًا إلى تقليل المخاطر وتحسين جودة الحياة للمواليد الجدد.
وقد شهدت سلطنة عُمان رحلة تطور متميزة في تطبيق وتطوير برنامج إنعاش حديثي الولادة، حيث بدأت ملامحه الأولى عبر مبادرات فردية قادها عدد من الأطباء والممارسين المهتمين بتطوير رعاية حديثي الولادة، قبل أن يتحول تدريجيًا إلى جزء أساسي من منظومة النظام الصحي في السلطنة.
وانطلقت هذه الجهود بشكل فردي في أوائل الألفية لتشكل عام 2007م نقطة تحول مهمة مع اعتماد أول خمسة مدربين في السلطنة، منهم ثلاثة من المستشفى السلطاني واثنان من مستشفى خولة، وهو ما أسس لمرحلة التدريب الوطني المنظم في هذا المجال.
وفي عام 2011م تم إدخال مفهوم المحاكاة في التدريب، مع التركيز على مراقبة الأكسجين باستخدام قياس تأكسج النبض، ما أسهم في رفع كفاءة التعامل مع الحالات الحرجة.
وبحلول عام 2012م، بدأ المدربون المعتمدون دوليًا في تقديم الدورات داخل المجلس العُماني للاختصاصات الطبية وفي مختلف المستشفيات، مما أسهم في توسيع نطاق البرنامج على المستوى المؤسسي.
وفي عام 2016م أوصى البرنامج بأهمية تعزيز التواصل بين أعضاء الفريق الطبي، واستخدام هواء الغرفة في عمليات الإنعاش، إضافة إلى تأخير قطع الحبل السري لمدة تتراوح بين 30 و60 ثانية، وهي توصيات أسهمت في تحسين الممارسات السريرية بشكل ملحوظ.
وفي عام 2021م تم تطوير البرنامج ليشمل مستويين للتدريب، هما “الأساسيات” و“المتقدم”، بما يتيح تدرجًا مهنيًا في اكتساب المهارات. أما في عام 2022م، فقد بدأت جمعية القلب الأمريكية باعتماد المراكز الدولية، وكان المجلس العُماني للاختصاصات الطبية ومستشفى صحار من أوائل المراكز الحاصلة على هذا الاعتماد، تلاه مستشفى جامعة السلطان قابوس في عام 2023م.
ومع حلول عام 2026م أصبح الإصدار التاسع من برنامج إنعاش حديثي الولادة هو المعيار المعتمد حاليًا، حيث يتوافق مع أحدث توصيات المجلس الدولي للإنعاش وجمعية القلب الأمريكية، ويتميز بدمج أوسع للتقنيات الرقمية، وتحديث بروتوكولات التعامل مع المواليد الخدّج، إلى جانب تعزيز آليات التواصل بين فرق الرعاية الصحية لضمان أعلى مستويات الرعاية المبنية على الأدلة.
وفي إطار هذه الجهود أطلقت وزارة الصحة العام الماضي مبادرة طموحة لاعتماد معظم مراكز الإنعاش في مختلف محافظات السلطنة، بهدف توحيد المعايير ورفع جودة التدريب، بما يعزز كفاءة المنظومة الصحية في التعامل مع حالات حديثي الولادة على مستوى وطني موحد.
تحديث مستمر
ويتجه مستقبل برنامج إنعاش حديثي الولادة نحو مزيد من الابتكار التكنولوجي لتعزيز جودة التدريب وتحسين النتائج السريرية، من خلال توظيف أدوات وتقنيات حديثة تدعم تطوير مهارات الكوادر الصحية.
ويشمل هذا التوجه التوسع في استخدام تقنيات الواقع الافتراضي والواقع المعزز، بما يوفر بيئات محاكاة عالية الدقة تتيح التدريب المتكرر والآمن في أي وقت ومكان، الأمر الذي يسهم في رفع جاهزية الفرق الطبية للتعامل مع الحالات الحرجة بكفاءة أعلى.
كما يتضمن التطوير إدخال أنظمة دعم القرار الذكية القائمة على الذكاء الاصطناعي، والتي تقدم إرشادات فورية داخل غرفة الولادة بناءً على البيانات الحيوية المباشرة للمولود، بما يعزز سرعة ودقة الاستجابة في اللحظات الحرجة.
إلى جانب ذلك، سيتم تعزيز منصات التدريب الرقمية عن بُعد، بما يضمن وصول البرامج التدريبية إلى المناطق النائية، ويحقق استدامة الكفاءة لجميع مقدمي الرعاية الصحية في مختلف محافظات السلطنة.
