No Image
عمان اليوم

كيف صمدت السياسات الاقتصادية المحلية الهادئة أمام تقلبات العالم؟

10 يناير 2026
10 يناير 2026

رحمة الكلبانية -

دخل الاقتصاد العالمي عامًا جديد وهو يحمل إرثا ثقيلا من الديون العامة تشكل عبر سنوات من الصدمات المتلاحقة التي بدأت بجائحة كوفيد 19، وتصاعد وتيرة الحروب حول العام وموجات التضخم العالمية والتشديد الواسع في السياسات النقدية، ووفق تقديرات صندوق النقد الدولي الصادرة في عام 2025 كان حجم الدين العام العالمي في عام 2024 قد تجاوز حاجز الـ100 تريليون دولار أي ما يعادل 92.3% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي ضمن مسار تصاعدي يتوقع أن يقترب من 100% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030 باستمرار المعطيات الحالية.

وفي مقابل هذا المشهد العالمي المثقل بالضغوط، قدمت سلطنة عُمان خلال السنوات الأخيرة نموذجا مختلفا في إدارة الاقتصاد، حيث استطاعت الحفاظ على استقرار مالي نسبي وتسجيل نمو اقتصادي مدفوع بالقطاعات غير النفطية مع تضخم منخفض لم يتجاوز 0.9% في 2025، مقارنة بمعدلات تضخم عالمية لا تزال أعلى بكثير، كما واصلت سلطنة عُمان خفض مديونيتها العامة في وقت تتجه فيه المديونية العالمية إلى الارتفاع وذلك لاعتمادها على نهج اقتصادي قائم على الانضباط المالي وتوظيف حذر للفوائض واستمرارية الإصلاحات الهيكلية ضمن رؤية بعيدة الأفق يقودها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- والتي بلا شك أسهمت في تمكين الاقتصاد العُماني من عبور الموجات العالمية المضطربة بأقل قدر من الأضرار مقارنة بالعديد من الاقتصادات التي واجهت الصدمات نفسها.

وإذا قارنا الأداء العالمي والأداء العُماني ضمن مسار النمو الاقتصادي خلال عامي 2025 و2026، فسنرى تباينا واضحا؛ فعلى المستوى العالمي أشارت تقديرات صندوق النقد الدولي إلى استمرار النمو عند مستويات متواضعة بواقع 3.0% في عام 2025 و3.1% في عام 2026، وقد أرجع السبب في ذلك إلى ضعف الطلب العالمي وتشديد الأوضاع المالية واستمرار حالة عدم اليقين التي أثرت في قرارات الاستثمار والإنتاج في عدد من الاقتصادات الكبرى، وقد انعكس هذا التباطؤ في تراجع زخم التعافي في العديد من الدول وخاصة تلك التي تعتمد على التجارة الخارجية أو التي تواجه قيودًا مالية متزايدة. وفي المقابل وضمن الظروف ذاتها سجل الاقتصاد العُماني أداء أكثر تماسكا، حيث نما إجمالي الناتج المحلي الحقيقي من 1.2% في عام 2023 إلى 1.7% في عام 2024 و2.4% في عام 2025 وإلى ما يتوقع أن يكون 3.7% في عام 2026.

سلطنة عُمان أمام فقاعة التضخم العالمي

رغم تراجع مستويات التضخم في العام الماضي وتوقعات استمرار تراجعه هذا العام، فإنه بقي أعلى من مستوياته التي سبقت الجائحة، حيث تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى انخفاض التضخم العالمي من 5.6% في عام 2024 إلى 4.2% في عام 2025، مع توقع تراجعه إلى 3.6% في عام 2026، وقد دفع هذا الوضع العديد من البنوك المركزية إلى الإبقاء على سياسات نقدية مشددة لفترات أطول، مما تسبب في رفع تكاليف الاقتراض وإضعاف الاستثمار وزيادة الضغوط على النمو. في المقابل حافظت سلطنة عُمان على مستويات تضخم منخفضة نسبيًّا، إذ ارتفع التضخم من 0.6% في عام 2024 إلى 0.9% خلال الفترة من يناير إلى أبريل 2025، وهو ما يعكس استقرار الأسعار المحلية مقارنة بالأرقام العالمية وساهم في الحد من الضغوط على القوة الشرائية للأسر وتوفير بيئة ملائمة للنشاط الاقتصادي، في الوقت الذي عانت فيه اقتصادات أخرى من التضخم المرتفع وتباطؤ النمو في وقت واحد.

وقد أدى تشديد السياسات النقدية الذي أشرنا إليه وارتفاع أسعار الفائدة إلى زيادة أعباء الدين العام في الكثير من دول العالم، مما قلص الإنفاق وأجل من الاستثمارات المزعومة. أما سلطنة عُمان، فقد حققت فائضًا في المالية العامة بلغ 3.3% من إجمالي الناتج المحلي في عام 2024، وواصلت استثماراتها في مشروعات تتعلق بالبنية التحتية وقطاعات التعليم والصحة والمياه وغيرها، مما يمكن القول إنه انعكاس لقدرة السلطنة على تحقيق التوازن بين ضبط المالية العامة والاستمرار في الإنفاق الاستثماري، في وقت اضطرت فيه دول عديدة إلى تبني سياسات مالية أكثر صرامة تحت ضغط الأوضاع العالمية.

ويبرز الاختلاف بين المسار العالمي والمسار المحلي بصورة أوضح عند النظر إلى تطورات الدين العام وبناء الثقة المالية، فعلى المستوى العالمي أدى تراكم العجوزات وارتفاع أسعار الفائدة إلى تصاعد مستويات الدين العام في العديد من الاقتصادات، مما زاد من حساسية هذه الدول للصدمات المالية وقيد قدرتها على الاستجابة للأزمات. في المقابل واصلت سلطنة عُمان مسار الخفض التدريجي للدين العام، حيث تراجعت نسبته من 37.5% من إجمالي الناتج المحلي في عام 2023 إلى حوالي 35% في عام 2024، واستمرت في الهبوط لتصل إلى مستويات قياسية بنحو 32% بنهاية عام 2025، مع استمرار توجيه جزء من فوائض المالية العامة لسداد الالتزامات. كما انخفض دين الشركات المملوكة للدولة إلى نحو 31% من إجمالي الناتج المحلي مدعومًا بالتقدم المتواصل في تنفيذ خطة إصلاح هذه الشركات تحت إشراف جهاز الاستثمار العُماني وما صاحبها من تحسن في الحوكمة والربحية وإدارة المخاطر.

إصلاحات متدرجة ومتسقة

وحول العالم تزايدت في السنوات المنصرمة صعوبة تنفيذ الإصلاحات الهيكلية بسبب الضغوط المالية والاجتماعية، عدا أنه رغم اتصال سلطنة عُمان بالمشهد العالمي وتأثرها به، فقد واصلت المضي في مسار إصلاحي متدرج ومتسق عزز قدرتها على الصمود أمام التقلبات الخارجية. فعلى المستوى العالمي تواجه العديد من الدول تحديات في تحديث أطرها الضريبية والمالية وتطوير قطاعاتها الإنتاجية في ظل محدودية الحيز المالي وارتفاع مستويات الدين، في المقابل أشار صندوق النقد الدولي إلى أن زخم الإصلاحات الهيكلية في سلطنة عُمان كان قويًّا حتى منتصف العام المنصرم مدعومًا بالتقدم الملحوظ في تنفيذ برنامج تحديث الإدارة الضريبية ومواصلة البنك المركزي العُماني جهوده في تنقيح إطار إدارة السيولة إلى جانب المضي في تنفيذ خطة تطوير القطاع المالي عبر مبادرات تستهدف توسيع إمكانات الحصول على التمويل، كما حققت إصلاحات الشركات المملوكة للدولة تقدمًا ملموسًا على صعيد الحوكمة والربحية وإدارة المخاطر، في وقت أطلق فيه صندوق عُمان المستقبل عملياته واختيرت مشروعات متعددة للحصول على التمويل وتعبئة رؤوس أموال من القطاع الخاص.

أما فيما يتعلق بالتجارة وسلاسل الإمداد فقد استمرت حتى العام الجاري حالة التباطؤ وعدم اليقين نتيجة تصاعد القيود التجارية وارتفاع التعرفات الجمركية واستمرار آثار الاضطرابات التي شهدتها سلاسل الإمداد خلال الأعوام الماضية، ووفق تقديرات صندوق النقد الدولي فقد تراجع نمو حجم التجارة العالمية إلى 2.6% في عام 2025، مع توقع انخفاضه إلى 1.9% في عام 2026 وهو ما انعكس سلبًا على الاقتصادات الأكثر اعتمادية على التجارة الخارجية وأضعف آفاق النمو لديها. ولكن وفي السياق ذاته أشار الصندوق إلى أن التأثير المباشر للتوترات التجارية العالمية على سلطنة عُمان يظل «محدودًا» نظرًا لمحدودية صادراتها إلى الولايات المتحدة، إلا أن الآثار غير المباشرة قد تبقى قائمة، ومع ذلك أظهر الاقتصاد العُماني قدرته على احتواء هذه الضغوط مقارنة بالعديد من الاقتصادات الأخرى، مستفيدًا من تنوع أنشطته غير النفطية واستمرار الاستثمارات في قطاعات الخدمات اللوجستية والصناعة التحويلية، مما خفف من حدة التأثر بالتباطؤ التجاري العالمي وعزز مرونة الاقتصاد في مواجهة صدمات خارجية متكررة.

أخيرًا، تكشف المقارنة بين مسار الاقتصاد العالمي ومسار الاقتصاد المحلي العُماني خلال السنوات الخمس الأخيرة وصولًا إلى عام 2026 عن اختلاف واضح في القدرة على إدارة الصدمات والضغوط الخارجية، ففي الوقت الذي يواجه فيه العالم تباطؤًا في النمو وارتفاعًا في مستويات الدين واضطرابات في التجارة وأسواق الطاقة، تمكنت سلطنة عُمان من عبور هذه المرحلة بأقل قدر من الخسائر، مستندة في ذلك إلى نهج اقتصادي هادئ ومتدرج قائم على الانضباط المالي والإصلاحات المستمرة وتوظيف الفوائض بالطريقة الأمثل وهو ثمرة خطوات اقتصادية محسوبة قادها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- والتي ركزت على بناء أسس مالية متينة وتعزيز دور القطاعات غير النفطية ضمن رؤية طويلة الأجل تتقاطع مع أهداف «رؤية عُمان 2040».