مسابقات القرآن الكريم.. ميادين تربوية تصنع التميز وترسّخ القيم في نفوس الناشئة
تواصل مسابقات القرآن الكريم وبرامجه التعليمية في مختلف محافظات سلطنة عُمان أداء دورها التربوي والروحي في رعاية الناشئة، وتعزيز صلتهم بكتاب الله تعالى، من خلال حلقات الحفظ والتلاوة والتجويد، والبرامج القرآنية المتخصصة التي باتت تشكل بيئات تعليمية محفزة لصقل المهارات، وتنمية القيم، وإذكاء روح المنافسة الإيمانية بين الطلبة والدارسين.
ولا تقف هذه المسابقات عند حدود التنافس في الحفظ والتلاوة والصوت الحسن، وإنما تمتد إلى بناء الشخصية المتوازنة للطالب، وتعزيز ثقته بنفسه، وتنمية قدرته على الانضباط والمثابرة، وربط التحصيل العلمي بالقيم الإيمانية والأخلاقية التي يمثلها القرآن الكريم في حياة الفرد والمجتمع.
وتعد حفلات تكريم المجيدين في المعاهد والمدارس والمراكز القرآنية محطات تربوية مهمة، تحتفي بالاجتهاد وتقدّر جهود الطلبة والحافظين، وتؤكد في الوقت ذاته أهمية الشراكة بين المؤسسات التعليمية والقرآنية وأولياء الأمور في متابعة الأبناء، وتشجيعهم على مواصلة طريق العلم والحفظ والتميز.
بيئة تعليمية محفزة
ففي محافظة ظفار، احتفل معهد العلوم الإسلامية بصلالة بتكريم الطلبة المجيدين للعام الدراسي 2025 / 2026م، بحضور الهيئة الإدارية والتدريسية وأولياء الأمور والطلاب، في مناسبة عكست اهتمام المعهد بتقدير التفوق العلمي والتربوي، وتحفيز الطلبة على مواصلة العطاء والتميز.
وتناول سالم بن سهيل عيرون الشحري مدير المعهد في كلمته عددًا من المحاور التربوية المهمة، من بينها التقنية الحديثة وأثرها في الطلبة، وآلية التعامل معها وحسن استخدامها في ظل المغريات والتطورات التقنية المتسارعة، مشيدًا بالطلاب الذين تمكنوا من توظيف هذه الوسائل بما يعود عليهم بالنفع والفائدة.
وجسدت الكلمة التي قدمها الطالب المعتز رعفيت من الصف العاشر وعي الطلبة بأهمية التعاون والاجتهاد والسعي نحو التميز، إذ حملت رسائل إلى زملائه الطلاب، ورسالة شكر وتقدير للهيئة التدريسية والإدارية، ورسالة وفاء وعرفان لأولياء الأمور، بما يعكس تكامل الأدوار في دعم المسيرة التعليمية والتربوية. كما تضمن الحفل فقرات متنوعة وكلمة باللغة الإنجليزية أبرزت مهارات الطلبة اللغوية والثقافية، إلى جانب عرض مرئي وثّق الأنشطة والبرامج والفعاليات التي أقيمت خلال العام الدراسي، في دلالة على أن المؤسسات التعليمية لم تعد تكتفي بالتحصيل المعرفي، وإنما تسعى إلى بناء شخصية الطالب في مختلف الجوانب العلمية والثقافية والسلوكية.
الحافظات ورفعة القرآن
وفي ولاية ضنك بمحافظة الظاهرة، احتفلت مدرسة ضنك الوقفية للقرآن الكريم بتكريم 59 من حافظات القرآن الكريم، في حفل أقيم بقاعة الجفير، تأكيدًا لمكانة تعليم القرآن الكريم وحفظه في المجتمع، واحتفاءً بالحافظات اللاتي أتممن مراحل متقدمة في هذا المسار المبارك.
وأكدت مشرفة المدرسة في كلمتها عظمة نعمة خدمة كتاب الله تعالى وتعليمه وتعلمه، مشيرة إلى أن هذا التكريم يأتي احتفاءً بخاتمات كتاب الله العزيز، واصفة المناسبة بأنها حفل يفيض نورًا وسعادة. كما عبّرت عن تقديرها للجهود التي أسهمت في ترسيخ هذه المسيرة القرآنية، مثمنة دور الإداريات والمحفظات اللاتي عملن بإخلاص وتفانٍ في تعليم كتاب الله وغرس محبته في نفوس الطالبات.
وتوزعت الحافظات المكرمات على عدد من الحلقات القرآنية، من بينها حلقة زينب بنت الحارث، وذات النطاقين، وتاج الوقار، وسودة أم المؤمنين، بما يعكس تنوع البرامج والحلقات التي تستقطب الدارسات، وتوفر لهن بيئة إيمانية وتعليمية تعينهن على مواصلة الحفظ والمراجعة.
ويهدف برنامج تعليم وحفظ القرآن الكريم إلى إذكاء روح المنافسة الإيمانية بين حفظة كتاب الله، وتعزيز الاعتزاز بمقومات الهُوية الإسلامية، وإكساب الدارسات القيم القرآنية الخالدة، إلى جانب تنمية الحصانة الأخلاقية، وتفعيل دور الأسرة والمدرسة في متابعة الأبناء وحثهم على تلاوة القرآن الكريم وحفظه.
مراكز قرآنية فاعلة
وفي ولاية وادي المعاول بمحافظة جنوب الباطنة، احتفلت إدارة مركز وادي المعاول القرآني ومدرسة القرآن الكريم بقرية حبراء بختام برامجها القرآنية والتعليمية، في حفل أبرز الجهود المؤسسية المنظمة في تعليم القرآن الكريم ونشر علومه بين مختلف الفئات العمرية.
وأكد عبدالعزيز بن عبدالرحمن المعولي في كلمة ترحيبية أهمية رسالة القرآن الكريم في بناء الأجيال وتعزيز القيم الدينية والتربوية في المجتمع، مشيرًا إلى دور المراكز القرآنية في صقل مهارات الطلبة علميًا وسلوكيًا، وإلى الجهود التي تبذلها الجمعية العُمانية للعناية بالقرآن الكريم ومدرسة القرآن الكريم بقرية حبراء في نشر وتعليم كتاب الله تعالى في مجالات الحفظ والتلاوة والتجويد.
واشتمل الحفل على تلاوات قرآنية قدمها عدد من الطلبة المتميزين، من بينهم طالب فائز بالمركز الأول في حفظ القرآن الكريم كاملًا، وطالبة حاصلة على المركز الأول في حفظ جزأين من القرآن الكريم، في مشهد عكس ثمار العناية بالتعليم القرآني والتحفيظ المتقن.
واستعرض عرض مرئي أبرز منجزات مدرسة القرآن الكريم بحبراء والمركز القرآني بولاية وادي المعاول، إذ بدأت المدرسة عام 1440هـ الموافق 2015م، وافتتحت رسميًا عام 1444هـ الموافق 2018م، على مساحة أرض تبلغ 600 متر مربع، وبمساحة بناء تصل إلى 1027 مترًا مربعًا، وبطاقة استيعابية تقارب 440 طالبًا وطالبة في الوقت الواحد، وبتكلفة تقديرية بلغت 132 ألف ريال عُماني.
ويقدم المركز عددًا من البرامج التعليمية المتخصصة، من أبرزها برنامج "المرتل المجيد" الهادف إلى إكساب الطلبة مهارات القراءة الصحيحة وأحكام التجويد النظرية والعملية وصولًا إلى ختم القرآن الكريم، وبرنامج "المرتل الصغير" المخصص لتعليم الحروف والقراءة والكتابة للمبتدئين، وبرنامج "الحافظ الذهبي" لحفظ القرآن الكريم كاملًا وفق منهجية التسبيع، إلى جانب مشروع "البذرة المباركة" للأطفال في مرحلة الروضة والتمهيدي.
كما ينفذ المركز دورات قرآنية تجويدية متخصصة تنتهي بالحصول على الإجازة القرآنية بالتنسيق مع جامعة السلطان قابوس، إضافة إلى برامج صيفية تشمل سور صلاتي للأطفال الصغار، وتصحيح التلاوة، والحفظ المكثف، بما يعكس امتداد العمل القرآني من الحفظ إلى التأسيس اللغوي والتربوي والمهاري.
وبلغ عدد المستفيدين من برامج المدرسة والمركز منذ افتتاحه 3754 طالبًا وطالبة ومشاركًا، وشارك في تنفيذ البرامج 55 معلمًا ومعلمة، فيما بلغ عدد الحاصلين على الإجازة القرآنية برواية حفص عن عاصم 62 مجازًا ومجازة، إضافة إلى سبعة مجازين برواية شعبة عن عاصم. كما نفذ المركز أكثر من 143 دورة ومشغلًا تدريبيًا، وعقد 171 لقاءً واجتماعًا بالتعاون مع جهات أهلية ورسمية، إلى جانب تخريج 34 معلمًا ومعلمة أصبحوا يدرسون في المدرسة والمركز.
وتشير هذه الأرقام إلى اتساع أثر المراكز القرآنية في المجتمع، وقدرتها على تحويل التعليم القرآني إلى عمل مؤسسي مستدام، يرفد المجتمع بكفاءات قادرة على التعليم والتحفيظ، ويعزز حضور القرآن الكريم في الحياة اليومية للأسر والطلبة.
تنافس مدرسي واسع
وفي محافظة جنوب الشرقية، كرّمت المديرية العامة للتعليم بالمحافظة الطلبة الفائزين في مسابقتي تلاوة وحفظ القرآن الكريم للعام الدراسي 2025 / 2026م، في حفل أقيم بقاعة مكتب والي الكامل والوافي تحت رعاية عبدالله بن علي بن سالم الفوري مدير عام المديرية، وبحضور عدد من المسؤولين وممثلي الشركات الداعمة ومديري الدوائر والمدارس وأولياء الأمور.
وأوضحت كلمة المديرية التي ألقاها الدكتور عثمان بن عبدالرحمن البلوشي مدير دائرة تطوير الأداء المدرسي أهمية مسابقة تلاوة وحفظ القرآن الكريم في صقل مواهب الطلبة، مشيرًا إلى مشاركة نحو 600 طالب وطالبة من مختلف مدارس المحافظة، ومبينًا جهود لجان التنظيم والإشراف والداعمين في إنجاح المسابقة.
وشهد الحفل تكريم 93 طالبًا وطالبة من الفائزين بالمراكز الأولى في مسابقتي التلاوة وحفظ القرآن الكريم والصوت الحسن، إلى جانب تكريم لجنة التقييم من المشرفين التربويين والمتعاونين والداعمين، وكذلك المدارس والمعلمين الذين حقق طلابهم المراكز الأولى.
وتنظم وزارة التعليم هذه المسابقة سنويًا، إذ تُقسم مسابقة الحفظ إلى ستة مستويات وفق الصفوف الدراسية، فيما تُقسم مسابقة التلاوة والصوت الحسن إلى ثلاثة مستويات، بما يسهم في تعزيز مهارات الطلبة في التلاوة والحفظ وفق منهجيات تربوية متدرجة تراعي الفئة العمرية والمستوى التعليمي.
كما شهدت مدرسة الهداية لتحفيظ القرآن الكريم بمنطقة البندر الجديد بولاية جعلان بني بوعلي حفل ختام الدراسة وتكريم عدد من حفظة القرآن الكريم، تحت رعاية ناصر بن علي البوسعيدي مدير إدارة الأوقاف والشؤون الدينية بمحافظة جنوب الشرقية وحضور جمعة بن مبارك السعدي رئيس قسم الأوقاف وإعمار المساجد ومدارس القرآن الكريم بالإدارة.
وشهد الحفل تكريم 110 طلاب من حفظة القرآن الكريم، عكس الجهود المبذولة من قبل المعلمين وأولياء الأمور في متابعة الطلبة وتحفيزهم على مواصلة مسيرة الحفظ والتعلم.
وأكد القائمون على المدرسة أن مثل هذه المبادرات تسهم في إيجاد جيل متمسك بتعاليم الدين الإسلامي، وتمثل دافعًا للطلبة للاستمرار في حفظ القرآن الكريم والتنافس في ميادين العلم والمعرفة.
وتبرز هذه المسابقات دور المعلمين والمحفظين والمشرفين في رعاية المواهب القرآنية، ودور أولياء الأمور في المتابعة والتحفيز، ودور المؤسسات التعليمية والمجتمعية في توفير بيئة منظمة تحفظ للطلبة مسارهم في الحفظ والتلاوة والتجويد، وتفتح أمامهم آفاقًا أوسع في التعلم والانضباط والمنافسة الشريفة.
