عمان اليوم

تربويون : اكتظاظ الفصول الدراسية يهدد جودة التحصيل ويستنزف جهد المعلمين

16 مارس 2026
فوضى صفية واختلال المتابعة الفردية
16 مارس 2026

يرى عدد من التربويين أن اكتظاظ الفصول الدراسية ينعكس سلبًا على جودة التعليم ومستوى تحصيل الطلبة إضافة إلى تأثيره في قدرة المعلم على ضبط النظام داخل الصف كما يمتد أثره إلى الحالة النفسية للمعلم وقدرته على أداء دوره التربوي بكفاءة، في ظل تزايد الأعباء التعليمية والإدارية ، مشيرين إلى أهمية الحفاظ على التوازن النفسي للمعلم، وتهيئة بيئة عمل مرنة تقلل من الأعباء الإدارية المشتتة، بما يتيح له التركيز على رسالته التعليمية وأداء مهامه التربوية بكفاءة.

وأوضح عدد من المعلمين لـ«عُمان» أن اكتظاظ الفصول يؤدي إلى زيادة الفوضى والمشكلات السلوكية داخل الصف، الأمر الذي يرفع من مستوى الإجهاد الذي يتعرض له المعلم خلال الحصة الدراسية.

وقال سالم بن سليم العبري مدير مدرسة: إن عدد الطلبة في الفصل الواحد في العديد من المدارس الحكومية يتراوح بين 35 و38 طالبًا، وقد يصل في بعض المدارس إلى 40 طالبًا، في حين أن العدد المثالي تربويًا يتراوح بين 20 و25 طالبًا فقط، وهو العدد الذي يسهم في تحقيق جودة تعليمية أعلى وتفاعل أفضل داخل الفصل.

وأضاف أن الفصول ذات الأعداد المناسبة تتيح فرصًا أكبر للنقاش والمتابعة الفردية للطلبة، بينما تسود الأساليب التقليدية في الفصول المكتظة، ويقل فيها الإبداع والتجديد نتيجة ضيق الوقت وكثرة الأعداد.

وأشار إلى أن الاكتظاظ يحدّ من قدرة المعلم على الشرح والتفاعل المباشر مع الطلبة، ما يضطره في كثير من الأحيان إلى الاكتفاء بالشرح العام والسريع دون مراعاة الفروق الفردية بين الطلبة أو تقديم الدعم الكافي للطلبة الذين يعانون من ضعف في التحصيل الدراسي.

وبيّن أن هذا الوضع قد يؤدي إلى تراجع مستوى التحصيل الدراسي لدى بعض الطلبة، خصوصًا في المواد العلمية، لا سيما الطلبة الذين يعانون من تدني المستوى التحصيلي أو صعوبات التعلم، نظرًا لعدم حصولهم على القدر الكافي من المتابعة الفردية.

وحول التحديات اليومية التي تواجه المعلم داخل الفصل المكتظ، أوضح العبري أن ضبط الصف يصبح تحديًا يوميًا، حيث تستنزف الفوضى والمشكلات السلوكية جزءًا من زمن الحصة الدراسية، إلى جانب ما يواجهه المعلم من إجهاد جسدي وذهني نتيجة التعامل مع أعداد كبيرة من الطلبة، سواء أثناء الشرح أو عند إعداد الأنشطة والاختبارات وتصحيحها.

وأضاف أن كثرة الأعداد تؤدي كذلك إلى ضيق الوقت اللازم لإنهاء المنهج الدراسي، فضلاً عن صعوبة تقييم مستوى كل طالب بشكل دقيق وعادل.

ويشاركه الرأي حمود بن سعيد العبري معلم التربية الإسلامية بمدرسة الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري للتعليم الأساسي بولاية الحمراء، بقوله أن اكتظاظ الطلبة في الفصل الواحد يفرض ضغطًا مستمرًا على المعلم نتيجة متطلبات المتابعة والمشاركة داخل الحصة، إلى جانب صعوبة الحركة والتنقل بين المقاعد في ظل الأعداد الكبيرة، فضلًا عن الضجيج وكثرة الحديث بين الطلبة.

وأوضح أن عدد الطلبة في بعض الفصول يصل إلى 37 طالبًا، في حين أن العدد المناسب تربويًا لا يتجاوز 29 طالبًا، بما يتيح للمعلم ضبط الفصل وتنفيذ أكثر من نشاط خلال الحصة الدراسية ، مشيرا بأن الاكتظاظ قد يؤدي إلى تراجع مستوى التحصيل الدراسي لدى الطلبة، خاصة أولئك الذين يحتاجون إلى تغذية راجعة مستمرة، إضافة إلى الطلبة متوسطي الفهم الذين يتأثرون بشكل أكبر في الفصول المكتظة.

بيئة صفية مكتظة

من جهتها قالت شيماء بنت محمد الهنائي معلمة لغة عربية بتعليمية الداخلية، إن الحديث عن اكتظاظ الفصول الدراسية يبعث في نفس المعلم شيئًا من القلق والحزن، نظرًا لما يفرضه من تحديات يومية داخل البيئة الصفية.

وأوضحت أن عدد الطالبات في بعض الفصول يتراوح بين 37 و39 طالبة، وقد يتجاوز في بعض الأحيان 40 طالبة في الشعبة الواحدة، وهي أعداد لا تتناسب مع المساحة المتاحة داخل الصفوف الدراسية، خاصة مع وجود الأثاث المدرسي الذي يقيّد حركة المعلمة والطالبات ويحد من سهولة التنقل بين المقاعد.

وأضافت أن هذا الواقع قد يؤدي إلى انخفاض مستوى التفاعل التعليمي داخل الفصل، كما قد ينعكس على مستوى التحصيل الدراسي لدى الطالبات نتيجة ضعف التركيز وقلة فرص الفهم العميق والمتابعة الفردية، في ظل بيئة صفية مكتظة لا تتيح الوقت الكافي للشرح المفصل أو تقديم التغذية الراجعة لجميع الطالبات.

وأشارت إلى أن من أبرز التحديات التي تواجه المعلمات في الفصول المكتظة تنفيذ الاختبارات الفترية، حيث تضطر المعلمة أحيانًا إلى إخراج طاولة المعلمة من القاعة لإعادة توزيع طاولات الطالبات بحيث تكون متباعدة قدر الإمكان، تفاديًا لحدوث الغش.

كما لفتت إلى أن تطبيق استراتيجيات التعلم التعاوني يواجه صعوبات مماثلة، إذ يتطلب العمل الجماعي تجميع الطالبات في مجموعات متقاربة لتيسير الحوار وتبادل الأفكار، إلا أن تحريك الطاولات الفردية وإعادة ترتيبها داخل مساحة محدودة ليس بالأمر السهل، الأمر الذي قد يحد من فاعلية هذه الاستراتيجيات التعليمية.

وأكدت أن ضبط الصف يبقى في نهاية المطاف مسؤولية المعلمة التي تمتلك الحضور التربوي والأسلوب الحكيم في إدارة الصف، مشيرة إلى أن المعلمة قادرة على غرس حب المادة العلمية في نفوس الطالبات وتعزيز قيم الاحترام والانضباط داخل البيئة الصفية.

وحول الحلول المقترحة، أوضحت الهنائية أن من بين الخيارات التي قد تسهم في معالجة هذه التحديات إعادة النظر في تصميم المباني المدرسية الجديدة بحيث تكون الفصول الدراسية أكثر اتساعًا، وقادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الطلبة. وأضافت أن توفير قاعات تعليمية بمساحات أرحب من شأنه أن يهيئ بيئة تعليمية أكثر تنظيمًا وفاعلية، ويساعد الطلبة على التكيف مع البيئات التعليمية التي قد تضم أعدادًا أكبر من المتعلمين في مراحل التعليم المختلفة.

تأخر سير المنهج

وأوضحت مروة بنت مسعود المحروق معلمة مجال أول بمدرسة رؤى المستقبل للتعليم الأساسي، أن فصلها يضم 35 طالبًا، مشيرة إلى أن العدد المثالي لا يتجاوز 20 طالبًا خاصة في المدارس التابعة للحلقة الأولى، نظرًا لصغر أعمار الطلبة المرتبطة بنشاط وحركة مفرطة. وأضافت أن الاكتظاظ يؤثر سلبًا على متابعة الطلبة على اختلاف مستوياتهم وقدراتهم العلمية، كما له تأثير على الصحة المهنية والنفسية للمعلمة.

وقالت المحروقية: «كمعلمة، نواجه مشكلات تؤثر على سير المنهج الدراسي بسبب متابعة جميع الطلبة على اختلاف مستوياتهم، في الوقت الذي تكلف فيه المعلمة بتدريس أكثر من فصل وإعداد الأنشطة المناسبة لهم». وأشارت إلى ضرورة تخفيف الاكتظاظ من خلال فتح مدارس جديدة، خصوصًا في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية، إضافة إلى إمكانية اعتماد نظام الدراسة عن بُعد في بعض أيام الأسبوع، وتقليل نصاب الحصص على المعلمة لتتمكن من التركيز على جودة التعليم.

من جهتها، قالت صفا بنت حسين السعدي معلمة الفيزياء بمدرسة أم كلثوم بنت عقبة للتعليم الأساسي بمحافظة جنوب الباطنة: «للأسف، اكتظاظ الطالبات في الفصل يؤثر على قدرة المعلمة على متابعة انضباطهنّ خلال الحصة، حيث يتراوح عددهنّ ما بين 33 إلى 36 طالبة». وأضافت أن العدد الكبير يؤدي إلى زيادة الحديث والفوضى داخل الفصل، ويحد من قدرة المعلمة على تقديم متابعة فردية شاملة لجميع الطالبات، كما يقلل من فرصة مشاركة الطالبات بعدالة.

ضغوطات نفسية

وحول الأثر النفسي لاكتظاظ الفصول على المعلم، أشارت مزنة بنت محسن الرحبي أخصائية اجتماعية وباحثة في القضايا الاجتماعية، إلى أن مشكلة اكتظاظ الفصول تعد من التحديات التي تؤثر بشكل مباشر على المعلم، ليس فقط من ناحية الأداء التعليمي، بل أيضًا على الحالة النفسية.

وقالت الرحبي إن المعلم الذي يُكلف مسؤولية فصل يضم عددًا كبيرًا من الطلبة، غالبًا ما يتجاوز 30 طالبًا بمستويات مختلفة وسلوكيات متباينة وحالات اجتماعية ونفسية متنوعة، يجد صعوبة بالغة في متابعة جميع الطلبة ومنح كل واحد الاهتمام اللازم. وأضافت أن هذه الظروف تجعل المعلم في حالة ضغط وتوتر مستمر، إذ يحاول في الوقت نفسه شرح الدرس، متابعة فهم الطلبة، وضبط نظام الصف، وغالبًا ما يشعر بأن جهده غير كافٍ لتلبية احتياجات كل طالب، ما يؤدي إلى تعب ذهني ونفسي ويقلل من ارتياحه أثناء تأدية مهامه.

وأوضحت أن الفصول المكتظة تفرض على المعلم ضغوطًا نفسية متعددة أبرزها صعوبة الإدارة الصفية نتيجة زيادة عدد الطلبة وتنوع سلوكياتهم ومشكلاتهم، مما يجعله في حالة استنفار دائم للحفاظ على النظام. كما يؤدي الضجيج وكثرة الحركة داخل الفصل إلى ضعف التركيز أثناء الشرح وأداء الواجب المهني، في حين يزيد الضغط النفسي بسبب قلة الوقت لمتابعة كل طالب على حدة، والشعور المستمر بالمسؤولية مع وجود عدد كبير من الواجبات والاختبارات للتصحيح، مما يضاعف العبء المهني.

وأضافت أن استمرار هذه الظروف من دون تقدير للمعلم أو مراعاة تأثير الاكتظاظ على ضعف التحصيل الدراسي للطلبة، يؤدي إلى تراكم الضغوط النفسية، مما ينعكس سلبًا على استقرار المعلم وقدرته على أداء دوره التربوي بكفاءة عالية.

وأوضحت فاطمة بنت عامر العمرية عضوة بجمعية الاجتماعيين العمانية، أن التعليم لم يعد مجرد رسالة سامية تُؤدى في المدارس، بل أصبح في ظل التحديات الراهنة معركة يومية استنزافية يخوضها المعلمون خلف جدران الفصول.

وقالت العمرية إن الكثافة الطلابية المفرطة تحول المعلم إلى ما يشبه "وقود الاحتراق الوظيفي"، حيث يجد نفسه مشتتًا بين ضبط السلوك لدى عدد كبير من الطلبة ومحاولة مراعاة الفروق الفردية، ما يؤدي إلى إنهاك عاطفي ونفسي يفقده حماسه وشغفه بالعمل، ويخلق شعورًا بالعجز المهني، فتضعف قدرته على إشعال شعلة التعلم في عقول الطلبة.

وأكدت أن الحفاظ على التوازن النفسي للمعلم أصبح واجبًا مؤسسيًا واستثمارًا استراتيجيًا في جودة المخرجات التعليمية. وأشارت إلى ضرورة أن تكون المؤسسات التعليمية حائط صد حقيقي ضد الانهيار النفسي، عبر تبني سياسات احتواء شاملة ترتكز على عدة محاور وهي بيئة عمل مرنة تقلل الأعباء الإدارية عن كاهل المعلم، ليتمكن من التركيز على جوهر مهنته، ويجد متنفسًا ذهنيًا لمواجهة ضغط الفصل، والاهتمام بالرفاهية النفسية من خلال وحدات إرشادية متخصصة، وحلقات عمل لإدارة الضغوط وتفريغ الشحنات الانفعالية المتراكمة، وثقافة التقدير المستحق عبر منظومة حوافز مادية ومعنوية تعكس حجم التضحيات، وتعيد للمعلم ثقته بعطائه وتجعل جهوده مرئية ومقدرة، وتمكين المعلم وإشراكه في صياغة السياسات وتنظيم الفصول، فالمعلمين المشاركين في صنع القرار يصبحون أكثر حرصًا على نجاح البيئة التعليمية التي يعملون فيها.