مختصون : المرونة المناخية استثمار حيويا لمواجهة مخاطر الكوارث
تتزايد أهمية طرح السؤال الأكثر إلحاحاً في الوقت الراهن: كيف يمكن للمجتمعات والاقتصادات أن تصمد في مواجهة التغيرات المناخية المتسارعة، التي تؤثر على جميع جوانب التنمية المستدامة، وليس فقط البيئة؟ إن التركيز على تعزيز المرونة المناخية الشاملة يعد ضرورة ملحة؛ إذ يستدعي الأمر التفكير في حلول مستدامة تأخذ بعين الاعتبار التحديات الحالية والمستقبلية. من خلال ذلك، يمكن تحقيق استقرارٍ ونموٍ مستدام يضمن للثروات والموارد الطبيعية البقاء والتوازن في وجه التقلبات المناخية.
يقول المهندس خالد بن محمد البلوشي المدير العام للتغير المناخي بالندب: "أن مفهوم المرونة لم يعد مجرد عبارة تُستخدم في المؤتمرات الدولية، بل أصبح ضرورة تحليلية أساسية لكل من المؤسسات والدول للتكيف مع عصر الاضطرابات المناخية المتزايدة، وفي ظل التحديات الحالية تتعرض سلاسل الإمداد العالمية لتعطيلات نتيجة الكوارث الطبيعية، تتزايد المخاطر الوجودية المرتبطة بالتفاعل بين أمن الطاقة والمياه والغذاء، لذا يصبح بناء أنظمة قادرة على التكيف مع الصدمات أمراً أكثر أهمية من مجرد التخفيف من آثارها." ويضيف "منذ عام 2007، وتحديداً بعد إعصار "جونو" الذي أسفر عن خسائر تقدر بنحو 4 مليارات دولار، أدركت سلطنة عمان الثمن الباهظ لتغير المناخ، ومع تزايد شدة الأعاصير الاستوائية مثل "مكونو" و"شاهين"، باتت هناك حاجة ملحة لتبنّي سياسات استباقية للحماية من هذه التحديات، وتشير الإحصاءات إلى أن السلطنة تأثرت بين عامي 2007 و2021 بـ 22 حالة مدارية متطرفة، مما وضعها على قمة الدول التي تواجه تهديدات متزايدة كارتفاع مستوى سطح البحر واختلاط المياه المالحة مع المخزون الجوفي، بالإضافة إلى الارتفاع الملحوظ في درجات الحرارة". ويؤكد البلوشي أنه بالرغم من هذه التحديات، تمكنت سلطنة عمان من إحراز موقعها بين أفضل خمس دول عربية في مؤشر المرونة لمواجهة تغير المناخ، الذي أعدته شركة "هنلي أند بارتنرز" البريطانية، حيث احتلت المركز 54 عالمياً، وهذا التصنيف دليلاً على استعداد الدولة للتكيف والصمود في مواجهة التغيرات المناخية، ويؤكد مكانتها في صفوف الدول ذات المرونة المتوسطة على المستوى العالمي.
مبادرات وطنية
وأوضح المهندس خالد أن هيئة البيئة في سلطنة عمان تقوم بدور رائد في تعزيز المرونة المناخية من خلال جهود متكاملة بالتعاون مع الشركاء المحليين والدوليين، وتتجلى هذه الجهود في العديد من المبادرات والمشاريع التي تشمل مختلف القطاعات الحيوية، وذلك في إطار التخطيط الاستراتيجي للتكيف المناخي.
وفي يوليو الماضي استضافت مسقط حلقة عمل دولية بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (اليونيدو)، بهدف تعزيز التكيف مع التغيرات المناخية، وكانت الحلقة تهدف إلى إعداد الخطة الوطنية للتكيف (NAP) وتعزيز عنصر التكيف في التقرير الثالث للمساهمات المحددة وطنياً (NDC3).
وأكدت مها بنت علي البلوشية من هيئة البيئة أن هذه الخطة تُعتبر "أداة استراتيجية لتحديد الأولويات الوطنية، وتعزيز قدرات المؤسسات، وبناء أنظمة متكاملة لإدارة المخاطر المناخية، مع التركيز على قطاعات حيوية مثل المياه والزراعة والصحة والمناطق الساحلية." وفي خطوة ريادية على المستوى الإقليمي، أطلقت سلطنة عمان "المنصة الوطنية للمناخ" خلال مؤتمر الأطراف الثلاثين (COP30)، كأداة استراتيجية تهدف إلى جذب التمويل المناخي وتعزيز التعاون الدولي.
وأوضحت الدكتورة ثريا السريرية أن المنصة تعمل كمركز وطني شامل للتنسيق والاستثمار، وتستند إلى ثلاثة مبادئ أساسية: الملكية الوطنية، الشراكة، والشفافية، وتضع المنصة تركيزاً على قطاعات ذات أولوية عالية، مثل الطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر، والمياه والزراعة، والمرونة المناخية، وإدارة النفايات والاقتصاد الدائري، بما يتماشى مع رؤية عمان 2040 واستراتيجية الحياد الصفري 2050.
كما يُظهر الاهتمام بالبنية التحتية للحماية من الفيضانات من خلال إنشاء سدود للحماية والتغذية الجوفية، بعد إعصار جونو عام 2007، وُضع اقتراح لإنشاء 56 سداً للحماية وتأهيل مجاري الأودية، وتم تنفيذ 3 سدود في مسقط وظفار وجنوب الشرقية، وقد أثبتت هذه السدود فعاليتها في الحد من مخاطر جريان الأودية على المناطق السكنية، ويجري حالياً تنفيذ سدين آخرين في مسقط وسدين في ظفار، بالإضافة إلى مشاريع جارية في ولاية السيب والعامرات، مع تقدم ملحوظ في سدود التغذية الجوفية في ولاية إبراء وينقل وضنك.
وفي ظل وجود المدن الحضرية التي تشكل الخط الأمامي لمواجهة التغيرات المناخية، حيث تستضيف أكثر من نصف سكان العالم وتستهلك نحو ثلثي الطاقة العالمية، فإن التخطيط الحضري وجاهزية المدن تصبح عنصراً حاسماً في تعزيز المرونة المناخية، خاصة في سلطنة عمان حيث تتركز الكثافة السكانية والبنية التحتية في المناطق الساحلية المهددة بارتفاع مستوى البحر والأعاصير.
التخطيط الحضري
أضاف المهندس خالد البلوشي أن "التخطيط الحضري للمرونة المناخية يتجاوز مجرد تشييد المباني والطرق؛ إذ يتطلب رؤية شاملة تستشرف المستقبل، ويكمن جوهر هذا المفهوم في تصميم المدن بطريقة تضمن قدرتها على الصمود أمام الصدمات المناخية والتعافي منها بسرعة، ويتطلب دمج اعتبارات التكيف مع المناخ في جميع مراحل التخطيط العمراني، بدءاً من اختيار المواقع الآمنة للتنمية، ومروراً بتصميم شبكات البنية التحتية القادرة على تحمل الظواهر المتطرفة، وانتهاءً بإنشاء مساحات خضراء تساعد في امتصاص مياه الفيضانات وتخفيف آثار الجزر الحرارية." كما أفاد المهندس البلوشي أن المرونة المناخية لم تعد ترفاً، بل أصبحت حجر الأساس لتحقيق النمو المستدام والعادل، وتعد سلطنة عمان نموذجاً يحتذى به في تحويل هذا المفهوم إلى واقع ملموس، من خلال مشاريعها الطموحة واستراتيجياتها الوطنية التي توازن بين حماية المواطنين والاقتصاد، والحفاظ على البيئة للأجيال القادمة. مؤكدا أن بناء المرونة يعني ببساطة القدرة على الصمود في وجه عواصف الغد، وضمان ألا يكون التقدم الذي نحرزه هشاً أمام تقلبات الطبيعة.
